رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 19 اكتوبر 2018

المجلة



من مذكرات جمال عبدالناصر.. الكارثة.. رسمها الإنجليز من وراء ستار!

4-12-2017 | 22:11
بقلم: محمود صلاح

 
عبد الرحمن عزام: أطالب بتحقيقين فى حرب فلسطين.. سياسى لتحديد المسئولية.. وعسكرى لمعرفة أسباب الهزيمة
 
مصر تصرف 50 مليون جنيه فى السنة على إعداد جيشها.. وباقى الدول العربية تصرف مجتمعة نفس المبلغ
 
جنرال ألمانى يعرض خدماته لمساعدة الجيوش العربية فى فلسطين.. وعجزنا أن نضع بين يديه الوسائل والمعلومات التى تمكن من دراسة الموقف 
 
لم يذهب نداء الكاتب محمد حسنين هيكل لشهود الحق على أسرار حرب فلسطين، بالتقدم للإدلاء بشهاداتهم وكشف الأسرار حبيسة الصدور سدى!
فقد تقدم عبد الرحمن عزام، الذى كان أمينا للجامعة العربية قبل الأزمة وخلالها وبعدها، تقدم عزام الذى عاش فى أعماق الحوادث والأسرار لكى يدلى بشهادته.
وبرغم أن هيكل يعترف فى يومياته بأن شهادة عبد الرحمن عزام تبدو أنها تلقى أشعة من الضوء في ناحية معينة من القضية، لكنه يتحفظ ولا يتسرع فى التعليق على هذه الشهادة.
ويقول هيكل: لن أسبق الحوادث.. وسأحاول أن أنتظر.. مؤقتا!
بأسلوب بليغ وواضح يبدأ عبد الرحمن عزام أمين جامعة الدول العربية شهادته فيقول: "قبل أن أقف أمام التاريخ"، لأفتح قلبى وذاكرتى معه، وأقول بدورى بعض ما أستطيع أن أقوله عن الظروف التى دخلت فيها مصر حربا رسمية فى فلسطين، أريد أن أقول كلمة صغيرة، أريد أن أتكلم عن المستقبل مستندا إلى عبرة الماضى، والشىء الذى أريد أن أقوله شىء واحد، واضح فى ذهني، محدد التفاصيل، أنا أطالب بتحقيق فى حرب فلسطين، أطالب بتحقيق ذى اتجاهين، اتجاه سياسي.. لتحقيق المسئولية فى دخول الحرب نفسها، واتجاه عسكرى.. لتحقيق أسباب الهزيمة العسكرية بعد الدخول!
والاتجاه السياسى مقدمة، ولكن الاتجاه العسكرى فى رأيى أهم لأنه هو الذى يمضى إلى المستقبل، أن الاتجاه السياسى لن يقودنا، إلا لأن نحكم على مجموعة من السياسيين، كانوا يتولون أمر البلاد العربية، نحكم عليهم بما يرضيهم أو بما يغضبهم، بما يضعهم فى اليمين، أو بما يضعهم فى اليسار، ولكن هذا أمر سهل وميسور.
والأهم منه فى رأيى هو الأسباب العسكرية للهزيمة، ذلك لأننا يجب أن نعرف لماذا هزمت جيوشنا، وترتب سياسة إعدادها للمستقبل، وتدريبها وتجهيزها، على أساس العبرة العملية المستفادة من تجربة المعركة نفسها.
أن مصر تصرف 50 مليون جنيه فى السنة على إعداد جيشها، وباقى الدول العربية تصرف مجتمعة ما يقرب من خمسين مليونا أخرى، فلو كان الأساس الخاطئ الذى دخلت عليه جيوش هذه الدول ـ من الناحية العسكرية ـ إلى فلسطين ما زال قائما، فإن هذا المال، «مائة مليون جنيه كل سنة»، وهذا الجهد، يكون كله ضائعا مع الهواء لا يؤدى غرضا ولا يحقق هدفا!
وأنا أذكر أنه بعد انتهاء معارك فلسطين إلى النتيجة التى انتهت إليها، بدأت هذه الفكرة تلح علىّ، وكنت وقتها أمينا عاما لجامعة الدول العربية، أسعى فى حدود ما أستطيع إلى تحقيقها. 
> > >
ويمضى عبد الرحمن عزام قائلا فى شهادته:
وأذكر أنه عرضت علىّ فى ذلك الوقت، خدمات جنرال ألمانى كبير هو "الليفتنانت جنرال آرثر شميث "، وكان من أركان حرب الماريشال روميل، وعاش معه وعاصره خلال كل معارك الصحراء. 
وقلت لنفسي: أستعين بهذا الجنرال الكبير للفكرة التى تسيطر على خاطري، وبالفعل اتخذت التدابير لحضور هذا الجنرال، وتكلمت مع بعض المسئولين فى مصر فى ذلك الوقت، وأبدوا تقديرا لهذه الفكرة، وبدأ الرجل يعمل لها سرا، ولكننا عجزنا عن أن نضع بين يديه، الوسائل والمعلومات التى تمكنه من دراسة المواقف، فى جبهات الجيوش العربية التى خاضت حرب فلسطين، بالدقة الواجبة لدراسة عسكرية. يقدم بها رجل فى مثل خبرته وقدرته، وبقى الرجل فترة من الزمن فى الانتظار، ثم قرر أنه لا يستطيع أن ينتظر أكثر مما انتظر.. ومضى، وأنا أرجو أن تتكرر المحاولة وتكون ناجحة هذه المرة.
ولقد بت مقتنعا أنه يجب أن تجرى هذه المحاولة، ويجب أن تقوم بها مجموعة من العسكريين المحايدين، وأنا أقترح استقدام هيئة من الخبراء الألمان، تقوم بهذه الدراسة المحايدة، وتقدم النتيجة إلى هيئات أركان حرب الجيوش العربية، التى تتعهد بألا تغضب من الحقيقة، وإنما تحاول أن تفيد من كارثة التجربة.
وأنا لا أريد أن أسبق الحوادث، ولكن واثق أن أى تحقيق فنى محايد، سوف يثبت حقيقة واحدة تبدو على الأقل أمام عينى جلية ظاهرة، هذه الحقيقة هى أننا ـ نحن العرب ـ دخلنا فلسطين ونحن أقوى عددا وعدة من اليهود، بل إننى واثق أنه فيما يتعلق بالمدفعية  ـ مثلا ـ  كانت مدفعية أى جيش عربى من الجيوش العربية الزاحفة، أقوى وحدها من مدفعية اليهود كلها، هذه مسألة مهمة، لأنها تتعلق بالبناء للمستقبل، وأهم فى رأيى من شنق مجموعة من السياسيين لأخطاء أصبحت الآن، وأصبحوا معها، قطعة من الماضي!
> > >
ويستطرد عبد الرحمن عزام قائلا فى شهادته:
والآن أعود إلى الموضوع الأساسى، "أقوالى كشاهد حق أمام التاريخ فى دخول الجيش المصرى حربا رسمية فى فلسطين".
أنى أذكر أن مؤتمر "عالية" كان أول مناسبة تطرح فيها فكرة دخول الجيوش العربية حربا رسمية سافرة فى فلسطين، وكانت كل من العراق وسوريا متحمسة للدخول، وأذكر أن أحد ممثلى العراق اندفع فى حماسته، فأمسك خريطة ومضى يشرح لنا عليها، كيف يمكن للجيش العراقى أن يتوغل فى فلسطين، حتى يصعد قمة جبل الكرمل ويحرر حيفا من اليهود!
وأذكر أن النقراشى ـ يرحمه الله ـ وقد حضر المؤتمر مع غيره من رؤساء الحكومات العربية كان ضد هذا الاتجاه، وكانت له فى ذلك أسباب سياسية، أستطيع أن أقول إنه لم يكن من بينها خشيته من هزيمة عسكرية، وكنت أنا فى ذلك الوقت أقف موقفا وسطا، لم أكن أعارض فى دخول الجيوش العربية معارضة كاملة حاسمة، ولكن كذلك لم أكن أؤيد دخولها، وكنت أعتقد أن قوات المتطوعين تستطيع أن تقوم بالعبء الكبير، على شرط أن تحس بالسند المعنوى الضخم من جيوش العرب.
واتفقنا فى المؤتمر على حل وسط، هو أقرب إلى رأيى الخاص، وكان هذا الحل أن نعطى كل ما نستطيع لجيوش المتطوعين، وأن نطلب من جيوش الدول العربية، أن تنقل مراكز تدريبها إلى الحدود المشتركة بينها وبين فلسطين.
وأذكر أن النقراشى اتصل بى بعد عودتى إلى مصر، وقال لى: لقد نقلنا معسكر التدريب العسكرى الكبير للجيش المصرى إلى الحدود .. وهناك الآن ثلاث كتائب يجرى تدريبها فيه، وأذكر أننى حرصت فى ذلك الوقت بصفتى أمينا عاما لجامعة الدول العربية، على أن أطمئن إلى أن كل دولة من الدول العربية، قد نفذت قرارات مؤتمر "عالية".
وأذكر أننى أيضا فى تلك الفترة سافرت إلى العراق لكى أستعجل نقل معسكرات تدريب الجيش العراقى إلى الحدود، تنفيذا لما اتفقنا عليه، وكنت فى كل مرة أتلقى تأكيدات بأن الأمر موضع التنفيذ!
> > >
ويمضى عبد الرحمن عزام، أمين عام جامعة الدول العربية فى تلك الفترة الحساسة من تاريخ الأمة العربية، فى كشف مواقف الدول العربية قبيل دخول حرب فلسطين، فيقول:"ومع مضى الأيام بعد ذلك أحسست أن هناك جيوشا عربية سوف تدخل فلسطين يوم 15 مايو على أى حال، ولم أكن أعارض فى هذا، ولم أر أى مبرر فى المعارضة. وما دامت هناك دول عربية تريد أن تضع جيوشها الرسمية بجوار قوات المتطوعين.. فأى ضرر فى هذا ؟!"
ولقد أيقنت أن الجيش الأردنى مثلا سوف يدخل الحرب، ولكن الذى لم يخطر بخيالى أن الجيش الأردنى سوف يلزم نشاطه فى حدود التقسيم ولا يتعداها، ثم تترتب على ذلك أخطر النتائج.
أما مصر فقد كانت كل معلوماتى تقول: إن الجيش المصرى لن يدخل، وأذكر أن السيد شكرى القوتلى، وكان وقتها رئيسا للجمهورية السورية، سألنى: هل الجيش المصرى سيدخل الحرب؟
قلت له: إن المعلومات التى لدى تقول إنه سيقف على الحدود فى حالة استعداد، لكنه لن يدخل، وأذكر أيضا أننى فى يوم 14 مايو . قبل الدخول بيوم واحد، وقفت بجوار المغفور له الملك عبد الله، وكان الملك عبد الله يستعرض جيشه الداخل إلى فلسطين.
ومال علىّ الملك عبد الله، وسألنى: لقد تلقيت من مصر أنباء أن موقفها تغير. وبأن الجيش المصرى سوف يدخل المعركة.
قلت له: إننى لم أسمع بحدوث أى تغيير، وأظن أن الجيش المصرى، سوف يلازم مواقعه على الحدود المصرية، ولكن الذى حدث بعد ذلك أن الجيش المصرى دخل فعلا! وأذكر بعدها أننى عدت إلى مصر . وسألت النقراشى عن سر هذا التحول، وأذكر أنه قال لى بالحرف الواحد، والله يا عبد الرحمن، أنا وجدت أنه لا حالتنا الداخلية، ولا حالة الأمن فيها، ولا كرامتنا تسمح لنا أن ننتظر!
وكانت المعركة تشغلنا فى بدايتها عن أى شىء آخر، وكنت أحب أن أستزيد من النقراشى إيضاحا فى المسائل الثلاث التى أوردها فى عباراته وهى: حالتنا الداخلية، حالة الأمن الداخلى، كرامة مصر، ولكن الظروف لم تواتنى، فقد شغلنا بالظروف الجديدة وتطوراتها، واضطررت إلى السفر إلى عواصم الدول العربية، ثم قتل النقراشى، وذهبت أسراره كلها معه، وعلى أى حال، لم يكن هناك فى البداية ما يشعر أن كارثة تنتظرنا!
> > >
ويستمر عبد الرحمن عزام فى شهادته قائلا:"ولقد بدأت أحس بالكارثة المتربصة بنا ذات يوم فى عمان، وربما كنا يومها فى الثالث عشر أو التاسع عشر من شهر مايو سنة 1948، أى بعد دخول الحرب بأربعة أيام"!
كنت يومها منهمكا فى تحريض الأمة العربية على القتال، وهنا وقفة أحب أن ألفت إليها الأنظار، لقد كنت أحرض على القتال ـ بعد أن دخلنا المعركة فعلا ـ  لأنه كان من واجبى أن أفعل ذلك . ولكن الناس خلطوا بين التحريض على القتال بعد بدء المعركة، وبين الدعوة لدخول الحرب فعلا، وهما أمران بينهما فارق هائل!
وأعود إلى اليوم الذى أحسست فيه بالكارثة المتربصة لنا على الطريق!
زرت الجبهة العربية فى القدس القديمة، ثم عدت إلى عمان، وهناك قابلت فيها الأميرلاى سعد الدين صبور ـ اللواء فيما بعد ـ وكان يومها رئيسا للبعثة العسكرية الاستشارية المصرية، لدى القيادة العامة للجيوش العربية، وقلت لصبور: إن الموقف فى القدس يبعث فى نفسى شعورا بالقلق، لقد كان يجب أن يبدأ الهجوم على القدس الجديدة، ولكننى رأيت مواقع الجيش العربى ومراكز تجمعه، وهى ليست مواقع قتال فيما بدا لى، وأنا لا أدعى خبرة فنية فى الحروب، لكن ما أعرفه عنها يسمح لى بالقلق!
وأذكر أن صبور طمأننى، وقال لى إنه يعرف أن هناك خطة، وأن المواقع التى لم يبد لى أنها تجمعات قتال تحقق الهدف من الخطة، ومضت أيام والقدس لم تهاجم، وازداد قلقى، وذهبت إلى الأمير عبد الإله الوصى على عرش العراق وقتها، وكان فى عمان، وقلت له: الموقف فى القدس يقلقني، وأنا أشم فيه رائحة، وأذكر أن الأمير عبد الإله ذهب معى إلى عمه الملك عبد الله، وسمعنى وأنا أصارح الملك عبد الله بمخاوفي، وقلت للملك: يا سيدنا، أنا رجل يحس أن رأسه فى المشنقة، وأنا غير مطمئن للذى يحدث فى القدس. ومن واجبى أن أصارحك بهذا، والآن إما أن تأمر بالاستيلاء على القدس القديمة فورا، ثم بعدها تهاجم القدس الجديدة، وإما أن أقف أمام الشعوب العربية وأصارحها بمخاوفى!
أمسك الملك عبد الله بلحيته ولزم الصمت فترة، ثم قال: يا عزام، أنا لا أقصد القدس القديمة فقط أو القدس الجديدة بعدها. وإنما أنا ماض بعون الله إلى تل أبيب، اصبر علىّ!
قلت له: إذا دخلت إلى تل أبيب، فسوف أقف فيها وأتوجك، حتى ضد الأمة العربية كلها، قال لى الملك عبد الله: انتظر علىّ، سوف نهاجم القدس القديمة ونطهرها، وسوف نحاصر القدس الجديدة ونسقطها بالحصار، وبعدها تل أبيب، وانتظرت، وتم تطهير القدس القديمة، ولكن بعد ذلك لا شيء، ولم أدرك إلا بعدها أن أصابع الإنجليز كانت تلعب من وراء ستار! لقد قصدوا ألا تسقط القدس الجديدة ولا تحاصر، ورتبوا بمعاونة رجالهم ألا يتحرك الجيش الأردنى، إلا فى إطار التقسيم.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg