مقالات



فى الذكرى 50 للثورة.. دعوة لوقف الحرب فى اليمن والاحتكام للحوار

2-12-2017 | 17:30
على ناصر محمد

فى 30 نوفمبر هذا العام ، مرت خمسون سنة كاملة على يوم الاستقلال الوطنى فى جنوبنا الحبيب. فى البدء أتوجه بخالص التهانى إلى شعبنا العظيم صانع، ذلك النصر والحدث فى لحظة تاريخية اكتملت فيها كل عوامل النجاح وأدواته، وتهيأت فيها الظروف المحلية الوطنية والإقليمية والدولية لدحر الاحتلال وانتصار الثورة التحررية التى انطلقت من جبال ردفان فى الرابع عشر من أكتوبر 1963 وتحقيق الاستقلال الناجز فى 30 نوفمبر 1967 وإعلان جمهورية اليمن الجنوبية دولة حرة مستقلة ذات سيادة لها سلطة واحدة، وحكومة واحدة، وعلم واحد، وجيش واحد وأمن واحد وسلطة قرار واحدة، ورئيس جمهورية يمارس سلطة الدولة من قصر الشعب فى التواهى،  الذى كان مقرا المندوب السامى البريطانى هو الزعيم قحطان محمد الشعبي.. حيث أصبح الجنوب يحكم من أبنائه لأول مرة فى إطار دولة واحدة من حوف إلى باب المندب منذ قرابة 129 عاما من الاحتلال البريطانى لعدن وبقية الجنوب. 
 
الرجال الذين حققوا الاستقلال بعد أن أنجزوا المهمة، ذهبوا لممارسة حياتهم الطبيعية، والتحقوا بالأعمال التى كلفوا بها من قبل القيادة، ولم يطالبوا بثمن، أو ينشئوا ميليشيات خاصة وينفرد كل منهم باقتطاع جزء من عدن، أو منطقة من المناطق المحررة، بل تفرغوا لمهمة بناء الدولة وعملية التنمية والدفاع عن الثورة والوطن كل فى موقعه. 
 
ولقد كان مشهدا مهيبا ذلك اليوم فالكل يلتقون لأول مرة وجها لوجه، بعد انسحاب القوات البريطانية وتحقيق النصر على قوات الاحتلال.. العائدون من الخارج برئاسة المناضل قحطان محمد الشعبى، والفدائيون الذين خرجوا من مرابضهم القتالية وهم يظهرون لأول مرة أمام العالم، بعد عمل سرى استمر لأكثر من 4 سنوات ولا يعرفون إلا بأسمائهم الحركية ، والمناضلون القادمون من جبهات القتال فى الريف، والعسكريون الذين كانوا يناصرون ويساندون الثورة بالمال والسلاح والمعلومات، يظهرون لأول مرة أمام الكاميرات وهم يحتفلون والجماهير تهتف للجبهة القومية وتردد (برع برع يا استعمار..  برع من أرض الأحرار) وغيرها من الأغانى والأناشيد والأهازيج التى تعبر عن فرحتهم بهذا النصر، الذى تحول إلى عرس وطنى كبير لم يشهد له التاريخ مثيلا فى الجنوب قبل ذلك التاريخ الذى شاركت فيه جماهير شعبنا بمختلف مكوناته وأطيافه ومن كل المناطق. 
 
هذا حدث من حوادث التاريخ، وحقيقة من حقائق الواقع أرساه شعبنا المناضل من أجل الحرية والاستقلال، ولا يحق لأى كان أن ينتقص من الاستقلال الوطني، أو التشكيك فيه أو بتضحيات الشعب، لأن شعبنا عندما ثار على الاحتلال واختار طريق المقاومة الشاملة، فإنما كان يمارس حقه الطبيعى الذى شرعته كل الشرائع السماوية والأرضية، بما فى ذلك حق تقرير المصير الذى أقرته شرعة الأمم المتحدة ولجنة تصفية الاستعمار، وحقه كشعب حر أبى يرفض ورفض الاحتلال لوطنه منذ اللحظة الاولى، ولم تتوقف مقاومته حتى رحيل آخر جندى بريطانى من أرضه الطاهرة، وكانت عدن عصية على كل الغزاة والطغاة عبر التاريخ لأنها لم ولن تقبل إلا بحكم أبنائها. 
 
هذا مجال لا مكان فيه للتشكيك لأنه كان محل إجماع وطنى فى كل المراحل، ولم يكن هدف الاستقلال محل خلاف من القوى الوطنية. بل ربما كان الاختلاف حول السبل والطرائق لتحقيق الهدف الأسمى. وقد كان الكفاح المسلح لانتزاع الاستقلال هى الرؤية التى كتب لها الانتصار فى الأخير، وهى التى أنجزت النصر وحققت الاستقلال بقيادة الجبهة القومية وبالشراكة مع جبهة التحرير، ومعهما كل القوى والشخصيات الوطنية التى آمنت بإرادة الحرية والاستقلال. بعد أن استخلصت الدروس والعبر من الانتفاضات والمقاومات السابقة خلال كل المراحل فى مختلف المناطق، وخرجت برؤية واحدة وأداة تقود النضال وقيادة واحدة وحدت إرادة الشعب وحولت الاستقلال من فكرة وحلم إلى واقع ودولة بفضل الدعم الشعبى العربى وفى المقدمة مصر وشعبها العظيم عبر عملية (صلاح الدين). 
هذه واحدة من تجارب الاستقلال ينبغى أن نستفيد منها فى واقعنا الراهن المعقد والمليء بالصعوبات والمطبات فى محاولة شعبنا صياغة واقع جديد، بعدما اعترى دولة الاستقلال من إخفاقات وصراعات ولأسباب ذاتية وموضوعية.
 
فى الذكرى الخمسين للاستقلال، ينبغى تسجيل أنه كان أحد أعظم إنجازات العصر فى الوطن العربى فى نهاية ستينيات القرن العشرين المنصرم، والنقطة التى شهدت نهاية إمبراطورية لم تكن تغرب عنها الشمس. وللتاريخ والإنصاف فإن عصرا جديدا بدأ منذ تلك اللحظة، إذ نشأت دولة جديدة شكلا وواقعا فى المنطقة، وحدت نحو 23 سلطنة وإمارة ومشيخة فى دولة واحدة، تمتد من باب المندب حتى المهرة، تبلغ مساحتها 332 ألف كم، وتتحكم فى باب المندب ، وهو من أهم الممرات المائية الإستراتيجية فى العالم.
 
يحسب لهذه الدولة أنها أرست حالة من الاستقرار السياسى والأمني، وكان هذا واحداً من أهم إنجازاتها على طول أراضيها، ولم تسجل طوال وجودها حالة تقطع واحدة، أو حالة ثأر واحد، أو خطف لمواطن أوسائح،
وأحبطت بقوة قواتها المسلحة وجهازها الأمنى ووعى وتعاون مواطنيها كل محاولات التخريب التى استهدفتها من الداخل أو من الخارج منذ 30 نوفمبر 1967 حتى عام 1990. 
ويحسب لهذه الدولة وكما يعرف الجميع، بأنها كانت دولة النظام والقانون وحكم المؤسسات، وبنظام إدارى ومالى ورثته عن بريطانيا وقامت بتطويره وتعميمه على ربوع الجمهورية وفقا لمقتضيات العصر وتوجهات الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
 
والأهم أنها كانت دولة خالية من الفساد بكل صوره بما فيه نهب المال العام الذى لم يكن له وجود يذكر كما نراه اليوم على حساب آلام الناس مما يصيبهم بالفقر والعوز ويقوض أحلامهم بحياة حرة كريمة ويجعلهم فريسة للفوضى والإرهاب وانعدام الأمن الذى لا استقرار ولا تنمية بدونه. ووفقا لإمكاناتها ومواردها المحدودة ، ومساعدات أشقائها وأصدقائها التى لم تكن كبيرة، لكنها استغلتها أفضل استغلال بشهادة المنظمات الدولية. 
فإن هذه الدولة أولت اهتمامها بالإنسان بالدرجة الأولى، بالتعليم والصحة وبقية الخدمات، فكان التعليم فيها مجانا من الروضة إلى الجامعة، وقضت على الأمية وعلى البطالة، وكان التطبيب فيها مجانيا، وأعطت الأهمية لغذاء الشعب، فكانت تدعم السلع الأساسية والدواء والكتاب عبر صندوق دعم الأسعار الذى أنشأته لهذا الغرض. وكان التأهيل فى مختلف التخصصات العلمية هو الاستثمار الكبير فى بناء الدولة والمجتمع فى تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية . وفى هذه الدولة، لم تقطع الكهرباء ولا المياه يوما عن عاصمتها عدن، وحتى عندما حدثت أزمة طاقة لبعض الوقت فى بداية الثمانينيات، فإن الحكومة سرعان ما وضعت الحلول وأنشأت محطات كهرباء جديدة لسنا بصدد الحديث عن تفاصيلها.
 
كما كانت رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين تدفع فى مواعيدها كل شهر حتى فى أوج الأزمات والصراعات، وكانت لديها عملة قوية، حيث تمتع الدينار بقوة شرائية وبسعر صرف ثابت هو نحو ثلاثة دولارات منذ 30 نوفمبر 1967م وحتى عام 1990م.
 
وفى هذه الدولة كانت السجون عبارة عن مؤسسات إصلاحية حقيقية، وعلى سبيل المثال كان السجين يحظى بإجازة يومى الخميس والجمعة يذهب فيها إلى أهله، ويعود بإرادته إلى السجن دون رقابة، وكان يتاح لمن يرغب منهم مواصلة تعليمه، وفى إحدى السنوات كان الأول على الثانوية العامة أحد نزلاء السجن المركزى فى عدن وتم تكريمه فى عيد العلم وأطلق سراحه لمواصلة تعليمه الجامعي. كما كانوا يحظون بنظام تأهيل مهنى يساعدهم على العمل والاندماج فى المجتمع بعد انتهاء محكوميتهم، وكانوا يتلقون أجرا على عملهم فى الورش المختلفة مساويا لأجور نظرائهم فى مؤسسات الدولة خارج السجن.
ويحسب لهذه الدولة أنها بنت قوات مسلحة برية وبحرية وجوية ذات جاهزية عالية، صانت استقلال الجنوب وحمت سيادته وجعلت من اليمن الديمقراطية دولة قوية مهابة. وأولت الدولة أهمية للثقافة والفكر والفنون، ورعت المثقفين والأدباء والكتاب والفنانين والمبدعين والموهوبين من أبناء الشعب بما يحقق السيادة الثقافية للشعب إلى جانب السيادة السياسية على الأرض.
 
هذا وغيره من إنجازات الاستقلال الوطنى تم خلال 23 عاما فقط وسط تحديات وصعوبات وتعقيدات لم تكن بالقليلة ولا الهينة، وحالة عداء وحصار من المحيط ومن خارجه لكن الدولة تحملت مسؤلياتها بجدارة ولم تفرط بسيادتها أو بقرارها الوطنى المستقل، وكانت مصلحة شعبها وبلادها فى المقام الأول. ونجحت فى فترة نهاية السبعينيات ومنتصف الثمانينيات أن تحول حالة العداء التى كانت قائمة منذ الاستقلال مع بعض دول الجوار إلى علاقات إخاء وتعاون بما يخدم أمن واستقرار اليمن والخليج والجزيرة، وامتد هذا القوس إلى المساهمة فى تحقيق أمن واستقرار دول البحر الأحمر والقرن الإفريقى والمحيط الهندي. كما ساهمت بقسطها فى صيانة الأمن القومى العربي، والمشاركة فى معارك الأمة الكبرى من خلال إغلاق باب المندب فى وجه إسرائيل بالتعاون مع البحرية المصرية فى حرب أكتوبر 1973 ، ومن خلال دعمها لنضال الشعب العربى الفلسطينى بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
 
وهناك الكثير من الإنجازات التى يمكن الحديث عنها والتى أنجزتها دولة الاستقلال فى زمن قياسي، ويجب الاعتراف أيضا بأنه كانت هناك إخفاقات وأخطاء فى التجربة بوصفها تجربة إنسانية ككل تجارب الشعوب. وعلى الجيل الحالى والأجيال المقبلة الاستفادة من هذه التجربة سلبا وإيجابا، وتقويمها والحكم عليها فى ظروفها وزمانها. وعلى قياداتها الذين ألقت عليهم الظروف تحمل عبء القيادة دون سابق خبرة أو تجربة لكنهم تحملوا ذلك العبء الثقيل وتبعاته وعواقبه دون أن يجنوا من ورائه ثروة، بل إن الكثيرين منهم قدموا حياتهم ثمنا لما آمنوا به, ورأوا أنه حق خدمة لوطنهم وشعبهم، أو ذهبوا ضحية صراعات السلطة التى كانت نتائجها مؤلمة على الوطن والشعب. 
 
لقد حقق جيلنا حلم الاستقلال وبقدر طاقته ورؤيته وإمكانياته وفقا للظروف والإمكانات التى كانت شحيحة، حاول أن يحقق حلم بناء دولة مدنية حديثة، نجح فى أشياء وأخفق فى أخرى، ولا نريد لأجيالنا الجديدة أن تكرر أخطاء الماضى بل أن تستفيد منها ونريد أن نراها تتقدم لا أن تتراجع .. ونريد أن تعزز عناصر القوة والنجاح وأولها صيانة الوحدة الوطنية والسلم الأهلي. والحفاظ على مبدأ التصالح والتسامح كقيمة وطنية وإنسانية عظيمة وأن ينبذوا ويتجنبوا كل مايقود إلى الفرقة والصراعات من أى نوع، وأن يدركوا أن حراكهم السلمى الشعبى ومقاومتهم، قد جعل منهم قوة يحسب حسابها فى موازين القوى والحلول للقضية الجنوبية العادلة . . وهذه ورقة سياسية بيدهم لتحقيق ما يصبون إليه من آمال وطموحات، وأى تفريط فى هذا الإنجاز سيكون ثمنه فادحا والخسارة الناجمة عنه مؤلمة بل كارثية.
وبمناسبة الذكرى الخمسين للاستقلال الوطنى ندعو جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية لوقف الحرب والاحتكام إلى لغة الحوار وتجنيب شعبنا وبلادنا المزيد من الدمار والدماء لمصلحة أمن واستقرار اليمن والمنطقة , لأن العنف لا يولد إلا العنف والإرهاب.
 
كما نناشد بوقف الحرب فورا باسم الشهداء والضحايا الذين سقطوا منذ مارس 2015 وحتى الآن وباسم الجرحى والمشوهين والأطفال والنساء والشيوخ والمهجرين قسرا فى الداخل والخارج حيث لم يشهد اليمن مثل هذه الهجرات القسرية التى ألحقت ضررا بقدراته البشرية الاقتصادية والعسكرية وعلى حساب مستقبله.
 
فى الأخير، نكرر التهنئة من القلب إلى جماهير شعبنا العظيمة بالذكرى الخمسين لعيد الاستقلال الوطنى 30 نوفمبر، وندعوها للاحتفال وإحياء ذكراها فى مكان واحد فى ساحة الشهداء بخور مكسر وبحضور الرئيس عبدربه منصور هادى وحكومته، وألا يغيبوا عن هذه المناسبة العظيمة كما غابوا عن احتفالات ثورة 14 أكتوبر المجيدة، لما لها من رمزية، فهذه الساحة هى التى كانت تشهد احتفالات شعبنا بأعياده الوطنية وهى التى شهدت مليونياته العديدة منذ انطلاق الحراك السلمى الشعبى الجنوبى ومقاومته الجنوبية، وسقط الكثير من أبناء شعبنا فيها دفاعا عن الحرية والاستقلال.. وعن التصالح والتسامح وبهذه المناسبة نحيى أسر الشهداء ومناضلى حرب التحرير لما قدموه من تضحيات فى سبيل الوطن وتحقيق الاستقلال.
 
المجد والخلود لشهداء الثورة والاستقلال.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg