رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 18 نوفمبر 2018

المجلة



عمل فى بداية حياته بائعاً للورد.. محمد دكروب.. مدخل المصريين إلى الثقافة اللبنانية

10-11-2017 | 03:05
نبيل فرج

عثر على مخطوطة نجيب سرور المفقودة «رحلة فى ثلاثية نجيب محفوظ»

نشر كتابى «فى الثقافة المصرية» لأنيس والعالم و«بيانات لمسرح عربى» لسعد الله ونوس
 
كتاباته عن الشخصيات التى عايشها مراجع لا غنى عنها
 
فى الرابع والعشرين من شهر أكتوبر 2013، نعت وكالات الأنباء الأديب اللبنانى محمد دكروب الذى كان على صلة حميمة بالثقافة والمثقفين فى كل الأقطار العربية، ولم تكن علاقة محمد دكروب بمصر تقل عن علاقته بغيرها من الأقطار، ليس فقط بمشاركته فى احتفالاتها الأدبية، مثل الاحتفال بالذكرى المئوية لميلاد توفيق الحكيم فى 1998، وإنما للدور الفاعل الذى قام به فى نشر مقالات الكتاب المصريين فى المجلتين «الثقافة الوطنية»، و«الطريق»، حين كان مشرفا على تحريرهما فى بيروت، وإعداد الملفات عنهم وعن الثقافة المصرية التى كان يحيط بتياراتها المتضاربة، فى هذه المرحلة من الخمسينيات وما بعدها، التى كان الصراع فيها محتدما بين دعاة الفن للحياة، ودعاة الفن للفن.
 
لو أننا عدنا إلى أعداد هاتين المجلتين، سنجد أن الكتاب المصريين الذين كتبوا فيهما بدعوة من محمد دكروب كانوا من الملتزمين لا الشكليين.
 
على أن فضل محمد دكروب لم يقتصر على هذا المجال، وإنما تجاوزه إلى جمع المقالات المتفرقة للناقدين محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس فى كتاب «فى الثقافة المصرية»، الذى كان يمثل منعطفا جديدا فى النقد العربى، وأدرك محمد دكروب بعد سنوات أن الاهتمام بالمضامين فى هذا النقد الأدبى كان يُغلب الاهتمام بالأبنية الفنية، نتيجة الحماس الوطنى للمرحلة، الذى أدى فى تطبيقاته إلى تقديم مضمون الأعمال على قيمها الجمالية.
 
ومن الكتب التقدمية التى يرجع إلى محمد دكروب نشرها كتاب «بيانات لمسرح عربى» للكاتب السورى سعد الله ونوس، الذى لمع اسمه بنصوصه الطليعية ذات الأبعاد السياسية التى تهدف إلى تغيير العقلية الفردية من نطاقها المحدود، وتوعية المجموع بمصيرها التاريخى، والحوار مع التيارات المسرحية فى العالم.
 
وهناك كتاب ثالث بالغ الأهمية لنجيب سرور عنوانه «رحلة فى ثلاثية نجيب محفوظ»، كان مفقودا لعشرات السنين، نشر محمد دكروب منه فى«الثقافة الوطنية»، فى 1958، أربعة فصول، دون أن يكون تحت يده النص الكامل، ثم انقطع عن نشر باقى فصوله لتوقف المجلة عن الصدور. وبعد عشرين سنة استطاع دكروب أن يعثر على مخطوطة بخط يد كاتبه الذى رحل، وتمم به فصول الكتاب، وأصدره فى بيروت فى سلسلة الكتاب الجديد فى 1989.
 
وبرغم كثرة الأعباء التى اضطلع بها محمد دكروب ما بين التحرير فى المجلتين، وجمع الكتب واستكمالها وتقديمها، فلم يأخذ عليه أو يعيره أحد من الكتاب الذين تعاملوا معه، أو كتب عنهم. سواء من كان منهم فى بداية حياته الأدبية أو كان من المشهورين، وسواء كانوا من الذين يتمسكون بالأيديولوجيا أو من يدافعون عن الأبنية الفنية وحدها.، ولا شك أن محمد دكروب فى تعامله مع الكتاب والمثقفين من كل الأعمار كان متأثرا بالحدب الذى تلقاه فى شبابه الأول من الأديب اللبنانى إلبير أديب، صاحب مجلة «الأديب»، الذى رعاه فى عمره المبكر، فقيرا بلا شهادات وبلا مظهر لائق، يتقلب فى المهن الصغيرة مثل السمكرة وبيع الخبز والترمس والورد، هذه المهن التى كان يذكرها كواقع ولا يتاجر بها.
 
ومع هذا كان ألبير أديب يكلفه بكتابة افتتاحيات مجلة «الأديب»، وإعداد بعض الموضوعات لها، انطلاقا من إيمانه بموهبة محمد دكروب التى لمسها فيه، فهيأ له الطريق للعالم الذى ينتظره.
 
ولم يكن ألبير أديب فقط الذى أخذ بيد محمد دكروب، بل هناك أيضا الناقد والمفكر الكبير حسين مروة، الذى يعد من أعلام المدرسة الواقعية فى النقد، وأقدر هؤلاء الأعلام على الالتفات إلى خصوصية الإبداع وغناه الداخلى فى خطه القومى، ومعانيه الإنسانية، وكان محمد دكروب من أشد المقربين إليه وارتباطا به، وأخذ عنه الكثير من علمه ومن منهجه فى التأليف الذى يصفه بأنه ينتزع من النار.
 
وهنا يمكن أن نذكر أن الثقافة العربية فى كل عصورها كان يوجد بها أدباء وفنانون من العامة لم يلتحقوا بالجامعات أو بالمدارس مثل محمد دكروب فى لبنان، وحنا مينه فى سوريا، ومحمد شكرى فى المغرب، ومحمد صدقى ومحمد سالم فى مصر وغيرهم، إلا أنهم كانوا يملكون من الفطرة والموهبة والفصاحة ما يفوق أصحاب الشهادات العالية من كبرى الجامعات.
 
كما أننا لو راجعنا كتب التراث سنجد أن الأجيال الماضية تعاملت مع هؤلاء الأميين تعاملها مع العلماء، لأنهم شاركوا فى تشكيل الوجه المتألق للثقافة العربية، وشاركوا فى صياغة حضارتها.
 
وعلى الذين يريدون قراءة التاريخ الحقيقى للمجتمعات والأوطان أن يقرأوا ما كتبه هؤلاء الذين عاشوا فى وسط الطبقات الشعبية، قبل أن يقرأوا ما كتبته النخبة المتعلمة المتعالية، التى تحسب حساب كل شىء بالمسطرة والميزان.
 
ومن الواضح أن اضطلاع محمد دكروب بهذه المهام الثقافية المتعددة كان على حساب حقه الذاتى فى الإنتاج الذى لا يعدو، بعد عشرات السنين، بضعة كتب لا يتناسب عددها مع الزمن الذى استغرقه فى حرفة الكتابة، ذلك أن اهتمامه بالحركة الثقافية العربية وبالكتاب الآخرين كان مقدما على اهتمامه بنفسه وبأوراقه.
 
وإذا تخطينا الحديث عن هذه الكتب القليلة لمحمد دكروب، وهى بالغة القيمة، فلن يكون من اللائق عدم الإشار ة إلى كتابه التوثيقى «جذور السنديانة الحمراء»، الذى وضعه فى 1974، فى الذكرى الخمسين على تكوين الحزب الشيوعى اللبنانى، ويتضح فيه التزام دكروب بالأسس العلمية للكتابة التاريخية، التى تربط تاريخ هذا الحزب وتطوره بتاريخ وتطور لبنان عبر أحداثه الوطنية وصراعه وطموحه فى التحرر القومى.
 
ويذكر الكاتب اللبنانى أحمد علبى أنه فى الفترة الأخير ة من حياة محمد دكروب، عقد معه حوارا مطولا يشبه المحاكمة، طرح فيه ما يؤخذ عليه، وجوهره ظلمه لنفسه بإهمالها لصالح غيره. ولأن هذا الحكم كان صحيحا مائة بالمائة، سلم به دكروب بلا نقض أو مراجعة.
 
ولهذا يؤكد أحمد العلبى أننا لو نبشنا فى أوراق محمد دكروب المكدسة، التى خلفها بعد رحيله، فسنجد فيها حتما الكثير من المخطوطات والنصوص التى شُغل عن نشرها بسبب هذه الاهتمامات التى لم تمكنه من تحقيق هذا النشر. وستثبت لنا هذه الأوراق أننا سنكون إزاء كاتب كان ملك الأقطار العربية، وليس ملك لبنان فقط.
 
وواجب المثقفين ودور النشر فى هذه الأقطار أن تنقذ هذا الميراث الأدبى من الضياع.
 
لقد كانت كتابات محمد دكروب عن الشخصيات التى عايشها مراجع لا غنى لكل دراسة عنها. وتعد المفاهيم والمصطلحات المغلوطة التى لا تصدر عن تجربة عملية أو ممارسة فعلية، من همومه الأساسية التى يدحضها ويفتح بها الآفاق للحوار مع التيارات المختلفة، المحافظة وغير المحافظة، التى كانت تنقلب على الساحة.
 
ومع هذا فإن محمد دكروب لا يجد حرجا فى أن يعترف أن بضاعته من الثقافة العربية قليلة، وأنها فى الثقافة الأجنبية معدومة، وأنه كان يتلقى المعارف عن هذه الثقافات من أصدقائه وطلاب العلم، الذين يلتقى بهم ويتعرف إليهم، حاملا لهم كل تقدير، فإن لم يفهم شيئا مما يقال له، أو يقرأ عليه، اعترف لهم بلا حرج عن عدم الفهم.
 
لكنه استطاع بهذه الحصيلة التى تتاح له أن يتمتع بهذه القدرة على التعبير الدقيق عن أعقد القضايا الفكرية والفنية، وأن يقرأ فى النصوص ما هو أبعد منها.
 
وبحكم أن كتابات محمد دكروب عن الشخصيات التى يتناولها تجمع بين الترجمة والذكريات والنقد، فقد كان دائما على يقين بأن هذا الأسلوب هو الأسلوب الملائم، الذي يقبل عليه القراء ولا يملون منه.
 
أما النقد البحت، أو التراجم الخالصة، والذكريات، التى تقتصر على موضوعها بمنأى عن كل ما عداه، فقد كان دكروب لا يميل إليه، ويفضل عليه التفاعل مع المؤلفين، وذكر تجاربه معهم ذات المعانى والدلالات.
 
ولم يكن دكروب يكتفى فى الكتابة بطرق موضوعاته مرة واحدة، وإنما كان يعيد الكتابة عن هذه الموضوعات، إذا تكشفت له جوانب أخرى كانت خافية، تهديه إليها ذاكرته والكتب القديمة وأرشيف الصحف والرسائل الخاصة التى فى حوزته، ويشعر أنها بما تتضمنه من حقائق غير معروفة لأحد، تستحق أن تضاف إلى ما سبق كتابته، لأنها تكمل نقصا عليه تداركه.
 
إنها كتابات مفتوحة، لا تزعم لنفسها الكفاية أو الكمال، تؤمن بأن الكلمة خلق، وأنه بمضمون الكلمات يمتلك المرء الدنيا، ويرجو أن يقدر لها بقلمه أو بقلم غيره أن يضاف لكل كتابة ما يزيد من قيمتها، وأن يجعلها جديرة بأن تحتل مكانها فى تاريخ الثقافة العربية الحديثة.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg