مقالات



إشاعة ثقافة التسامح والسلام

23-11-2017 | 17:06
عبد الرحيم العلام

تتعدد صور ثقافة التسامح والسلام وتتنوع، باعتبارها قيما اجتماعية وثقافية وإنسانية ماضوية أو راهنة، بحسب طبيعة العلاقة والحوار والتواصل والصراع القائمة بين الثقافات والشعوب وأفراد الإنسانية جمعاء، فى إطار التعبير عن إمكانات التعايش والانصهار المشترك والاحترام المتبادل والإيجابى بين الثقافات المختلفة، فى تنوعها وتعددها، بعيدا عن الهيمنة الثقافية للأقوى، أو لثقافة الأغلبية، واحتراما للخصوصيات الثقافية المحلية‪.‬
 
ولم تكن الرواية العربية، فى يوم ما، بمنأى عما يجرى فى عالمنا اليوم، فى ملاحقتها للتغيرات السريعة والخطيرة التى يشهدها العالم، لا سيما من حيث تنامى عديد الظواهر الشاذة التى تمس، بشكل مباشر ومؤثر، صورة العرب والمسلمين، إثر التهم المتواصلة التى التصقت بهم، جراء تنامى حالات العنف والتطرف والتعصب والانغلاق‪.‬
 
ولقد أسهمت الرواية العربية، عبر عدد وافر من  نصوصها، فى تنويع أشكال ومستويات تمثلها للموضوع، فى محاولة منها الاقتراب من مدى إسهام الرواية العربية، فى مشاهدها المختلفة، فى تمثل ثقافة التسامح والتعايش والحوار والسلام والمحبة وفى إشاعتها، وأيضا فى نقل حالات الكراهية والتسامح والتعصب والعنف والتزمت والتطرف بين الشعوب، إذ إن عديد الروايات، العربية والعالمية، لم تنتصر فى محكياتها العامة لمشاهد التعايش والسلام فى أبعادها الإيجابية فقط، بقدر ما تناولت نصوصا روائية أخرى، وأحيانا داخل النص نفسه، الموضوع، فى أبعاده السلبية المعاكسة لطموحات الشخوص ولمصائرها الحياتية والثقافية، كتلك الأبعاد المطبوعة بالتعصب والعنف والانقسامات الدينية والمذهبية والطائفية، ما يدل على أن حالات التعايش والسلام فى بعض الروايات، ليست دائما حالات مثالية، بل تبدو، فى أحيان أخرى، وحسب رؤيتها للعالم، حالات مضادة ومفارقة لقيم ولثقافة التسامح والسلام، تعكر تلك الأجواء الموسومة بالانفتاح والتعايش والحوار‪.‬
 
تتعدد وتتنوع مستويات تمثل الرواية العربية لعالم التعايش والسلام والتسامح، بشكل يصعب معه اليوم حصر مجموع النصوص الروائية العربية التى تندرج فى هذا الإطار، من قبيل ذلك التجلى اللافت للنظر لها، مجسدا فى «رواية الحرب» و»المقاومة»، كما تستوحيه الرواية اللبنانية على سبيل المثال، أو فى رصد الرواية العربية، بشكل مهيمن ومتواصل، لذلك التقابل الجدلي، الممثل أساسا فى العلاقة بين الأنا والآخر، بما تخلقه هذه العلاقة من أجواء إيجابية، مرتبطة بضرورة تحقيق التعايش والتسامح والسلام والوئام بين الأنا والآخر، بحسب ما تفرضه الظروف الحضارية والتاريخية والسياسية والمادية والاجتماعية والثقافية والتقاليد والأعراف، ومن أجواء أخرى سلبية، حيث تتصارع القيم، لتصبح العلاقة بين الأنا والآخر، معرضة للتوتر والكراهية والصراع والعداء‪ .‬
 
ومع تزايد هذا النوع من الأسئلة فى عالمنا اليوم، أضحى لبعض الروايات منحى آخر، على اعتبار أن السؤال المحورى فيها، يكمن فى مدى إمكانية تحقيق التعايش، كما فى روايات الروائى الجزائرى عمارة لخوص، المكتوبة بالإيطالية وبالعربية، من منطلق سؤال مواز مهيمن، يلخصه لخوص فى كيفية  العيش، فى إطار هوية مفتوحة، رغم الاختلافات الدينية واللغوية والثقافية، بمثل ما جعل الروائية  الفرنسية مارى كريستين سارجوس تنتصر لثقافة الحوار والتعايش، فى روايتها «يوم مشمس تتخلله رياح عاتية»، فى تمثلها للحظات التعايش بين الأوروبيين والمسلمين، ولحالات الاستقرار، بعد الانتقال من مكان (الجنوب) إلى مكان آخر (الشمال)‪.‬
 
وبعيدا عن الروايات الشهيرة، فى انتمائها إلى جغرافيات روائية عالمية، والمعروفة بتناولها لموضوع التعايش والسلام فى محكياتها، نجد أن الرواية الكردية، بدورها، قد تفاعلت مع الموضوع، بشكل بؤرى ومركزى... فهذا الروائى الكردى السورى جان دوست، فى روايته «عشيق المترجم»، يدعو، من منظور اجتماعي، إلى التسامح والتعايش والسلام بين عديد الديانات والمذاهب والطوائف، تحت راية الدين الإسلامي، فى انحياز الرواية للإنسان، بشكل عام، وإلى ما يكابده، تاريخيا، من أفول حضارة وبزوغ أخرى، وما يواجهه اليوم من قيم مفارقة لقيم الأمس، ما ولد اليوم صداما ممتدا، بين الأديان والأجناس واللغات‪.‬
 
وموازاة مع تلك النصوص الروائية العربية، المكتوبة بعديد اللغات، والمجسدة لجوانب من هذه العلاقة بين الأنا والآخر، نجد أن مسألة التسامح والسلام والاندماج، ما زالت تحظى بحضور لافت للنظر فى المتخيل الروائي، من منظورات متأخرة نسبيا، إثر تنامى الإرهاب والعنف والتطرف فى عالم اليوم، وهو ما يمكن ملامسته، من خلال نصوص روائية عربية متفاوتة، على مستوى القيمة والجغرافيا، فقط للتدليل على مدى انخراط الرواية العربية فى هذا الأفق الإبداعى والإنسانى المؤثر‪.‬

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg