رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 21 ابريل 2018

المجلة



شواطئ الإسكندرية ملهمته الأولى.. السودانى محمد الفيتورى.. شاعر إفريقيا والعروبة

4-12-2017 | 22:03
السيد حسين

«يسألونني دائما لماذا لا تكتب سيرتك الذاتية.. وأقول لهم أشعر أولا أنني ما زلت أتعلم، وتجربتي الشعرية والحياتية لم تكتمل بعد.. ومن يكتبون سيرتهم الذاتية وكأنما هم سيغادرون الحياة».
 هذا هو الشاعر السودانى محمد الفيتوري (1936- 2015) الحاصل على ليسانس دار العلوم، من جامعة القاهرة ، القامة الشعرية الإفريقية والعربية.
ولد في بلدة «الجنينة»، عام 1930، بعاصمة دار مساليت الواقعة على حدود السودان الغربية. والمساليت من القبائل السودانية الكبيرة، وتشتهر بالفروسية. ورحل في عام 2015 عن عمر ناهز 79 عاما، ووالد الفيتوري هو «الشيخ مفتاح رجب الشيخي الفيتوري»، أما والدته، فهي «الحاجة عزيزة علي سعيد»، من أسرة شريفة من قبيلة الجهمة العربية الحجازية التي هاجرت إلى صعيد مصر، ومن ثم إلى ليبيا، وكانت تشتهر بالتجارة والفروسية أيضا.
وفي منطقة القباري في الإسكندرية، وفي شارع المكس بالتحديد، نشأ الفيتوري والتحق بمدرستها الأولية «مدرسة الأخلاق»، للشيخ عبدالخالق البسيوني لحفظ القرآن الكريم، تأهبا لدخول الأزهر الشريف، كما قضت بذلك رغبة والديه، ومع القرآن الكريم درس الإنشاء والحساب والأناشيد.
عام 1944، وحين اشتدت الحرب، اضطرت أسرته للهجرة إلى ريف مصر إلى قرية «عرمش» في منطقة «كفر الدوار»، فتعاطف مع الطبيعة بشكل عميق. وكان في غالبية أيامه يخرج من البيت مبكرا ليصطاد السمك في الترعة القريبة من القرية، ويطارد الفراشات، ويغازل الزهر والشجر، ويراقب الفلاحين والعمال في أعمالهم. بعد الحرب العالمية الثانية، تابع دراسته في المعهد الابتدائي حتى عام 1947، ثم التحق بالمعهد الصيني التابع للأزهر حتى عام 1949 في «رأس التين» ثم الأزهر الشريف حتى عام 1953. ومن الأزهر، وفي العام الدراسي: 1953-1954، انتقل إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، فرع الآداب والدراسات الإسلامية، وحصل على ليسانس دار العلوم من القاهرة.
وأصدر ديوان «أغاني إفريقيا» عام 1955، فنال حفلة تكريمية. لكنه كان تلميذا كسولا، متمردا، هاربا من روتين الجامعة، متوهجا، كحبات الزئبق الرجراجة. كان يهرب من قاعات الدرس إلى شواطئ الإسكندرية، وإلى شراء كتب للمطالعة وحضر عام 1958، محاضرات تتفق ومزاجه. وآثر العمل الصحفي، فكتب في غير صحيفة أثناء إقامته بالقاهرة. وبعد أن انتقل إلى السودان، عمل في الصحافة السودانية.
وعندما سئل الشاعر الكبير من أنت أيها الفيتوري، قال أنا الذي ولدت في السودان وتربيت وتفتحت عيوني في مدينة الإسكندرية المصرية.. فيها تعلمت وحفظت القرآن.. كأي طفل ينتمي إلى أسرة مهاجرة في مصر.. ومع ذلك عندما بدأت كتاباتي الشعرية لم أبدأها كما يبدأها أي شاعر.. بدأتها بالحنين إلى إفريقيا.. بالبكاء على ما كان في الماضي (العبودية) والصراخ في وجه المستعمرين والغزاة والقتلة الذين يوما ما داسوا على هذه الأرض الطيبة.. الأرض الإفريقية.. واستعبدوا أحرارها.. كانت صرخات غير عادية في الشعر العربي.. حيث خرجت عن قوالب الغزل وتحولت من التغني بالحبيبة إلى الصراخ في وجه الغزاة والمستعمرين:
«إفريقيا استيقظي
وصرخت أنا زنجي
وأبي زنجي
وجدي وأمي زنجية
أنا أسود
أسود لكني حر
أمتلك الحرية»
وتنقل محمد الفيتوري في جغرافيا واسعة، فقد عمل محررا أدبيا بالصحف المصرية والسودانية، وعُيّن خبيرا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة، في الفترة ما بين 1968 و1970. ثم عمل مستشارا ثقافيا في سفارة ليبيا بإيطاليا. كما عمل مستشارا وسفيرا بالسفارة الليبية في بيروت بلبنان، ومستشارا للشئون السياسية والإعلامية بسفارة ليبيا في المغرب. ما أتاح له اكتساب خبرات وتجارب إنسانية صقلت روحه في بوتقة إنسانية وعالمية تتجاوز الإطار المحلي الضيق إلى أفق إنساني فريد. وظهر ذلك بداية من ديوانه «معزوفة درويش متجول» (1971).
وقد بلغ الفيتوري ذروته الشعرية في نصوصه الأخيرة، خصوصا في ديوانيه «نار في رماد الأشياء»، «عريانا يرقص في الشمس» (2005).
وقد منع الفيتوري من العودة إلى السودان بعد أن رثى «عبد الخالق محجوب» الذي أعدم ورفاقه بعد الانقلاب الشيوعي الفاشل سنة 1971، وكان زعيم الحزب وقتها. فانتقل إلى بيروت، لكنه ما لبث أن أبعد عنها عام 1974 لأسباب سياسية، فسافر إلى ليبيا، ثم دمشق، ولكنه عاد إلى بيروت بعد عام واحد سنة 1975.  وكما كان متوقعا جلبت له هذه القصائد المصاعب فسحب منه الرئيس جعفر النميري جنسيته السودانية، ثم منحه القذافي الجنسية الليبيية وجواز سفر دبلوماسياً. وتقلد مناصب دبلوماسية وسياسية متعددة، فعمل مستشاراً إعلاميا بجامعة الدول العربية في ستينيات القرن الماضي، ثم مستشارًا ثقافياً في سفارة ليبيا بإيطاليا، وسفيراً بالسفارة الليبية في بيروت بلبنان، ومستشاراً للشئون السياسية والإعلامية بسفارة ليبيا في المغرب. ثم سُحِبَتْ منه الجنسية الليبية بعد قيام الثورة الليبية.
ولا شك أن مهنته كدبلوماسي سهلت له السفر الدائم، ومكنته من العيش في العديد من المدن العربية مثل الإسكندرية والقاهرة والخرطوم ودمشق  وبنغازي وطرابلس والرباط. لكن بيروت هي المحطة الأساسية في حياته، فقد عشقها وكتب فيها أروع قصائده، وربطته صداقة مع العديد من الشعراء هناك وخاصة مع الرحابنة وفيروز. وللمفارقة لم يحول ذلك من اختطافه أثناء الحرب الأهلية من قبل الميليشيات في بيروت.  
تنقله الدائم بين البلدان العربية خلق لديه إحساساً بالغربة، التي شكَّلت أبرز ملامح شخصيته ومنحته لوناً مميزاً في أدبه وشعره. كما كان له حضور قوي في الحركة الشعرية العربية الحديثة ويعتبر أحد روادها المجددين في بنية الإيقاع الشعري.  فالشعر بالنسبة للفيتوري شعر، والروح الشعرية برأيه هي التي تحدد  قيمة القصيدة. وتنازعت مشاعر ووجدان الفيتوري ثلاث جنسيات الليبية، المصرية والسودانية، ومزج في شعره بين قضيتين، يصعب المزج بينهما، العروبة والزنوجة.
ومنذ  بدايته الشعرية أظهر الفيتوري انتمائه الثقافي والعرقي والمصيري لإفريقيا السوداء كما تعبير هذه القصيدة من ديوانه الأول «أغاني إفريقيا».
كان الفيتوري أول شاعر عربي يعالج في شعره قضية الصراع بين الأبيض والأسود، متصدياً  للفوارق العنصرية والاجتماعية في المجتمعات العربية. ففي دواوينه االثلاثة الأولى «أغاني إفريقيا»  1956 و»عاشق من إفريقيا» 1964، «اذكريني يا إفريقيا»، 1965، ومسرحيته الشعرية و«أحزان إفريقيا» 1966 التي أثارت اهتماماً واسعاً في الوسط الأدبي والثقافي العربي، خصوصا مواضيعها الجديدة، كانت القارة السوداء حاضرة بشكل كبير. 
وظل الفيتوري محل خلاف كبير في حياته وبعد وفاته في أحد مستشفيات العاصمة المغربية الرباط، عن عمر ناهز 79 عاما، بعد معاناة مع المرض، وعاش الفيتوري بين جنسيات مختلفة وأوطان مختلفة وأصول مختلفة، فهو من أصل ليبي سوداني وعاش في مصر، آثر هذا الشاعر حتى بعد وفاته أن يكون محل خلاف بين الأقطار، هو الذي عاش مشردا بينها لا أرض ثابتة له، فبعد وفاته قررت زوجته أن يوارى الفيتوري الثرى في المغرب بالقرب منها ومن ابنتها، منتقدة تقصير الحكومة السودانية، التي لم تعتن بالشاعر في سنواته الأربع الأخيرة، هذا الشاعر الذي تنازعت حياته المدن والأقطار، وها هي تتنازع موته أيضا بعد وفاته.
وقد تقرب الفيتوري من بعض الحكام العرب خصوصا القذافي وصدام حسين ومن قبل السادات، ومنح بعض الأوسمة. ولكنه من بعد كتب:  
«إن صوتي مشنقة للطغاة جميعا.
إن روحي مثقلة بالغضب
كل طاغية هو صنم
 دمية من خشب».
وفي آخر حياته عاش الفيتوري في المغرب مع زوجته وعاش بقية حياته وحيداً ومحبطاً ومريضاً. وكتب في إحدى قصائده كرثاء لنفسه:
«سأرقد في كل شبر من الأرض
أرقد كالماء في جسد النيل
أرقد كالشمس فوق
حقول بلادي
مثلي أنا ليس يسكن قبراً».
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg