رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 11 ديسمبر 2017

المجلة



تخرج عن صمتها لتكشف الأسرار.. أيقونة الثورة الجزائرية «جميلة بوحيرد»: لن ننسى دور مصر فى مساندتنا

17-11-2017 | 17:16
حوار أجراه: حمدى المليجى

 
التقيت جمال عبد الناصر.. وعبد الكريم قاسم منحنى الجنسية العراقية 
 
دور المرأة فى ثورة التحرير كان مهما وبارزا ولولاها ما تحررت الجزائر 
 
التقيت بقادة الثورة الجزائرية وبيتنا كان نواة حقيقية لها 
 
أختلف مع هوارى بومدين لأن فلسطين لم تكن يوما ظالمة 
 
الاستعمار أطلق علينا وصف «إرهابيون» لأننا ندافع عن الأرض والعرض 
 
لا أحد يستطيع الحديث عن ثورة الجزائر لأنها أكبر من أى شخص 
 
 
ترفض الإدلاء بأى أحاديث أو تصريحات صحفية سواء للصحافة الخاصة أو الرسمية، إيمانا منها بأن محبة الشعوب العربية هى الأبقى والأغلى، لذا قررت الابتعاد عن صخب الأضواء والشهرة، إيمانا منها أيضا بأن الشهداء هم فقط من يستحقون التكريم، لأن هناك فرقا كبيرا بين من يموت من أجل نفسه ومن يموت من أجل وطنه.
مند قدومى إلى الجزائر بلد "المليون ونصف المليون شهيد " فى مهمتى الصحفية وأنا أبحث عنها، لم يضننى البحث ولم أمل الانتظار، فشخصية مثلها جديرة بأن يتذرع الصحفى بكل أنواع الصبر حتى الوصول إليها.
 
وبعد كثير من الجهود التى بذلت والاتصالات المستمرة، وافقت أخيرا على اللقاء وكلل الله السعى بالنجاح، ومن عجائب القدر أن تأتى الموافقة وأنا ألملم أوراقى فى ختام رحلة عمل استمرت عامًا، وكأن القدر أرادها أن تكون مسك الختام.
 
أخيرا جاءنى صوتها عبر الهاتف ودودا، "ابنى حمدي" أنا أنتظرك فى الثالثة والنصف عصرا... وفى الطابق الخامس عشر الذى صعدته على الأقدام استقبلتنى "ماما جميلة"، كما تحب أن أطلق عليها، ربما لم تكن المرة الأولى التى أراها فيها، سبق وأن رأيتها فى الحفل الذى أقامه ملحق الدفاع العسكرى العميد محمد السوسى بمناسبة انتصارات أكتوبر، وكانت هى من أبرز الحضور، لكنها المرة الأولى التى أتفرس فيها ملامحها عن قرب... إنها "جميلة بوحيرد" أيقونة ثورة التحرير الجزائرية، المرأة التى صفق لها العالم طويلا محبة واعتزازا وتقديرا.
استقبلتنى "بوحيرد" وفى وجهها بشاشة وابتسامة ظلت مصاحبة لها طوال اللقاء، لاحظت أن منزلها يخلو من أى عامل أو مساعد، فقامت وببساطة عادية لتقدم لى بيدها بعض المأكولات الجزائرية مع بعض المشروبات التى يتميز بها الشعب الجزائرى، حاولت أن أساعدها فابتسمت وقالت مازحة "جميلة بوحيرد لا تزال شبابا لم أعجز بعد".
 
شعرت أنى فى حضرة التاريخ، فأنا أجلس مع "جميلة بوحيرد" المرأة التى سيستيقظ الشهداء من مقابرهم إذا ما تكلمت... هى ليست مجرد اسم رنان فى التاريخ العربى الجزائري، إنها رمز مضيء من رموز الكرامة العربية والحرية الإنسانية، هى تجسيد للنزوع المقدس نحو كل ما هو جميل فى الحياة البشرية، إنها قصيدة فى تراب الوجدان الجزائرى والعربى والإنسانى... وحدهم العظماء يعرفون معنى الصمت.
 
وعلى الرغم من إيمان أيقونة الثورة الجزائرية جميلة بوحيرد، أن " لا أحد يستطيع الحديث عن ثورة الجزائر لأنها أكبر من أى شخص"، فإنها استدعت - فى لقائها مع مجلة "الأهرام العربى" - بعضا من ذكرياتها المليئة بالنضال والكفاح ومليئة أيضا بالفرح والألم والدموع، حيث استرجعت ذكرياتها ولقاءها مع الزعيم المصرى خالد الذكر جمال عبد الناصر، والدور الكبير الذى لعبته مصر من أجل الجزائر، وكيف تضامن الشعب المصرى مع ثورة التحرير الجزائرية المباركة، ولم تنس أن تحيى الشعب المصرى الذى تبادله حبا بحب....مشيرة إلى أنها تحب أم كلثوم وعبد الوهاب.
 
وتقول جميلة بوحيرد :"أحب العرب جميعا فبلاد العرب أوطانى .. تربيت على يدى أمى التى علمتنى أن العرب هم أهلى فهى عروبية وقومية وكانت تؤمن بذلك".
 
وتضيف :"أنها مع الشعوب العربية بأكملها وتحب هذه الشعوب...أحمل الجنسيتين السورية والعراقية التى أعطاها لى الرئيس العراقى الراحل عبد الكريم قاسم وهناك حى فى العراق اسمه على اسمى كما أطلق أسمى على شوارع كثيرة فى سوريا فبلاد العرب كلها أوطانى".
 
تسترجع "بوحيرد" بعضا من ذكريات الثورة، التى يحتفل الجزائريون بذكراها الثالثة والستين فى نوفمبر كل عام، عندما تذكرت صوت أبيها وكلماته لأمها بعد أن حكم عليها بالإعدام، أنت من زججت بابنتك إلى مقصلة الاستعمار الفرنسى فعليك أن تخلصيها من بين أيديهم، تبتسم جميلة وهى تردد كلمات أمها بعد أن ترفع سبابتها إلى السماء بأنه هو وحده القادر على تخليص ابنتى من براثن الاستعمار الفرنسى هى وأخواتها فى النضال والكفاح.
 
وتتوقف جميلة بوحيرد أمام دور المرأة الجزائرية فى ثورة التحرير، حيث كان لها الدور الأبرز فى تحرير الجزائر.. فلولا المرأة ما حررت الجزائر..كان الرجال يخرجون للكفاح والنضال ويتركون زوجاتهم وأولادهم لمدة تزيد على ثلاثة أعوام.. تقوم المرأة خلالها بتدبير احتياجاتها وتسيير شئون منزلها ولا تجعل الرجل يحمل هما لها... جاهدت المرأة جهادا أكبر"، تقول بوحيرد.
 
وتستعيد ذكرياتها ولقاءها مع قادة الثورة، مؤكدة أنه كان لها شرف أن يكون بيتها وبيت عائلتها فى حى "القصبة" العتيق بالعاصمة الجزائر، نواة حقيقية للمجاهدين الجزائريين"، معتبرة أن الجزائر مليئة بالمجاهدين الذين لا يعرفهم أحد واستشهدوا فى معارك بحى القصبة وغيرها، فهم شرف لكل الشعوب العربية وليس الشعب الجزائرى فقط.. كانوا نموذجا حيا ومتميزا للعطشى من أجل الحرية والخروج من نير الاستعمار".
 
ترى أن حب الوطن شىء "مقدس" لا يقبل أنصاف الحلول، وأن الحياة بكل ما فيها تذهب فداء من أجله، وهذا أمر طبيعى من "امرأة حديدية" كانت على بضع خطوات من حتفها، حيث تعمد الاستعمار الفرنسى إخفاء موعد إعدامها عن الإعلام، لكن تم تأجل تنفيذ الحكم، ثم عدل إلى السجن مدى الحياة، وبعد تحرير الجزائر، خرجت جميلة بوحيرد من السجن.
ربما إنكار الذات وحب الإيثار هو ما يدفع جميلة بوحيرد إلى اعتزال الأضواء ورفض أى تكريم، لأنها تؤمن، كما تقول: إن الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم وقدموا أرواحهم رخيصة فداء للجزائر الوطن هم أولى بالتكريم.
 
وفى هذا السياق، قالت جميلة بوحيرد:"عندما حملنا أرواحنا على أكفنا، وناضلنا من أجل استقلال الجزائر لم نفعل ذلك من أجل البحث عن شهرة أو مجد زائل زائف فعلنا ذلك من أجل وطننا وشعبنا نحن الثورة، وأقصد بنحن أى الشعب الذى أعطى دماءه وعرقه ورجاله ونساءه ومليون ونصف المليون شهيد من أجل تحرير الجزائر التى أعطتنا كل شيء".
وتأخذها الذكريات بعيدا عندما تتذكر حى "القصبة" مكان مولدها ونضالها وتقول:"عندما تذهب إلى القصبة ستجد ثلاث دور لعائلتى كانت نواة ومرتكزا حقيقيا للمجاهدين الذين يخرجون من دار ويذهبون إلى الدار الثانية ثم يستقرون فى الثالثة ..كانت هناك دار مشدودة بالحطب " لكنها تتوقف باستغراب شديد عندما أطلق الاستعمار الفرنسى، وقال عنها وعن مجاهدى الجزائر لفظ "إرهابيين" فقط لأننا نحمى الأرض ونصون العرض".
 
تتذكر بوحيرد ذلك المناخ العام الذى ترعرعت فيه، ومدى الوحشية التى ارتكبتها فرنسا بحق الشعب الجزائرى، وكيف أنها تلقت تعليمها فى مدرسة فرنسية، لكنها سرعان ما انضمت لحركة المقاومة السرية عن طريق شقيقها. وكانت آنذاك فتاة باهرة الجمال وجريئة للغاية.
 
وللقضية الفلسطينية منزلة خاصة فى وجدان وقلب وعقل "جميلة بوحيرد"، فهى دعمت القضية الفلسطينية وتعلم أن الجزائر وفلسطين توءم فى النضال، لأن الدولتين غرقتا بدماء الشهداء من أجل الحرية والاستقلال، وما زالت فلسطين تقدم الغالى والنفيس من أجل حريتها وإنجاز الاستقلال الوطنى، فالجزائر ارتبطت بجذور فلسطين والتحمتا بالوفاء والوئام.
تختلف "بوحيرد" مع الرئيس الجزائرى الراحل هوارى بومدين، الذى قال إن الجزائر مع فلسطين سواء كانت "ظالمة أم مظلومة"، فتقول بوحيرد: فلسطين كانت ولا تزال مظلومة ولم تكن يوما أبدا فى عداد الظالمين.
 
وفى نهاية لقائها الودى مع "الأهرام العربى" دعت بوحيرد، بأسى يغلفه أمل، البلدان العربية إلى الوحدة والترابط فيما بينها، وإلى توحيد الصف والكلمة لقطع الطريق أمام أعداء الأمة العربية والمتربصين بها.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg