رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 21 ابريل 2018

مقالات



قصة الاستخبارات البريطانية (MI6)

27-11-2017 | 18:27
نبيل شرف الدين

.. مخزن أسرار العالم.. ومفرخة أجهزة المستعمرات السابقة
حينما تتتبع المؤسسات البريطانية، ستجد نفسك مضطرًا لاستخدام «أفعل التفضيل» كثيرًا، فهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أقدم وسائل الإعلام، وهناك أيضًا أعرق الجامعات وأول الدساتير والبرلمانات بمفهومها المعاصر، وجهاز الاستخبارات البريطانية يحظى بذات الريادة الدولية بمضمار الخدمة السرّية، والتى لعبت أدوارًا مُعلنة وأخرى مازالت خفيّة، لكنها بالتأكيد اضطلعت بمهام خطيرة على أصعدة صناعة الأمن، وتشكيل السياسات الدولية، ومن عباءتها خرجت معظم أجهزة الاستخبارات العربية، التى أسست هياكلها التنظيمية ودربت عناصرها ووضعت آليات عملها، وربما كانت أجهزة مصر الوحيدة التى خرجت من العمق المصرى، بينما كانت نظيراتها العربية، خاصة بمعظم دول الخليج، وشبه القارة الهندية فهى بريطانية المنشأ، باستثناء المستعمرات الفرنسية السابقة التى ساهمت باريس بتأسيسها، ومازالت تلك الأجهزة ترتبط بصلات وثيقة بصنّاعها.
 
يقودنا البحث عن جذور نشأة جهاز الاستخبارات البريطانية (MI6) لعهد الملكة إليزابت الأولى، وبرغم تمسكها المفرط بطبيعتها السرّية لهيكلها التنظيمى وآليات عملها وعملياتها وأهدافها، فقد اخترقها عملاء مزدوجون خلال مراحل تاريخية منذ تدشينها رسميًا عام 1909 للآن، ويعمل فيها نحو ثلاثة آلاف موظف، ويقدم مشورته وتوصياته وتقاريره لوزير الخارجية البريطاني، وتجدر الإشارة إلى أن معيار الكفاءة يمنح فرصة عمل بالجهاز، لكن هناك تقليدا عُرفيا، بأن يقتصر منصب رئاسته على الشخصيات ذات الجذور البريطانية القُحّة والأرستقراطية.
وجهاز (MI6) يتبع «مكتب الخدمات السرية» الذى تأسس بمبادرة مشتركة من «الأدميرالية البريطانية» و«مكتب مراقبة عمليات المخابرات السرية» داخل بريطانيا وخارجها، وكانت أبرز أهدافه حينذاك رصد وتتبع أنشطة الأجهزة الألمانية، حتى ضمت لإشراف البحرية الملكية التى تخصصت بعمليات التجسس الخارجى ومكافحة أنشطة التجسس الداخلي، منذ عام 1914.
وقبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، خضعت المؤسستان لإعادة هيكلة إدارية وتشكلت دائرة الاستخبارات العسكرية التى أطلق عليها حينذاك (MI6) الاسم الذى مازالت تحمله حتى الآن، وكان أول مديريها السير مانسفيلد سميث كمنج، وكان يُشار إليه بالحرف C فى المخاطبات الرسمية، وبرغم تغييرات مسميات الجهاز عبر ما يزيد على قرن، فإن «القسم الخارجي» مازال المسئول الأول عن جمع وتحليل المعلومات الأجنبية منذ تأسيسه ليومنا الحالي.
منظومة الاستخبارات
خدمة الاستخبارات السرية Secret Intelligence Service، (SIS) التى تعرف باسم (MI6) هى مكتب الاستخبارات الخارجية، وتخضع لإدارة الهيئة البريطانية المشتركة للاستخبارات (UK Joint Intelligence Committee) ويتعاون جهاز الاستخبارات بصورة وثيقة يوميًا مع جهاز الأمن الداخلى، وجهاز الاتصالات الحكومية البريطانية (MI5)، ومركزه الرئيسى (GCHQ) والاستخبارات الدفاعية (DIS).
وتعد منظومة (SIS) مسئولة عن أنشطة التجسس البريطانية خارج حدودها بشتى أنحاء العالم، وتعتبر (MI6) كيانًا استخباراتيًا يماثل (CIA) من حيث المهام والمسئوليات، وبرغم أن حجمها وتجهيزاتها التقنية أصغر كثيرًا من الأمريكية، لكنها تتفوق عليها نوعيًا بالكفاءات البشرية ومعلومات أرشيف وزارة المستعمرات السابقة، الذى يتضمن بيانات تفصيلية للدول التى خضعت لاحتلال بريطانيا حينما كانت إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس.
أما (MI5) فتماثل (FBI) الأمريكية ومهمتها الرئيسية مكافحة التجسس والتخريب فى البلاد، وتختلف عنها بتنفيذها لعمليات المخابرات المضادة فيما وراء البحار أيضًا، ولكنها لا تقوم بالاعتقالات، بل تترك تلك المهمة لشرطة أسكُتلَنديارد Scotland Yard.
الأساس القانونى والهيكل التنظيمي
لعل المثير فى الأمر أن الحكومات البريطانية المتعاقبة لم تعترف رسميًا بوجود جهاز مخابرات حتى سنة 1992، ولا يوجد أساس قانونى لأنشطة الجهاز حتى صدر «قانون أجهزة المخابرات» عام1994، وترجع أهمية هذا القانون بالنسبة لجهاز المخابرات، لأنه حدد مهام الجهاز ومسئولياته، وجعلها تتبع وزارة الخارجية البريطانية، بإشراف البرلمان ورئيس الوزراء والقضاء على أنشطة الجهاز وممارساته.
ورئيس الجهاز الحالى هو «أليكس يونجر»، الذى عين أول نوفمبر 2014 وورد فى سيرة ذاتية نشرتها الخارجية أنه يهوى الموسيقى والملاحة وتسلق الجبال، وهو متزوج ولديه أولاد، وكان الرئيس السابق «السير جون سويرز» أعلن فى يونيو 2014 اعتزامه الاستقالة من منصبه، واكتفى حينها بالقول: «أشعر بالسعادة لأن صديقى وزميلى أليكس يونجر سيتولى المهمة بعدي»، ويشار لهذا المنصب تقليديًا بحرف (C)، نسبة لاسم أول رؤساء الجهاز (مانسفيلد كومينج ــ Mansfield Cumming) الذى كان يوقع رسائله بأول حرف من اسم عائلته فقط.
وتتصدر واجبات رئيس الجهاز ضمان التزام العمليات بشروط عمل الجهاز المنصوص عليها بالقانون البريطاني، لذلك يقدم سنويًا تقريرًا بشأن أداء الجهاز لكل من رئيس الوزراء ووزير الخارجية، ويشمل الهيكل التنظيمى للمخابرات البريطانية عدة هيئات وأجهزة هي:
1 ــ Joint Intelligence Commit))، JIC، لجنة المخابرات المشتركة التابعة لمكتب رئيس الوزراء، ومهمته بلورة التقديرات الاستخباراتية القومية وإدارة شئون جميع أجهزة المخابرات برؤية شاملة وتفصيلية.
2 ــ (Secret Intelligence Service)، SIS/MIــ6، هيئة المخابرات السرية المستقلة، التابعة لوزارة الخارجية، والمسئولة عن جمع المعلومات الاستخباراتية، والخدمة السرية خارج حدود الدولة ورعاية مصالحها العليا وأمنها القومي.
3 ــ (Security Service (MI5، وكالة الأمن المستقلة التابعة لوزارة الداخلية، ومسئولة عن الدفاع عن بريطانيا تجاه التهديدات الأمنية الكبرى، مثل المؤامرات، وأعمال التجسس، والإرهاب.
4 ــ (Government Communications Headquarters)، GCHQ، وكالة التنصت) القومية، وهى وكالة مستقلة تابعة لوزارة الخارجية.
5 ــ (Defense Intelligence Staff) DIS، هيئة المخابرات بوزارة الدفاع، وهى وثيقة الصلة للغاية بأجهزة المخابرات العسكرية الأخرى فى بريطانيا.
وهناك تنظيمات أخرى للمخابرات فى المملكة المتحدة مثل خدمة مخابرات الدفاع Defence Intelligence Service التابعة لوزارة الدفاع، وخدمة استخبارات الاتصالات المختصة بالاستطلاع الإليكترونى ومخابرات الاتصالات، وتشرف على جميع وكالات الاستخبارات البريطانية وتوجه سياستها وتُقّيم أداءها لجنة الاستخبارات المشتركة Joint Intelligence Committee على غرار مجلس الأمن القومى الأمريكي، ويرأسها مساعد وزير الخارجية للشئون الأجنبية بمجلس الوزراء.
بين العرب وإسرائيل
ولعل أكثر التقارير موضوعية بشأن وفاة الزعيم الفلسطينى ياسر عرفات، الذى أعدته (MI6) وأكدت وفاته مسمومًا بنوع يُسمى «الأكونتين» المستخرج من نبتة آسيوية تُدعى «الأكونيت» ورجحت تناوله على جرعات ضئيلة ومتعاقبة بانتظام، لأن ثلاثة مليجرامات تكفى لقتل شاب موفور الصحة، وأشارت لضلوع أحد الملاصقين بالرجل، كما حدث للرئيس الجزائرى الراحل هوارى بومدين ووديع حداد، لكن التقرير الذى سربته لصحيفة «الجارديان» تجاهل اتهام جهة بعينها، مكتفيًا بعبارة «فتش عن المستفيد، وليس بالضرورة إسرائيل وحدها، فهناك صراعات عميقة داخل البيت الفلسطينى أيضًا».
وتقودنا «قضية عرفات» للعلاقات بين جهازى (MI6) والموساد الإسرائيلى اللذين تربطهما علاقات عميقة وقديمة ترجع للحرب العالمية الثانية، حين تطوع أعضاء من المنظمات الصهيونية الأقدم لتنفيذ عمليات تستهدف ألمانيا النازية وأشهرها تلك التى نفذها 32 عميلاً يهوديًا بالإبرار الجوى خلف خطوط الجيش الألماني، وبمرور الوقت تطورت الصلات وتعاظمت المصالح المشتركة بين الحركة الصهيونية وبريطانيا بمؤسساتها السياسية والاستخباراتية، وقدمت خدمات كبيرة لتأمين تهجير اليهود من شتى أنحاء العالم للأراضى الفلسطينية، ودربت (MI6) المنظمات الصهيونية المقاتلة ميدانيًا على المهارات اللازمة لتأسيس أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لاحقًا.
مواصفات العملاء
وبرغم الالتزام الصارم بقواعد الخدمة السرّية ومدرسة التقاليد البريطانية العتيقة لكن جهاز (MI6) أدرك التحولات الجوهرية التى أفرزتها ثورة المعلومات، فأطلق موقعًا إلكترونيًا وتفاعل مع شبكات التواصل لدرجة إعلانه فى أكتوبر الماضى عن حاجته لعملاء، وأعقبته تقارير صحفية قدمت نصائح الضابط السابق المخضرم «ماثيو دن» للفوز بفرصة عمل أبرزها:
ــ المهارات الأساسية
هناك مهارات أساسية كالحوار والإقناع وتقدير الأمور، مهمة للنجاح بامتحانات الوكالة، ولكن هناك امتحانا يتمثل بمقابلة عميل مخابرات روسى ومماثلته فى شرب «الفودكا» بذات الكمية، مع المحافظة على قدرة تركيز عالية، وعدم نسيان أدق تفاصيل الحوار دون تدوين المعلومات أو تسجيلها.
ــ استقلالية التفكير
خلال الامتحان النهائى يرسل المتقدمون لدول نائية ومناطق صراعات، ويوضعون فى سيناريوهات بالغة الجدية، ومفتاح النجاح هنا هو التفكير بشكل مستقل للنجاة واستيعاب أنه لا يوجد أحد جانبك لمساعدتك.
ــ الغطرسة صفة حميدة
يُوجه سؤال للمتقدمين عن شخصيتهم المفضلة الذى يعتبرونه قدوة لهم، والإجابة الصحيحة هنا وفقًا لنصائح الضابط المخضرم هى «لا أحد»، موضحًا بأن المتقدم إذا ذكر اسمًا معينًا، فإنه فى هذه الحالة يعتبر نفسه أدنى من ذلك الشخص، وما تبحث عنه الوكالة، هو شخص مرفوع الرأس بأى مكان وأمام أى إنسان مهما كانت صفته.
ــ الذاكرة مفتاح النجاح
تُعد الذاكرة اليقظة مفتاحًا بالغ الأهمية للبقاء، حيث كان على الخبير «دن» لدى اختباره أن يتذكر 14 شخصية ينتحلها، وكل منها له جواز سفر وهوية وخلفية ثقافية مختلفة.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg