مقالات



ستحيا مصر

4-12-2017 | 22:13
إيمان طاهر

مش قادر أنسى يا ناس صورة شباب بلدي.. تاني يا سينا في قلب الموت بتتولدي؟ مترصصين في صلاة الموت وصوت الأم بيشقني بدون ما أسمعها تقول: ولدي!! يا زارع الغل.. مصر بتزرع الغلة.. وأنت كذاب خلطت البلطجة بملة.. اللي رشاك بالثمن وقالك اقتلني. أنا وأنت وسط اللهيب.. وهوه في الضلة!!.. "الراحل عبد الرحمن الأبنودي".
كلما أمسكت بقلمي لأكتب تطاردني صور شهداء هنا وهناك.. أشلاء.. دماء.. مرة على جدران كنيسة ومرة على الطرقات وأخرى على كمائن وآخرها مذبحة المسجد.. "الروضة" صرخات وأنين في كل زاوية. عيون يملؤها الدمع القاسي تطالع أبناءها جثثا غارقة في دمائها.. عائلات من هول صدمتها ذبحت أصواتها أمام المشهد الدامي.
الحرب على أرض سيناء كوحش ضخم يبتلع بداخله كل ما يواجهه من بشر وشجر وحجر!!
تسرق الحرب كل حياة ويضمحل فيها الإنسان إلى حد التلاشي وتختلط الجثث مع أكوام من الأشياء الأخرى.
عنف وتوحش لمن يطلق عليهم مجازاً بشر!!!..
إرهابيون تخلوا عن كل مظاهر الإنسانية وغالوا في الفظائع والأفعال السادية خالفوا الفطرة السليمة والطبيعة ومقتضيات الشرع والعقل.. جعلونا نتوقف طويلاً أمام تاريخ البشرية وماهية الطبيعة الإنسانية التي هي في ذاتها خيرة وعاقلة. في كل الحروب السابقة كانت النفس الإنسانية حاضرة في اختبار حقيقي.
بلا رتوش وجهاً لوجه أمام ذاتها لم ترتكب على مر التاريخ أفظع مما نراه الآن ، ونشهده على أرض العرب التي دنسها هؤلاء الوحوش.
كل شهيد سينطق عليهم يوماً ما بما حملته روحه من آلام وآمال لهذه الحياة..
لن تفارق صور ضحايا الإرهاب أبداً ذاكرتنا ستظل حية ماثلة تطاردنا وفي كل عبور لها في مخيلتنا سيزداد حجم ومساحة الكراهية درجات ودرجات لهؤلاء الكائنات من غير اسم أو صفة في الحياة! لا شيء يسلب الإنسان براءته إلا الإرهاب يسلب حياة المطمئنين الآمنين وحياة أحبائهم ويتركهم أشلاء.. سيظل جرح هذا الإرهاب مخلفاً بمآسيه ندوباً غائرة في أعماقنا جميعاً ولن يستطيع أن يمحوها زمان ولا تسقطها صفحات تاريخ.
هذا الصراع الذي تخوضه الكراهية المتجذرة في من دفع بهذه الآلات البشرية لخوضه واستغلوا فيه الدين لتحقيق أغراضهم السياسية الهدامة. هو أبشع أنواع الحروب وأكثرها قسوة وحيوانية ترتكب فيها المجازر وتستخدم فيها جميع الأسلحة المحرمة ويدعون فيها أنها (حرب عادلة) حولوا فكرة العدالة كقيمة أخلاقية سامية إلى مهزلة مشوشة وكارثية.. موت، دمار، مجاعات، أمراض، تشريد.. هي حرب هدم للحضارات.
وفي غمرة الحزن وتلك المآسي المتتالية وعائلات تشرد وتفقد عائلها الوحيد.. يخرج علينا بيان الإخوان المسلمين؟!!!.. محاولة جديدة للبقاء.. وإن كنت لا ألقي لهم أي بال أو اهتمام فهم مجرد لعبة ضئيلة في أيدي من يحركهم يميناً ويساراً بدون أي فضل أو عقل لهم أو حتى مشاعر إنسانية.. بوتقة واحدة لنفس الفكر والهدف من إنشائهم وتكوينهم وزرعهم في العالم لتقنين وتقسيم وإرهاب الدول وإيقاف أي تنمية ، وخصوصاً للعرب بإرجاعها لعصور الهمجية والتخلف ونسوا أو تناسوا أننا من صدرنا الحضارة والإنسانية للعالم.
فتصدر بياناً متناقضاً ظاهره نعي وباطنه مفعم بالحقد والكراهية واستكمالاً لنشر بذور الفتنة بين أبناء الوطن ولا يسعني غير القول إنه بيان مليىء بكل العقد النفسية وصدى للهزيمة المجتمعية لهم على الأرض يتردد في نفوسهم المريضة فقط.
ولو رجعنا قليلاً بالزمن إلى السفير الأمريكي السابق (فرانسيس ريتشارد دوني) في مصر وكيف انخرط في الطرق الصوفية وتردده المنتظم على معظم احتفالاتهم وحضرتهم.. هذا ليس هباء ولا محلا للمصادفات والتتبع المقصود هنا!! كل حركة أو سكون مقصود .. (وإن كنت أستثني الصوفية كفكر إسلامي خاص مبطن ومغلف بكل أشكال التسامح والرقي الديني). 
فالمقصود أن يصعد الإخوان ومقصود إيجاد قوة أخرى بديلة إذا فشل الإخوان مثل السلفيين والفكر الجهادي , ومقصود انتشار الفرق كالشيعة والصوفية والتعددية لإيجاد واقع لهم على الأرض ومقصود أيضاً أن يكفر بعضهم بعضاً لنشر الفوضى وتعم المجتمع حالة من الذعر وإيجاد بؤرة دائمة لا تهدأ للصراع وفساد العقيدة والأخلاق.
تلك النفوس الخربة تضع لها مجتمعات كاملة بداخلنا قائمة على التعصب والجهل الديني والإنساني.
إذا كنا في حالة حرب حقيقية مع الإرهاب , وهذا بالفعل حالنا لابد أن نعي أننا نحارب آلات بشرية فرغت من كل المشاعر والقيم الإنسانية.. فلا مجال هنا على الإطلاق لما يسمى مراجعات فكرية!!..
مصر تمر الآن بمحنة مقصودة ومدبرة على كل المستويات الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية.
محنة حرب على وجودها وفي أوقات المحن تذوب وتتلاشى الأمنيات الفردية في المجتمع لتظل هناك أمنية وهدف واحد يجمع كل أبناء الوطن. أثق كثيراً في قياداتها ومؤسساتها وشعبها في التحمل والتصدي.. في وقت المحن والتي عانت مصر منها كثيراً، تتشابك القلوب مع الأيادي لتصنع حائط الصد.
الشعب المصرى الآن يضيف صفحة إلى تاريخ صموده الطويل لا تقل أبدا عن بطولته إبان العدوان الثلاثى.. هذا شعب تنساب مع دمائه عنصر لم يكتشفه العلماء.. ولن يقدروا على استئصاله.. حب مصر.
ستظلين صامدة ... وستحيا مصر.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg