مقالات



نحن أسرى للظلام المحيط

4-12-2017 | 22:11
سيد محمود

مع كل حدث إرهابي بشع يضرب أرواح المصريين، يطرح الجميع سؤالا بديهيا عن دور الثقافة والفنون في مكافحة الإرهاب، ومنذ أن عرفت مصر هذا النوع من الجرائم التي تحولت إلى جرائم ضد الإنسانية بامتياز،  نكرر السؤال ذاته، دون امتلاك مبادرة واحدة وفاعلة من مبادرات النفس الطويل التي يمكن أن تسهم مساهمة فاعلة في وقف نهر الدم.
والمتابع لأحوال الثقافة الرسمية في الفترة الأخيرة يمكن له أن ينتهي إلى قناعة واضحة، تشير إلى عجز متكامل  عن النفاذ إلى الإقاليم والبؤر الإرهابية النشطة التي تستعملها الخلايا النائمة لتوقظ منها موجات الغل والكراهية، وبات من المؤكد أن جهاز الثقافة الجماهيرية على وضعه الراهن عاجز عن إنقاذ الفكرة التي تأسس من أجلها.
والمؤسف أكثر أن جميع المبادرات الحكومية التي  تبنت خطة للمواجهة  تورطت في نزعة إعلامية وخطابية واضحة، استهلكت ميزانياتها في تكريمات وأناشيد وطنية لا طائل من ورائها، وانتهت  لصيغ فاشية أكثر من أي شيء آخر.
وتشير الدراسات العلمية في شأن تفسير ظاهرة الإرهاب، إلى أن التهميش الثقافي واحد من أبرز أسباب التطرّف وفِي رواية  الكاتب عزت القمحاوي الجديدة (يكفي أننا معا) إشارة إلى جولة يقوم بها البطل في متاحف روما مع حبيبته، وحولهم أطفال من المدارس بصحبة معلم للفن يشرح لهم ما يرونه ثم يتساءل البطل: هل يمكن أن يتطرف هؤلاء؟!
وبالطبع يمكن أن يحدث ذلك، لكن النسبة لن تزيد على واحد أو اتنين بالمائة، كما كشفت الدراسات التي حاولت أن تفسر انضمام شباب أوروبيين إلى داعش وإلى جماعات يمينية متطرفة داخل أوروبا وخارجها، بينما النسبة في مجتمعاتنا في ازدياد، لأننا لا نأخذ بالأسباب للأسف، وبرغم أن لدينا  تراثا عريضا من الدراسات النفسية والاجتماعية والأمنية التي تحاول  تفسير التطرّف، فإننا نجحنا في تحويل محتواها إلى أكلاشيهات وليس إلى برنامج عمل.
وبين يدي الآن دراسة أنجزها وزير الثقافة المصري  السابق د. شاكر عبد الحميد، وصدرت عن وحدة مراصد بمكتبة الإسكندرية، تكشف بوضوح عن  أن الثقافة إلى جانب التعليم يمكن أن تكون هي الأداة الناجزة في دحر التطرّف.
الدراسة بعنوان "التفسير النفسـي للتطرف والإرهاب" وتستكشف  النظريات النفسية المختلفة التي تتناول انضمام الأفراد للجماعات الإرهابية وتشكل ظواهر التطرف في المجتمعات الحديثة، وعلى أساس التحليل النفسي للظاهرة، تحاول إبراز ثقافة الإبداع كمدخل لمكافحة التطرف والإرهاب.
ومن اللافت  للنظر أن أجهزة الدولة على اختلافها، لم تفكر في الاستفادة من الدراسة وتحويل النتائج التي توصل لها صاحبها  في الجانب الثقافي إلى برنامج عمل، فلا تزال برامجنا الثقافية وإستراتيجياتها تقوم على صخب المهرجانات التي لا تترك أثرا عميقا، وإلى سعي غير مفهوم إلى تكبيل العمل الثقافي الأهلي ومحاصرته في الأقاليم، كما لا تزال وسائل إعلامنا قاصرة في التواصل مع مبادرات جادة  داخل العاصمة، يقف خلفها جميعا أفراد وجمعيات لا تتلقي تمويلا أجنبيا من أي جهة، لكنها تستثمر في الطاقات الشابة التي لا تجد يدا  تمتد إليها أو مساحة من الضوء تكافئ سعيها من أجل النور، لأننا وبكل أسف أسرى للظلام المحيط.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg