المجلة



بطء التقاضى بمحاكمات الإرهابيين سؤال متكرر مع كل حادثة.. العدالة «مغلولة» بالقوانين.. إلى متى؟

29-11-2017 | 17:42
هشام الصافوري

المستشار إسماعيل حمدى: حيل وألاعيب محاميى الدفاع هى السبب
 
بهاء أبو شقة: الحكومة انتهت من تعديلات قانون الإجراءات الجنائية.. وترسلها للبرلمان فى غضون أيام
 
 د. السيد عتيق: كى تصبح العدالة ناجزة لا بد من حل المشاكل التى يواجهها قانون الإجراءات الجنائية
 
د. ياسر الهضيبى: عدم وجود عدالة سريعة وناجزة يصعب معه تحقيق الردع العام والقصاص للمجتمع
 
فى 30 يونيو 2015، وقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليقول خلال تشييع جنازة النائب العام المستشار هشام بركات، "إن الدولة ملتزمة بالقوانين المعمول بها، والتى تسير المحاكمات وفقا لها، إلا أن نصوص هذه القوانين الجنائية تكبل عمل القضاء وتحول دون تحقيق القصاص الناجز ممن يريقون دماء أبناء الشعب المصري"، وأعلن السيسى آنذاك أن هناك تعديلا مرتقبا لـ"قانون الإجراءات الجنائية"، لتحقيق العدالة الناجزة، وأضاف فى كلمة وجهها للقضاة وجموع المصريين، أن يد العدالة "مغلولة" بالقوانين، وإننا سنعدل القوانين بما يمكننا من تنفيذ العدالة فى أسرع وقت ممكن.
 
برغم مرور أكثر من عامين على ذلك، فإن القوانين لم يتم تعديلها، ويتكرر المشهد مع كل حادث إرهابى يضرب مصر، كتفجير الكنيسة البطرسية، وعندها حيث طالب السيسى مجددا بتعديل قانون الإجراءات الجنائية حتى يستطيع القضاء ردع الإرهابيين وسرعة محاكمتهم، ولكن.. لم يتم تعديل القوانين.. فلماذا؟ ومن المتسبب فى عرقلة تعديل القوانين؟ ولمصلحة من تظل يد العدالة "مغلولة" بالقوانين؟
المستشار بهاء أبو شقة، رئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، قال لـ "الأهرام العربي": إن تعديلات قانون الإجراءات الجنائية لم تقدمها الحكومة البرلمان حتى اللحظة، وإن كانت الحكومة قد انتهت من تعديله، وأرسلت مشروع القانون الجديد إلى مجلس الدولة فى شهر إبريل المنصرم، وفقا للمادة 190 من الدستور، ثم أرسل مجددا إلى الحكومة، التى وافقت عليه، وهى الآن تعد المذكرة الإيضاحية، وهو فى طريقه خلال الأيام القليلة المقبلة ليصل إلى مجلس النواب.
 
وأضاف المستشار أبو شقة، أن أى تعديل إجرائى لا بد أن يكون متفقا مع أحكام الدستور، وفيما يتعلق بقضايا الإرهاب أو غيرها من القضايا سيتم الالتزام بالنصوص الدستورية الخاصة بالمحاكمات العسكرية، وإجراءات القبض وإجراءات التحقيق وإجراءات المحاكمة.
 
وأوضح أبو شقة، أننا أمام قانون طوارئ، القانون 162 لسنة 58، وعندما تعلن حالة الطوارئ يطبق هذا القانون، وفيه إجراءات استثنائية، وهذه الإجراءات الاستثنائية أيضا تكون فى إطار الشرعية الدستورية، مشيرا إلى أنه لن يكتفى بإجراء تعديلات على قانون الإجراءات الجنائية، وإنما سيكون قانونا جديدا، وسيكون فيه ضمانات دستورية، وسنكون أمام نظام إجرائى يواكب أحدث النظم الإجرائية فى العالم.
 
واستطرد رئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب قائلا: "القانون الجديد سيشمل نصوص تنظم العقوبات الخاصة بجرائم الإرهاب، والكيانات الإرهابية، والتمويل وخلافه".
من جانبه أكد المستشار إسماعيل حمدى، رئيس محكمة الجنايات وأمن الدولة العليا سابقا، أن القضاء المصرى فى السنوات الأخيرة قوبل بسيل من قضايا الإرهاب والجرائم المرتبطة به، وأن تأخير صدور الأحكام النهائية فى بعض هذه القضايا يرجع إلى تطبيق نصوص القانون نفسه، إذ إنه من المقرر بعد أن يصدر حكم محكمة الجنايات، يكون لأى من الخصوم الحق فى الطعن بالنقض، وغالبا ما يكون الحكم قبول الطعن، وإعادة الدعوى إلى محكمة الاستئناف من جديد، وهنا تعود القضية إلى نقطة البداية بعد أن تكون قد انقضى سنوات خلال نظرها أمام محكمة الجنايات ومحكمة النقض.
 
وأشار حمدى إلى أسباب أخرى تؤدى إلى بطء الفصل فى قضايا الإرهاب، وتتمثل فى كثرة عدد المتهمين الذى يجاوز عددهم الـ 500 متهم فى بعض القضايا، وما يلجأ إليه بعض أعضاء هيئة الدفاع لمد أجل المحاكمة باتخاذ الإجراءات التى كفلها القانون لهم، من التأجيل للاطلاع والاستعداد أو مناقشة شهود الإثبات أو النفي، وأحيانا رد هيئة المحكمة ذاتها، وجميعها من الأسباب التى تلتزم المحكمة بإجابة الدفاع إليها وتؤخر الفصل فى القضايا.
 
وأكد المستشار حمدى، أنه اختصارا للوقت فى تداول هذه القضايا أمام المحاكم، ولتحقيق العدالة الناجزة، يجب تعديل المادة 39 من قانون محكمة النقض المستبدلة بالقانون 74 لسنة 2007، لتصبح أنه إذا حكمت محكمة النقض بنقض الحكم المطعون فيه، فعليها أن تحدد جلسة تالية لنظره، والحكم فيه بنفسها، دون إعادة القضية لمحكمة الجنايات مرة أخرى، موضحا أن السبب الحقيقى فى سرعة الفصل فى قضايا الإرهاب خلال فترة التسعينيات يرجع إلى صدورها فى ظل قانون الطوارئ، ومن محاكم أمن الدولة العليا طوارئ، التى لا تخضع أحكامها إلا التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية، حيث كان يبادر بإقرارها دون أى وجه للطعن عليه.
من ناحيته طالب د.السيد عتيق، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائى بكلية الحقوق جامعة حلوان، بسرعة تطبيق نظام التفاوض على الاعتراف، حيث إنه يعطى للنيابة العامة سلطة واسعة فى الدعوى الجنائية، وهو نظام مطبق فى فرنسا وأمريكا، وهو يعنى أن الاعتراف يساعد المتهم فى تخفيف العقوبة المقررة عليه، وهو ما سيؤدى لتخفيف الضغط على المحاكم، مؤكدا أنه لكى تصبح العدالة ناجزة وسريعة، فلا بد من حل المشاكل التى يواجهها قانون الإجراءات الجنائية، التى تكمن فى مدى فاعلية وإدارة العدالة الجنائية.
 
وأضاف أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائى بكلية الحقوق جامعة حلوان، أنه لا بد من سرعة إصدار تشريع للمحكمة يجيز لها بعدم جواز سماع شهود الإثبات جميعا إلا فى حالة أهمية تلك الشهادة والقضية، مشيرا إلى أهمية المطالبة بجعل نقض الأحكام على مرحلة واحدة وليس مرحلتان، وهو ما يسهم بشكل كبير فى سرعة الفصل فى القضايا، بدلا من أن تصدر محكمة النقض حكمها بإعادة نظر القضية من جديد أمام دائرة جنايات.
وقال المستشار عدلى حسين، رئيس محكمة استئناف القاهرة الأسبق: إن الظروف الحاكمة حاليا تفرض تعديل قانون الإجراءات الجنائية، وقد ترجمها الرئيس عبد الفتاح السيسى أكثر من مرة فى خطاباته، وضرورة أخذ خطوة فى ذلك، وإصدار التشريعات اللازمة.
وأضاف المستشار عدلى قائلا :"لست من أنصار تعديل الدستور حاليا، فلا يوجد مبرر لتعديل الدستور فى الوقت الراهن، وإنما أرى أن نحسن تطبيقه، فإن المناخ الحالى للرأى العام لا يؤيد أى تعديل فى الدستور، ولو طرح ذلك على الشعب ستكون النسبة التى ستشارك فى الاستفتاء ضعيفة جدا، ثم إن من يطالب بتعديل الدستور على أى شىء يستند؟ فهل نقوم بذلك من أجل محاكمات عسكرية فى قضايا الإرهاب مثلا؟ فهذا الوقت لا يسمح بذلك، وآثاره السلبية كثيرة جدا، وقد تضمن الدستور الإجراءات التى تضمن الإنجاز فى إنهاء مراحل التقاضى.
 
وأوضح رئيس محكمة استئناف القاهرة الأسبق، أن المادة 97 من الدستور الحالى، تحدثت عن أن التقاضى حق مصون ومكفول للكافة، وتلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضى وتعمل على سرعة الفصل فى القضايا، وهو ما يعنى أننا يمكن أن نصدر القوانين التى نحتاج إليها وفقا لهذا النص لسرعة الفصل فى القضايا، وليس اللجوء لتعديل الدستور، ثم إن نفس المادة نصت على ألا يحاكم شخص إلا أمام قاضيه الطبيعى، وأن إنشاء المحاكم الاستثنائية محظور، وإلغاء هذا النص يعد نكسة كبيرة فى مجال الحريات وأثرها السلبى كبير.
 
وأكد المستشار عدلى، أنه إذا تحدثنا عن العدالة الناجزة والإسراع فى الفصل فى القضايا، يجب أن يكون الحديث عن قانون إجراءات خاص بقضايا الإرهاب، أما ما عدا ذلك من قضايا فيتم السير فيها طبقا لقانون الإجراءات الحالى وهو كاف، ذلك بأن المادة 237 من الدستور تحدثت عن التزام الدولة بمواجهة الإرهاب بجميع صوره، وينظم القانون أحكام وإجراءات مكافحة الإرهاب، وهو ما يعنى أن الدستور ترك لقانون الإرهاب أن يعتمد الإجراءات التى يحتاجها لإنجاز هذه القضايا ومواجهة الإرهاب.
 
وقال الدكتور ياسر الهضيبى، أستاذ القانون بكلية الحقوق جامعة عين شمس وعضو الهيئة العليا لحزب الوفد، إنه والمستشار خالد محمد على محجوب المحامى العام الأول بمكتب النائب العام، قد قاما بإعداد دراسة شاملة تتضمن رؤية مقترحة بتعديل واستحداث مواد قانون الإجراءات الجنائية، وذلك من أجل الإسراع فى الإجراءات الجنائية وسرعة إصدار الأحكام، مضيفا أن الدراسة شملت تعديل 12 مادة من القانون، وتم استحداث نحو 6 مواد، بينما تم إلغاء المادة 250 لما بها من ثغرات تسهم فى تعطيل الفصل فى القضايا.
 
وأضاف أن أهم هذه التعديلات يتعلق بإعطاء جهات التحقيق الحق فى إصدار قرار يحظر نشر المعلومات والبيانات الخاصة والمتعلقة بجرائم الإرهاب، وعند مخالفة ذلك يطبق نص المادة 190 من قانون العقوبات، وجواز استصدار الإذن من جهات التحقيق فى حالة وجو دلائل وقرائن كافية، عن وجود إرهابيين أو أدوات تستخدم فى عمليات إرهابية فى أى محل مسكون أو معد للسكنى، ويستصدر الإذن شفاهة أو كتابة أو هاتفيا، أو انتقال عضو النيابة المختص فى حالة الضرورة وحضور جميع الإجراءات، ولا يجوز لمحاكم الجنايات أو الجنح أن تأجل الدعوى المنظورة أمامها مرة أخرى لسماع شهود الدفاع التى صرحت المحكمة بإعلانهم بالحضور، ولم يحضروا فى الجلسة المحددة يسقط الحق فى طلبهم مرة أخري.
 
وأشار الهضيبى إلى أن حالات الشكوى من التأخر فى إنجاز القضايا وطول المواعيد أمر يضر العدالة والمتهمين والخصوم والمجتمع، فعدم وجود عدالة سريعة وناجزة يؤدى لتأخير الفصل فى القضايا ويكرس قاعدة البطء فى إجراءات التقاضى مما يصعب معه تحقيق الردع العام والقصاص للمجتمع، فضلا عن أن سرعة الفصل فى القضايا هو مبدأ دستورى نصت عليه الدساتير والإعلانات العالمية والاتفاقات الدولية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg