المجلة



الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثى : جامعة القاهرة تجعلك قاهريا بشكل تلقائى

2-12-2017 | 10:52

على سلّم مكتبة جامعة القاهرة، عام 1963 قرأت قصيدة لزملائي في قسم اللغة الإنجليزية. كانت بينهم طالبة هي الأكثر ذكاءً وطيبةً وجمالا هي رضوى عاشور. تزوجنا بعد تخرجنا بسنوات وأنجبنا ولداً ذكياً طيباً جميلا هو تميم. في جامعة القاهرة ولدت قصيدتي وتكونت عائلتي وفيها عشت بهجة الثقافة ومأساة السياسة. في الخامس من يونيو كنت أقدم امتحان اللغة اللاتينية في سنة التخرج عام 1967 عندما أدركت من إذاعة لندن أن مدينتي رام الله قد احتلها العدو الإسرائيلي، ولم أستطع أن أراها ثانيةً إلا بعد ثلاثين سنة من التغرب في مدن العالم. 

تلك هى أول ذكرى يمر طيفها ببال الشاعر الفلسطينى مريد البرغوثى حين يذكر جامعة القاهرة فيقول: إن كل مكان هو أيضاً زمان. الدرس والكتاب في الفصل، والسياسة والثقافة والآراء الشخصية في كافتيريا كلية الآداب التي كانت جامعة موازية. في الكافتيريا (التي تم إغلاقها نهائياً بعد ذلك) ، كنا نتبادل النوادر والطرائف ونشتم السياسات العربية ونتابع الحرب الباردة والثورة في كوبا والحرب في فيتنام وتحرر الدول الإفريقية المؤقت (من مستعمريها الذين عادوا من نوافذ كثيرة)  ونشاهد مواكب السيارات يترجل منها جمال عبد الناصر ونهرو وتيتو وشو إن لاي وإنديرا غاندي، وبقية قادة عدم الانحياز يصعدون درج قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة، ليعقدوا أحد مؤتمراتهم تحت قبتها الجميلة. وتحت القبة ذاتها بعد وفاة عبد الناصر بعامين تعتصم الجامعة كلها أياماً متواصلة لمطالبة الرئيس الجديد أنور السادات بالاعتذار عن إخلاله بوعوده المتكررة لتحرير الأرض المحتلة، فيرد على ذلك في ساعات الفجر باعتقال كل المعتصمين الذين ساقتهم العربات الزرقاء إلى المعتقلات، فأخذوا يرمون من نوافذها أوراقاً صغيرة كتبوا عليها «اصحي يا مصر» ويلجأ بعد ذلك إلى إطلاق يد الجماعة الإسلامية لتأديب المعارضة اليسارية في الجامعة وفي البلاد كلها. وعندما زار إسرائيل طرد الكثير من أبناء فلسطين المقيمين في مصر وكنت من بينهم، فحرمني من العيش مع عائلتي سبعة عشر عاماً كاملة. ودخلنا زمن كامب ديفيد الذي أفضى إلى زمن أوسلو وزمن التفريط الرسمي الفلسطيني والموت المتدحرج لما كان يُسمى القضية الفلسطينية، فلم تعد هناك قضية ولم تعد هناك فلسطين وتغيرت المعاني كلها بما فيها معنى الجامعة ذاته. 
 
فى هذه الجامعة كان يباغتني أستاذ مادة الشِّعر الدكتور شفيق مجلي بدعوتي للذهاب بصحبته إلى دار الأوبرا (العظيمة القديمة التي احترقت فيما بعد)لحضور أمسية للشاعر الروسي يفجيني يفتوشنكو لمجرد أنه لاحظ اهتمامي بالشعر وقرأ بعض قصائدي الأولى. كانت جامعة لا نعرف فيها من هو مسلم أو مسيحي ولا من هو سني أو شيعي، ولم تكن ملابس النساء موضوعاً للنقاش والتحليل والتحريم والفتاوى التليفزيونية. 
 
وقال البرغوثي: إن جامعة القاهرة تجعلك قاهريا بشكل تلقائي، تحضر مع زملائك أوركسترا القاهرة السيمفوني كل سبت في دار الأوبرا بتسعة عشر قرشاً وتشاهد في مسرح الجيب مسرحية لنجيب سرور أو سوفوكليس ومترجمها لويس عوض، وتمثلها محسنة توفيق وسميحة أيوب باثني عشر قرشاً. وتحضر في المسرح القومي «بستان الكرز» أو «الخال فانيا» لتشيخوف بربع جنيه وحفلتين لأم كلثوم وحفلتين لفريد الأطرش وتذهب لمشاهدة مباريات الأهلي والزمالك وتخرج في نزهة إلى القناطر الخيرية، وتحتفل بشم النسيم، وتجالس الكتاب في مقهى ريش وتحضر احتفالاً بصدور ديوان قصاقيص ورق لصلاح جاهين، وتتابع المعجزات الشعرية التي يباغتك فيها فؤاد حداد، وتحضر في مدرج الآداب حفلة لأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام وتكمل الغناء مع الناس عندما يقطع أمن السادات الكهرباء عن القاعة والميكروفون فتصبح الأغنية أبهى وأعظم. نعم الجامعة ليست مكاناً إنها زمان. 
 
وكما في كل مكان وزمان كان الطلبة أنقى من قياداتهم الرسمية كاتحادات الطلاب وإدارات الجامعة. كانوا هم الأسئلة والانتقاد والتجريب وعدم الاطمئنان. ففي كل الأحوال والبلاد، السادة يزعجهم المواطن القلِق. يريدونك أن تكون مطمئناً كالنائم، لأنهم يريدون الصحو لأنفسهم ولهذا لا تغمض لهم عين. 
 
ويضيف البرغوثي، كنت محظوظاً بأساتذتي في قسم اللغة الإنجليزية في ذلك الزمان، وتحديداً بفاطمة موسى ومجدي وهبة وإنجيل بطرس سمعان وشوقي مجلّي ومحظوظاً أيضاً بأساتذة القسم الحاليين الذين شرفوني بدعوتي لإقامة أمسية شعرية ولقاء مفتوح مع طلابهم وطالباتهم قبل سنوات مما أتاح لي الفرصة أن أعود إلى مدرج 13 الشهير بالقسم ككاتب وشاعر بعد أن جلست على كراسي المدرج ذاته أربع سنوات كتلميذ. 
 
ويؤكد البرغوثي أنه مهما تقلبت بنا السنوات والأحداث أظل مديناً لجامعة القاهرة، عارفاً بفضلها وجميلها عليّ ومن خلالها أبقى عارفاً بجميل مصر. ولا غصة في قلبي إلا غصة أنني لو فكرت في الدخول من بابها الآن لأسلم على أشجارها وأدراجها وساعتها وقبتها، وأستعيد أيام شبابي فيها ولو لساعة من الزمن فلا بد من إذن بذلك قبل أن تسألني عيون الحرس: من أنت؟
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg