مقالات



لأنها شادية

18-11-2017 | 16:11
سيد محمود

الذين خرجت معهم شادية وسارت إلى جوارهم فى المطارات لتمسح دموعهم وهم يغنون: (خلاص مسافر) وحدهم يفهمون سر حزن الناس عليها وهى ترقد فى سرير المرض.

والذين لمسوا فى صوتها الحاجة للأمان الدائم وهى تغنى (غاب القمر يا ابن عمى) هم الذين سهروا ليطمئنوا عليها بعد أن وصلت بالسلامة.

كنا نعلم أن الله لن يتركها وحدها، لأنها لم تتركنا أبدا، رافقتنا فى كل التجارب، تعلمنا معها أشياء كثيرة، فقد كنا ننمو مع صوتها، بكينا معها فى (التلميذة) وغفرنا لها جريمتها مع عمر الشريف بعد (لوعة الحب)، ومسحنا معها البلاط فى (لا تسألنى من أنا) وعرفنا أنها سيدة أدمنت التحدى، وامرأة متعددة القدرات، وهى أيضا لا تشبه أحدا غير أنوثتها التى ظلت فخر الصناعة المصرية، بضاعة ليس لجمالها تاريخ صلاحية، فهى (أكبر من الزمن).

أكدت اللهفة التى أبداها المصريون على متابعة أخبار صحتها، أن حبها علامة جودة وماركة مسجلة، لكن أحدا لم يجب عن سؤال: لماذا نحب شادية؟

قبل أن تدخل أزمتها الصحية الأخيرة، احترم الجميع الطمأنينة التى تحمى يومها من الفضول، وحافظوا لها على الوداعة التى ارتضتها وأخلصت لها، لذلك جاء خبر مرضها ليقطع علينا هذا الأمان، واكتشفنا معه أن حبها وشم على ذاكرة أعدت للنسيان.

كنت أظن أن شادية حب مصرى خالص، ولم أنتبه إلى أنه من قضايا القومية العربية، إلا حين طالعت تعليقات فيس بوك، واكتشفت أن لهذه السيدة مكانة لم تكن أبدا موضع نزاع، لأنها لا تشبه أحدا.

تشابهت مع سعاد حسنى واختلفت عنها..  تشابهت معها فى شرط القبول، واختلفت معها فى معنى الغزيرة، واعتمد جمالهما معا علي غياب المسافة، فجانب كبير من سطوته كامن فى انتشاره، فهو جمال عمومى، يستند علي الطبيعة، لكن هذا التشابه لم يجعله صورة للجمال البعيد، فهو قرب راحة اليد لكننا نخشى انتزاعه كما نخاف من قطف الوردة .
فاجأنى مرض شادية وكشف لى عن حضور لم أكن أعرفه لدى أصدقائى فى العالم العربي، ووجدت نساء كثيرات أعرف جمالهن كنا حزينات على شادية أكثر منا جميعا.  وأظهرن حزنا يليق بأخت كبرى كشفت لهن دائما عن أسرار الأنوثة والفتنة المغمورة بالخفة.

رفضت كاتبة عربية كبيرة أن تختصر شادية فى الإعلام فى صورة الدلوعة لأنها أكبر من هذا الوصف بكثير.

لا يعرف العرب لشادية أغنية تروج للقومية على طريقة عبد الحليم حافظ، أو أم كلثوم، باستثناء (وطنى حبيبى الوطن الأكبر)، فهى لم تتورط فى العروبة أكثر من ذلك، وأحب الجميع فى مسيرتها هذه النبرة المصرية الخالصة، وظلت تعبر مثل مصر تماما عن هوية اتسعت للجميع ولم تكن ضيقة أبدا، وهكذا ننظر لصوتها وسيرتها البسيطة مثل يد تصافح والمجردة مثل كلمة حب، أما صوتها فبقى رائقا كبئر فى قلب واحة، يؤدى وظيفته فى هزيمة العطش .

بقى صوتا دالا على أنوثة ليست جريحة ونسويا، قبل أن تصبح النسوية وصفة لمقاومة الذكورة، فقد احتفظ بنضارته وقدرة على غواية لا حدود لها، وربما لا يزال البعض يتذكر أن هذه السيدة كانت أيقونة قبل فوضى الأيقونات، فعلى طريقتها صنعت (قصة شعر شادية) بقصة تنسدل على جبين، فتخفى وتعلن بنفس المهارة .

وكان شعرها الأسود تاجا لأميرة من زمن الحواديت، لكن لم يكن جمالا رومانسيا خالصا، بل اكتسب قوته من قدرته على الغواية المفرطة، فيكفى نظرة على (الديكولتيه) لنعرف قوة ما يخفيه .

وفِى لحظة مناسبة تماما أدركت شادية معنى الانسحاب وضرورته، وقبل التفرغ للعبادة، ابتهلت للوطن وتفرغت له وكانت تجربتها مع بليغ حمدى فى يا حبيتى يا مصر، ومن قبلها أسمرانى اللون، أجمل من كل دروس التربية الوطنية، وصار صوتها يدل على بلد كأنه عنوان لقلب ضائع .

وحين اندلعت ثورة يناير كان صوتها وحده مثل الميدان، حاصل جمع لجميع الرغبات. وعندما اختارت التوقف عن ممارسة الفن لم يختلف أحد على حقها، لأنها لم تجعل الاعتزال موضوعا للنزاع أو مادة للربح، كما لم تتورط فى الانتقام من ماضيها الفنى، فانسجمت صورتها مع هذا الماضى بلا ابتذال، لتنعم بالطمأنينة الكاملة التى تكمل فى غيابها معنى الحضور، فلا قوة تعادل قوة الاستغناء.

عادت صورة شادية لإطارها الأنيق، الذى صنعته من ذهب العشق، ولأنها شادية فلم نطلب منها غير أن تبقى كذلك.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg