رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 11 ديسمبر 2017

مقالات



الإرهاب جريمة ضد الإنسانية يستحيل تبريرها

29-11-2017 | 12:14
د. حسن أبوطالب

الإرهاب جريمة نكراء لا يمكن لأحد عاقل أن يدافع عنها أو يبرر القيام بها، أو أن يشمت فى الضحايا الأبرياء. من يفعل ذلك هم المرتبطون تنظيميا بجماعات إرهابية متطرفة فكرا وسلوكا، أو المعتقدون فى فكر بائس يبيح قتل الأنفس دون جريرة، أو أحمق شامت لا يملك ذرة من إنسانية أو خردلة من دين. جريمة مسجد الروضة القريب من مدينة بئر العبد بشمال سيناء عَرّت تنظيمات الإرهاب أيا كان الاسم الذى تحمله؛ قاعدة أو داعش أو أنصار الإسلام أو أى اسم أو لافتة تخدع البسطاء وذوى العقول القاصرة، فالكل شرب من ينبوع فاسد واحد، اسمه فكر الإخوان المسلمين، أول من حكموا على المجتمع بتقسيمه إلى جاهلية وإخوان، وفتحوا الباب أمام فتنة تكفير بين المسلمين جميعا لا يعلم متى تنتهى سوى الله سبحانه وتعالى، وإلى أن يحدث هذا الهدف البعيد، ستظل مصر فى رباط وحرب ضروس إلى أن يُمكن الله صالح عباده من قهر الإرهاب والإرهابيين.
 
لقد شكلت رؤية الإخوان الملتبسة للدين الإسلامى وإقحامه فى الشأن السياسى الأساس الذى أقامت عليه جماعات ما يُعرف بالإسلام السياسى، سواء الموصوفة بالمعتدلة أو العنيفة، رؤيتها لذاتها باعتبارها صاحبة المنهج الحق فى مواجهة كل من لا يعتقد فى ذلك المنهج باعتباره كافرا مُباحا دمه وعرضه وماله. ومن ثم ترسخت لدى الإرهابيين وعن جهل فاضح بمقاصد الدين الإسلامى قناعات إهدار الحق فى الحياة، وهو المبدأ المقدس فى الإسلام وجميع الأديان السماوية، فلا قتل لإنسان إلا بالحق وبواسطة ولى الأمر دون غيره ووفق قواعد شرعية وقانونية صارمة.
 
ما حدث فى مسجد الروضة حيث أباح تنظيم إرهابى لنفسه حق قتل مسلمين آخرين لأنهم  - من وجهة نظر التنظيم الإرهابى – صوفيون خارجون عن الملة، فقتل 305 أنفس بريئة وأصاب 130 آخرين، ما يشكل جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، واجب توقيع أقسى العقاب على مرتكبيها وداعميها ومموليها، فالكل آثم والكل مُدان والكل شريك فى جريمة نكراء ضد الإنسانية.
 
رغم وضوح المغزى الإرهابى فى هذه الجريمة، نجد من يرى الأمر عبارة عن تفاصيل عابرة فى مواجهة بين مسلحين متمردين دون وصفهم بالإرهابيين أو حتى مجرمين خارجين عن القانون، وبين دولة لا تعترف بهؤلاء المجرمين ولا تتيح لهم حرية العمل. ويستطرد هؤلاء فى رؤيتهم المنحازة للقتل والخراب بالنظر إلى جهود قوات الأمن من شرطة وجيش فى مواجهة هؤلاء الإرهابيين باعتبارها معركة خاسرة مسبقا، وأن النصر فيها لن يحدث، اللهم إلا إذا رضخت الدولة المصرية لمطالبهم وانصاعت لرؤيتهم الدنيئة للدين وللحياة وللإنسان. 
 
لقد جاءت بعض التغطيات والتحليلات لبعض وسائل الإعلام الغربية والأمريكية الشهيرة كالبى بى سى، ورويترز، وسى إن إن، ودى دبليو وغيرهم لهذه الجريمة النكراء منحازة للإرهاب جملة وتفصيلا، وقاصرة عن فهم واستيعاب دلالات تلك الجريمة اللا إنسانية، ومفتقرة لأبسط قواعد المهنية التى تقتضى بيان الحدث كما هو وليس كما يرغب المحرر أو المحلل الصحفى نكاية فى مصر وشعبها. الأكثر من ذلك فإن تبرير عمل إرهابى بحجم ما جرى فى مسجد الروضة أو التقليل من شأنه وتصويره مجرد معركة عابرة وليس تطورا نوعيا خطيرا فى السلوك الإرهابى، يعنى أننا جهات إما داعمة للإرهاب المُوجه لمصر وشعبها، وإما جهات جاهلة بما يجب أن تقوم به لفضح هذا الإرهاب وإدانته. 
 
بالطبع، لن نطمح فى أن يقف مثل هؤلاء مع الدولة والشعب المصرى فى حربهم ضد الإرهاب والتطرف والعنف والخراب والفوضى، ولكننا نطمح فقط فى أن يتحلى هؤلاء بالمهنية والعقلانية، فإن ساد الإرهاب وأطاح بدولة كبيرة بحجم مصر، والعياذ بالله، فسيجد العالم كله نفسه فى مأزق هائل، وسوف تتساقط نظم وحكومات وسوف تتصاعد شلالات الدماء فى كل مكان ولن يوقفها أحد. 
 
ندرك أن كلا من العراق وسوريا قد سجلا صمودا كبيرا فى وجه الجماعات الإرهابية التى شارفت على الاختفاء هناك ولو إلى حين. والأهم أن هذا الصمود جاء بمساندة عالمية كبيرة وثمن عال دُفع بعضه وما زال بعضه الآخر واجب الدفع، وأشير هنا تحديدا إلى ما يجب فعله من إعادة إعمار لما خَرّبه الإرهابيون. والأهم إعادة بناء الشخصية السوية لمن تعرضوا لتشوهات الإرهاب وتنظيماته، وهم بمئات الآلاف إن لم يكن ملايين المواطنين العراقيين والسوريين المغلوبين على أمرهم. 
 
لقد كانت هناك وما زالت مشاركات مباشرة من أكثر من دولة عربية وغربية، وتشكلت أحلاف وتفاهمات وحدثت تدخلات عسكرية هائلة من قبل أكبر قوتين عسكريتين فى عالمنا المعاصر لمساندة جهود إنهاء تنظيم داعش، ومحاصرة النصرة وأمثالها فى كلا البلدين العربيين العزيزين. والصحيح أنه حدث انحسار لتلك الجماعات الإرهابية على الأراضى العراقية والسورية، ومع ذلك فمن المبكر جدا القول إن ظاهرة الإرهاب نفسها قد انتهت. وتنبئنا خبرات التاريخ أن القضاء على هذه التنظيمات العابرة للحدود يتطلب مدى زمنى طويلا، ومشاركات دولية تؤمن بهزيمة الإرهاب وليس حمايته. كما تنبئنا التقارير المتداولة عن أن بلدانا معينة نقلت أو سَهّلت انتقال كوادر إرهابية عتيدة من العراق وسوريا إلى ليبيا لغرض تشكيل منصة إرهابية جماعية تضم فروعا من القاعدة وبقايا من داعش وعناصر سلفية جهادية إرهابية محلية لكى تنطلق فى وجه مصر وشعبها، وهو ما نشهده يوميا من محاولات تهريب أسلحة وعتاد وأفراد عبر الحدود مع ليبيا وتقوم قواتنا الجوية الباسلة بالقضاء عليها وتدميرها، ومع ذلك يكرر الإرهابيون تلك الفعلة مرة تلو أخرى. وليس ببعيد ما يعرف بحادثة الإرهاب فى الواحات التى راح ضحيتها عدد كبير من أبناء الشرطة البواسل. 
 
 الوضع فى مصر مختلف كثيرا عن الحالات الأخرى، فنحن كدولة وشعب نحارب بأنفسنا ومن أجل انفسنا وأيضا من أجل سلام واستقرار العالم معا. ما نرجوه هو أن يقدر الآخرون ما نفعله والتضحيات التى تبذل كل ساعة وكل يوم بلا انقطاع. لا نريد من أحد أن يرسل قوات أو يشارك بجنود، نريد فقط أن يتفهم الجميع طبيعة المعركة الجارية، وألا يساند أحد الإرهابيين أو يوفر لهم منصات دعائية مجانية أو يصورهم ظلما وبهتانا كمناضلين من أجل الحرية. نريد أن يوقف الداعمون للإرهابيين دعمهم سواء بالمال أو السلاح أو بالدعاية وإشاعة الفهم المغلوط لأعمال إرهابية دنيئة.
 
حان الوقت أن يدرك الجميع أن تلك الضربات التى توجه لمصر وشعبها ليست بعيدة عن أجهزة استخبارية عتيدة، وليست بعيدة عن دول تتصور أن وقوع الدولة المصرية سوف يوفر لها فرصة الارتقاء إقليميا وعالميا دون منافسة. ورسالتنا الأخيرة لهؤلاء ولكل شامت أحمق، أن المصريين قادرون على الانتصار مهما كانت الصعوبات، ومهما تكررت تلك الجرائم النكراء ضد الإنسانية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg