مقالات



نجيب محفوظ مذبوح !.. وأنا ممنوعة من الكتابة (5)

27-11-2017 | 18:27
دينا ريان

لم أكن أتصور أن أذبح فى نفس توقيت محاولة ذبح نجيب محفوظ.. دارت الأيام.. وابتعدت برغم إرادتى عن مصادرى من عمالقة الكتابة والفكر والقلم، واقتربت بحكم الأقسام التى نقلت إليها من كبار المسئولين بدءا بزكريا عزمى الذى كان لا يزال فى الحكم المحلى مرورا بالوزراء سياحة وطيران أمثال فؤاد سلطان وممدوح البلتاجى وماهر أباظة.. وإسماعيل سلام وزير الصحة وحمدى السيد وآخرين من كل مجال، ومن التحقيقات لأهل الفن والغناء والدانس، بدءا من فيفى عبده وحزمنى يا بابا، ولكن بابا لم يحزمنى ولم يرقصنى بل غسل يديه تماما من مهنتى التى أصبحت تجلب له «وجع الرأس» «والقيل والقال»، وظلت الحال على ما هى عليها ودوخينى يا ليمونة دوخينى حتى وجدت نفسى زرع بصل رئيسا لقسم المرأة!! ولمدة أربعة أعوام يقول لى رئيس التحرير إبراهيم سعدة، وكان رئيسا لمجلس الإدارة أيضا.. لابد من الاهتمام بالمرأة والمرأة لديهم هى أخبار الهانم وأصحاب الهانم ومسئولى الهانم.. فلا يجد منى أى التزام ولا حتى مصداقية إن أردت مجاراة الأمور حتى فوجئ بالصفحة ذات يوم وأثناء الاحتفال بعيد الطفولة.. بتحقيق صحفى مائة فى المائة عن أطفال المقابر ومدى معرفتهم بما يسمى بعيد الطفولة.. ووقعت الواقعة وقرر إبعادى تماما عن القسم بأن تم إلغاء القسم! وإلغائى حتى يظهر لى صاحب أو يجد لى أحد مفتاحا!!
ظللت أتابع أخبار أصدقائى ممن تبقى منهم من عمالقة الأدب وعلى رأسهم نجيب محفوظ.. وفى اليوم الذى منعت فيه من الكتابة حتى إشعار آخر، وكان فى عام 1994 هذا العام المحفور فى ذهنى حتى الآن.. قررت البحث عن المكان الذى يجلس فيه نجيب محفوظ.. أحشر نفسى بين حرافيشه واسمعه وهو يدافع عن نفسه وكأنه مجبر بسبب تأليفه «لأولاد حارتنا» وقولهم عليه إنه كافر.. أردت أن أصل إليه وأقول لهم إننا مدانون فى مجتمعنا هذا من الكبير والصغير من المسئول ومن العامة.. فأنت كافر بسبب كتاباتك وأنا ممنوعة من الكتابة بسبب تعاطفى مع الفقراء ورفضى و«استهبالى» ارتداء الزى الرسمى والكتابة الرسمية، وتفضيلى العيش مع بوهيمية القلم صعلوكا بعيدا عن الملوك وإن حسبت منهم بسبب منصب والدى الذى دمر حياتى الصحفية فى فترة من الفترات وحياتى الخاصة طول العمر!
قلت له هذا الكلام وأنا أودعه بين حرافيشه ودموعى فى عينى ولا أنسى كلماته مصمما على ندائى باسم أمينة.. «يا أمينة.. كونى.. أمينة.. كونى نفسك!!» المثقف ليس الكاتب فقط.. ممكن يكون طبيبا مهندسا محاميا المهم أن يهمه حرية الرأى ابحثى عن المثقف، لكن يجب على الفرد مراعاة القانون عندما يتصدى لرأى، وأن يتنبه صاحب الرأى لما قد ينتج عن رأيه من عواقب قد تضر وهو يعتقد أنها تنفع.
ابحثى دائما عما يحرك نفسك ويدفعك للكتابة ولا تلتزمى بمكان واحد، أخذت ما قاله.. كنزا صحفيا ودستورا حياتيا ونفذته بالحرف الواحد ولمدة 4 سنوات من 1994 إلى 1998، منعت فيهما من الكتابة فى أخبار اليوم، كتبت فى أماكن أخرى فى مختلف الجرائد والمجلات العربية مما حفر لى اسما فى الوطن العربى وأضعف مكانتى لدى رئيس التحرير وحزبه، وكانت هى الخسارة الكبرى التى لم تعوض وكانت سببا فى رحيلى بعد أربع سنوات من الجريدة التى ولدت فيها صحفية.
وأنا أودع الكتابة فيها فى عام 1994 كان نجيب محفوظ على وشك توديع الحياة.. حيث مسرح الجريمة فى العجوزة.. مكانه الجديد حيث نهايته بعيدا عن الجمالية التى صنعته وأحبته وهكذا.. أحبته الجمالية وقتلته العجوزة.
عادت جماعة الإخوان المسلمين لتعزز الجماعة الإسلامية بجناح عسكرى أشد قوة بعد مقتل السادات.. وتألفت فى الجوامع القاهرية فى الـ 80 والـ 90 مثل جامع الصفا بعين شمس.. ثم جاءت فتوى قتل نجيب محفوظ على لسان المجرم عمر عبد الرحمن، أمير الجماعة فى وقت ظهور فتاوى المعارضة بالسيف فى خضم أيام بن باز السعودى وغيره.
وقد تصادفت محاكمة عمر عبد الرحمن فى 1994، فى أمريكا فى نفس توقيت جريمة اغتيال نجيب محفوظ.
فى اللحظة التى صدر فيها قرار منعى، كانت لحظة درامية أخرى تحاول منع أنفاس نجيب محفوظ.. أفاق العملاق وأنا أتابع لحظات الإرهاب لصالح جريدة عربية.. لأسمعه يقول:
أنا رجل على المعاش!
وأعمل كاتبا بجريدة الأهرام.
وكأنه بإجابته على وكيل النيابة الذى يحقق فى القضية يسأل فى المطلق.. لماذا؟ وكان هذا نفس سؤالى لمن منعونى من الكتابة فى وطنى؟ وعاش نجيب محفوظ بعدها.. ووضعت أنا بعده فى غرفة الإنعاش الصحفية حتى أنقذنى إبراهيم نافع وقتها نقيبا، وبعد أربع سنوات فى معتقل الصمت الصحفى.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg