رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 12 ديسمبر 2017

المجلة



غازي القصيبى.. قصيدته فى «القاهرة» حكاية عشق

4-12-2017 | 22:03

عاش الكاتب والشاعر والأديب والسياسى والدبلوماسى والوزير السعودى غازى عبد الرحمن القصيبى (1940 - 2010) حياته مليئة بالأحداث، منذ أن أبصر الدُنيا يتيم الأم. كانت حياة مليئة بالعبر والمعاني. استطاع أن يجمع جملة من المواهب. فكان كاتباً شاعراً أديباً روائياً إداريا سياسياً. حرص طيلة حياته على تأهيل نفسه وتسليحها بالعلم، وتنقل فى سبيل تحقيق ما يصبو إليه، بين عدة دول حتى حصل على أعلى الشهادات.
ونشأ القصيبى فى مناخ حزين. فبعد عام من ولادته، توفيت والدته. ولم يكن له أقران أو أطفال بعمره يؤنسونه فى بيته. وصف القصيبى ذلك الجو، قائلاً: «ترعرعت متأرجحاً بين قطبين أولهما أبى وكان يتسم بالشدة والصرامة. وثانيهما جدتى لأمي، وكانت تتصف بالحنان المفرط والشفقة المتناهية علىَّ».
وقضى القصيبى سنوات عمره الأولى  فى منطقة  الأحساء ثم انتقل بعدها إلى المنامة بالبحرين ليدرس فيها مراحل التعليم، وحصل على درجة ليسانس من كلية الحقوق فى جامعة القاهرة، ثم حصل على درجة الماجستير فى العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا التى لم يكن يريد الدراسة بها، بل كان يريد دراسة القانون الدولى فى جامعة أخرى من جامعات أمريكا، ولكن لمرض أخيه نبيل اضطر إلى الانتقال إلى جواره والدراسة فى جنوب كاليفورنيا وبالتحديد فى لوس أنجلوس ولم يجد التخصص المطلوب فيها فاضطر إلى دراسة العلاقات الدولية، أما الدكتوراة ففى العلاقات الدولية من جامعة لندن والتى كانت رسالتها فيها حول اليمن كما أوضح ذلك فى كتابه حياة فى الإدارة.
وتميز غازى القصيبى بأنه كان شاعراً فى طليعة جيله، شاعر تمكن من مزج الرومانسية والواقعية كما زاوج بين القصيدة العمودية والتفعيلة. وفتح طرقاً غير مألوفة فى الشعر السعودى للأجيال التالية من بعده. وكان أيضاً روائياً مهماً، حتى قيل إن رواياته شكلت منعطفاً مهماً فى الرواية السعودية بشكل عام.
وكانت حياته سواء أديباً أو مسئولاً، بعيدة عن حياة الترف والسهر، وكان يرد على من يستغرب هذه الوفرة فى الإنتاج الأدبى والثقافي، بأنه يلتزم برنامجاً صارماً لا يحيد عنه. ما يؤكد أن النظام الصارم الذى سار عليه فى الإدارة، كان يطبقه أيضاً فى حياته الخاصة.
من أهم العوامل التى عملت على تكون غازى القصيبى الأديب والكاتب، السفر والانبهار أمام الحضارة الغربية. تلك اللحظات التى وصفها بأنها كانت صدمة حضارية. على الرغم من أنه لم يطمس هويته العربية فى يوم من الأيام. بل ظل محافظاً عليها كاشفاً لها من خلال صورة المرأة الوطن، وبقى يحرص على إبراز الفارق الاجتماعى بين المجتمع الذى عاش فيه نشأته الأولى، ذلك المجتمع المحافظ على القيم والمبادئ العليا، وبين المجتمع الجديد المتقدم مادياً والمتخلف روحياً.
وتميزت كتابات القصيبى بالتعقل، إلا أنه أصدر كتاباً فى مرحلة من مراحل سجاله الشديد مع رجال الدين، وكان له موقف مضاد لتغيير المناهج، من باب المحافظة على السيادة الوطنية. مع أنه لا يمانع فى فكرة التغيير، وإنما كان يتحفظ على توقيت تغييرها.
وحاول القصيبى من خلال رواية «العصفورية»، وهى من الروايات التى تركت أثراً كبيراً حتى يومنا هذا. فبطلها بروفيسور موسوعة علمية أدبية ثقافية اجتماعية. وكانت دائرة الحياة فى الرواية تمثل الإنسان العربى الدائر فى رحى زمانه المشرد فى بلاده، المليء بالتناقضات التى أورثته الجنون. وكذلك كتابه «حياة فى الإدارة» الذى طبع سبع مرات أولها فى 2008 وآخرها فى 2010،
وصور القصيبى فى كتابه «حياة فى الإدارة» المشهد الإنسانى والسياسى المعقد فى اليمن، فى قراءة نوعية تتميز بالنظر فى طبيعة السكان والحياة القبلية اليمنية التى تستوجب ممن يريد تناول الشأن اليمنى مراعاة كثير من التفاصيل المهمة والحساسة فيه.
 لقد عاش القصيبى لفكرته التى آمن بها، وخاض فى سبيلها معارك كثيرة. وقد غير أسلوبه فى العمل، لكنه لم يتنازل عن فكرته التى دافع عنها بصوته وقلمه وعمله وقراراته بشجاعة يندر أن نجد لها مثيلاً، فى مجتمع من السهل أن يتم فيه إلقاء التهم عليك.
لكن القصيبى بقى معلقا بالقاهرة فكتب عنها قصيدة فى حب القاهرة بعد غيابه عنها التى قال فيها:
أهذى أنتِ؟.. أم هذا خيالي
جلاكِ… وبيننا بحرُ الليالي؟
أقاهرتي! تُرى أذكرتِ وجهي
فتاكِ أنا المعذّب بالجمالِ؟
سلى عنى المليحاتِ اللواتي
نظمتُ لهنّ ديوان اللآلي
سلى عنى أباكِ النيلَ يشهدْ
بصدقى فى الصدود.. وفى الوصال
سلى الأهرامَ عن حُبّ عصوفٍ
خبأت دموعه بين الرمالِ
سلى عنى من السنوات خمساً
فِداها العُمر! عاطرة الخصالِ
أعود إليكِ.. والأيام صرعى
تمزّقها السنين.. ولا تبالي
فوا أسفاه! عاد فتاكِ شيخاً
يفرُّ من الوجومِ إلى الملالِ
أنوء إذا وقفت بحمل ثوبي
وأعثر حين أمشى بالظلالِ
أأعجب حينما تنسين وجهي؟
نسيتُ أنا ملامحه الخوالي!
مررتُ على الديار.. فضعتُ فيها
غريباً حائراً بين الرجال
فلا الشبّاكُ تومضُ فيه سلوى
ولا هند تطلُّ من الأعالي
ولا المقهى يهشّ إذا رآني
ولا من فيه يسأل كيف حالي
وأين الصحب.. هل آبوا جميعاً
كما آب الشبابُ.. إلى المآل؟
هنا.. كان الصبا يملى القوافي
فأكتبُها.. لأجفان الغزالِ
وكان الشعر يغرى بى الصبايا
كما تُغوى الهدايةُ بالضلالِ
هنا.. واليوم أسأل عن حياتي
فأُفجعُ بالجوابِ… وبالسؤالِ
أقاهرتي! افترقنا ثلثَ قرنٍ
فهل لى أن أبثكِ ما بدا لي؟
ذرعتُ مناكب الصحراء.. حتى
شكتْ من طول رحلتها رحالي
وجبتُ البحر.. يدفعنى شراعي
إلى المجهولِ.. فى جُزرِ المُحالِ
وعانقتُ السعادة فى ذراها
وقلبنى الشقاء على النضال
كرعتُ هزيمةً.. ورشفتُ نصراً
فمات الشهد فى سم الصلال
ضحلتُ.. وضجةُ الأصحاب حولي
ونحتُ.. وللنوى وخزُ النبالِ
وعدتُ من المعارك.. لستُ أدري
علامَ أضعتُ عُمرى فى النزالِ
وماذا عنكِ؟ هل جربت بعدي
من الأهوالِ قاصمة الجبالِ؟
وهل عانيتِ ما عانيتُ.. جُرحاً
تجهّمه الطبيبُ! بلا اندمال؟
على عينيكِ ألمح برق دمعٍ
أحالكِ يا حبيبةُ مثل حالي؟
عمل القصيبى وزيراً مع عدَّة ملوك فى مناصب مختلفة، ومع تباين الملوك وعصورهم والأحوال السِّياسية والاقتصادية، إلا أنَّه كان قريباً منهم جميعاً، وجريئاً معهم حتى وفاته عن عمر يناهز السبعين عامًا فى 15 أغسطس 2010.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg