مقالات



حادث الروضة نموذج لإرهاب المدن

29-11-2017 | 18:48
د.إيمان رجب

هناك من اتجه للحديث عن أن استهداف جامع قرية الروضة فى بئر العبد مرتبط بصورة رئيسية، بكونه الجامع الخاص بالطريقة الصوفية الجريرية، وهذا التحليل يحوى ضمنيًا تبريرًا لاستهداف العناصر الإرهابية للجامع أثناء قيام المصلين بأداء صلاة الجمعة، وهذا أمر لا يستقيم أولًا مع مبدأ أن استهداف المؤسسات الدينية سواء أكانت الكنائس أم الجوامع أمر مستهجن ومرفوض فى الوعى الجمعى المصري، وثانيًا أن هذا الجامع هو الوحيد فى القرية الذى تقام فيه صلاة الجمعة وبالتالى يصلى فيه أى من المارة الراغبين فى أداء هذه الشعيرة، وهذه هى الحال فى معظم المدن والقرى المصرية حيث لا يميز الناس عادة بين الجوامع التى تقام فيها شعائر صلاة الجمعة بين كونها جوامع صوفية أو سلفية أو حتى إخوانية. 
 
إن المهم فى الحادث الذى تعرض له جامع قرية الروضة فى بئر العبد، بأنه يمثل حالة نموذجية لما يسمى فى مجال دراسات الإرهاب بإرهاب المدن urban terrorism، ويمتاز إرهاب المدن بثلاث ميزات رئيسية، الأولى أن العناصر الإرهابية تتجه لاختيار الأماكن التى توجد فيها تجمعات عددية كبيرة، وذلك لأن الهدف هو إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا، وفى حادث بئر العبد سقط وفق بيان النائب العام عدد 305 شهداء، و128 مصابا، وهو عدد يفوق عدد ضحايا الطائرة الروسية التى تحطمت فى 31 أكتوبر 2015 والتى بلغ عدد ضحاياها 224 شخصا.
 
وتنصرف الميزة الثانية إلى أن العناصر الإرهابية تختار أهدافا تخرج عن دائرة أهدافها المتعارف عليها، وفى هذا الإطار تختار العناصر الإرهابية الأهداف الرخوة soft targets التى عادة ما تكون مستبعدة، وتعد المؤسسات الدينية والأماكن العامة ووسائل المواصلات والمدارس والجامعات من هذه الأهداف.
 
كما أن العناصر الإرهابية تصبح قادرة على نقل مكان عملياتها جغرافيًا إلى مناطق تخرج عن دائرة عملياتها المستقر عليها، وفى حالة هذا الحادث أصبحت هذه العناصر قادرة على نقل مكان عملياتها من العريش والشيخ زويد ورفح، إلى إحدى قرى الظهير الصحراوى التابعة لبئر العبد وهى الروضة، والتى تعد من بين القرى التى تقع ضمن مشاريع التعمير التى تنفذها الحكومة فى إطار مشاريع تعمير سيناء، حيث إنه من المخطط أن ينفذ فيها خلال العام الجارى وفق الخطة التى أعلنت مطلع 2017 عدد 80 مشروعا سكنيا. 
 
وتتعلق الميزة الثالثة بأن العناصر الإرهابية تجمع بين أكثر من تكتيك فى تنفيذها للعمل الإرهابي، وهذا متحقق أيضًا فى حادث جامع الروضة، فوفق بيان النائب العام وشهادات المصابين، جمعت العناصر الإرهابية بين استخدام الأسلحة النارية والعربات المفخخة وإلقاء القنابل داخل الجامع، فضلا عن حرق سيارات المصلين. وهو ما من شأنه أن يبث مزيدا من الخوف فى نفوس الناس ويوقع المزيد من الضحايا.
ويكشف تحليل الأماكن التى استهدفتها العناصر الإرهابية طوال الأشهر الماضية فى شمال سيناء تحديدًا، عن أنها لم تعد تهتم بالأماكن الأمنية فقط أو باستهداف عناصر قوات إنفاذ القانون وأماكن تمركزهم، حيث هاجمت العناصر الإرهابية مقر البنك الأهلى المصرى فى رفح فى 16 أكتوبر 2017، وقتلت العناصر الإرهابية سائقين يعملون فى شركة العريش للأسمنت فى شمال سيناء فى 11نوفمبر 2017، وقبل ذلك فى 24 نوفمبر عام 2015 نفذت عملية إرهابية استهدفت الفندق الذى كان يقيم فيه القضاة المشرفون على انتخابات مجلس النواب فى العريش.
ويمكن القول إن هذا التكتيك فى إستراتيجيات عمل العناصر والخلايا الإرهابية يسعى لتحقيق هدفين، الهدف الأول هو زيادة الأعباء على قوات إنفاذ القانون من خلال توسيع نطاق الأماكن التى تحتاج لرفع مستوى تأمينها سواء من الناحية النوعية أم من الناحية الجغرافية. ويتعلق الهدف الثانى بالمساس بثقة المجتمع فى قوات إنفاذ القانون وقدرتها على مكافحة الإرهاب، وذلك من خلال تنفيذ عمليات تسقط عددا كبيرا من الضحايا المدنيين. 
وتتطلب سياسات مكافحة هذا النوع من الإرهاب إشراك المواطن العادى فى جهود المكافحة من خلال تحديد المسئوليات التى يتعين عليه القيام بها فى مواجهة العناصر الإرهابية، وهذه المسئوليات تكون مكملة وداعمة للجهود التى تبذل من قبل قوات إنفاذ القانون. 
 
وتشير الخبرات الدولية فى هذا المجال إلى أن أى إستراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب، لم تعد تقتصر على الشراكة بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدنى فقط، وإنما أيضًا أصبحت تتعامل مع المواطن كطرف أصيل فى عملية المكافحة.
 
وهناك العديد من الممارسات الدولية التى تقدم نماذج ناجحة فى هذا المجال. وأذكر هنا على سبيل المثال بريطانيا، والتى مع تزايد احتمال تعرضها لمزيد من العمليّات الإرهابيّة خلال الفترة المقبلة، أصبحتْ أكثر حاجة لتعاون المواطن الفرد معها فى جهود عملية مكافحة الإرهاب. حيث اتجهت لتحفيز المواطن على المشاركة فى جهود مساعدة ضحايا الإرهاب من المدنيين الذين تصادف وجودهم فى مكان وقوع الحادث الإرهابي. حيث طورت بريطانيا برنامجا على الموبايل باسم CItizenAid وهو يحوى خطوة بخطوة ما ينبغى على أى شخص فعله فى حال وجوده فى مكان وقوع الحادث الإرهابى لإنقاذ المصابين بهدف تفادى استياء حالتهم، فى حال تأخّر وصول سيارات الإسعاف لمكان الحادث، وهذا البرنامج طوّرَه مجموعة من الأطباء العسكريين والمدنيين، وهو متاح بالمجان على منصات إنزال تطبيقات وبرامج الموبايل كافّةً، ويتم تشجيع المواطنين من خلال حملات متعددة على إنزاله واستخدامه. 
 
وهذا المنطق فى التعامل مع المواطن يختلف تماما عن الصورة النمطية المرتبطة بهذا الموضوع، والتى تتعامل مع المواطن على أنه “مخبر” أو “عميل” للأجهزة الأمنية، فالكل يتذكّر شكل المخبر فى الأفلام القديمة، وهو يرتدى البالطو الأصفر ويجلس على أحد المقاهى متظاهرًا بأنه يقرأ الجورنال، لكنّه فى واقع الأمر يراقب تحركات أحد الناس. 
 
من المهم أن يتم يقوم المجلس القومى لمكافحة الإرهاب والتطرف الذى أعلن عن تشكيله منذ فترة بمهامه فى مجال بناء قدرات المواطن ليشارك بصورة إيجابية فى مجال مكافحة الإرهاب بمعناها الواسع، وعلى نحو يعزز فكرة “المواطن المسئول” عن حماية أمن وسلامة المجتمع الذى يعيش فيه، والقادر على المشاركة فى تحقيق تلك الحماية والأمن.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg