المجلة



رحل الجسد وبقى البريق.. شادية.. قمر لا يغيب

29-11-2017 | 17:30
ماهر زهدي

 
المطربة الوحيدة فى تاريخ الفن العربى التى تساوت موهبتها فى الغناء والتمثيل 
 
محمد فوزى رسم لها صورة «الدلوعة الشقية» فى فيلم «العقل فى أجازة» 
 
لم تتعامل مع الجديد باعتباره موضة.. وكانت تسبق عصرها
 
عندما تقف مندهشا أمام شخص ما، متأملا فيما حباه الله به من ملكات خاصة.. تجد نفسك    تتساءل: ما السر وراء ذلك؟ وهل يمكن أن تجتمع كل هذه الملكات في شخص واحد؟!
مؤكد هناك خلطة سرية من الصعب أن تصل إلى مكوناتها، أو تحدد شيئا بعينه سببا لذلك.. بل ربما لا يعرف الشخص ذاته ذلك في نفسه، ولا سر الخلطة، وإلا لصنعها كثيرون لأنفسهم. فلا تملك إلا أن تقول: سبحان الله العظيم في خلقه!
«فتوش» أو «فاطمة»، واحدة من هؤلاء البشر، الذين وضع الله سبحانه وتعالى بداخلهم تلك «الخلطة السرية»، وقد بدأت مكونات الخلطة في الظهور شيئا فشيئا، حتى اكتملت العناصر وتكونت الشخصية، واتضحت معالمها عندما قدمها لنا القدر باسم «شادية».
لم تكن تلك الخلطة السرية فقط لتفوق شادية وتألقها، فى ذكائها أو مواهبها المتعددة، بل هي خلطة تشمل الجسد والروح والعقل والشكل معا، فضلا عن خفة الدم وسرعة البديهة والقبول، وزد على ذلك الإحساس وتفعيل كل الحواس، وقبل هذا وذاك، إرادة الله وتوفيقه.
من المؤكد أن فاطمة أحمد كمال الدين شاكر، المولودة في الثامن من فبراير عام 1931، لم تكن تدرك أن الله قد وضع بداخلها هذه الخلطة، عندما بدأت في سنوات طفولتها الأولى تلفت إليها أنظار الأهل والأقارب، ببعض من ملكات هذه الخلطة، كما أنها لم تلحظ ذلك في نفسها عندما بدأت نتائج الخلطة تظهر تدريجيا عليها، بل الأكثر دهشة، أنها ربما لم تدرك هي نفسها سر هذه الخلطة فيما بعد، ولا كيف تحققت نتائجها عليها بهذا الشكل المذهل!
تضافرت بداية شادية كمطربة مع بدايتها كممثلة لتصنع تلك الصورة التي لا تزال تعيش في أذهان ووجدان الناس حتى الآن، صورة الدلوعة الشقية، في الطريق الذي رسمه لها في البداية الفنان محمد فوزي بداية من فيلم «العقل في أجازة» في العام 1947 وأكمله الفنان منير مراد بخفة دم وشقاوة ألحانه، ثم أكمل الطريق كثير من الملحنين الذين عملت معهم فيما بعد عبر الرحلة الطويلة، التي سعت عبرها إلى كل ما هو جديد، والأهم أنها لم تتعامل مع الجديد باعتباره موضة، لكن بإصرار على أن تسبق عصرها بهذا الجديد، لدرجة أنها قدمت في العام 1968 فيلما يابانيا باسم «جريمة على ضفاف النيل» تقاسمت بطولته مع الممثل الياباني الشهير في ذلك الوقت يوشيرو إيشيهارا، وأخرجه ناجاجا وايوشي، حتى قيل عنها إنها المطربة الوحيدة في تاريخ الفن المصري والعربي، التي تساوت موهبتها في الغناء، مع موهبتها في التمثيل، فكانت الفنانة الوحيدة تقريبا التي عملت مع أكبر عدد من نجوم ونجمات السينما المصرية والعربية، بل مع أكبر عدد من المخرجين، على امتداد مشوارها، فضلا عن النجوم الذين كونت معهم ثنائيات فنية، وأبرزهم الفنان كمال الشناوي الذي قدمت معه ما يقرب من 30 فيلما، وصلاح ذو الفقار الذي قدمت معه العديد من الأفلام ربما أشهرها «عيون سهرانة» قبل زواجهما.. وأثناء زواجهما قدما معا أربعة أفلام هي:«أغلى من حياتي، مراتي مدير عام، عفريت مراتي، وكرامة زوجتي»، وغيرها من الأفلام، كما عملت أيضا مع محسن سرحان، عماد حمدي، شكري سرحان، رشدي أباظة، يحيى شاهين، محمود مرسي، فريد شوقي، حسن يوسف، عمر الشريف، أحمد مظهر، أنور وجدي، كما عملت مع إسماعيل ياسين وشكوكو اللذين شاركاها بطولة عدد كبير من الأفلام، وصولا إلى الفنان عادل إمام من الجيل التالي، كما شاركت البطولة لأغلب مطربي عصرها، ربما يأتي في مقدمتهم محمد فوزي الذي كان له فضل كبير في تقديمها سينمائيا وغنائيا، كما شاركت فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، وكارم محمود، وغيرهم، ومن النجوم العرب القدير الراحل نهاد قلعي والنجم الكبير دريد لحام، ليس هذا فحسب، بل شاركت أغلب نجمات السينما المصرية البطولة، بداية من فاتن حمامة، ومريم فخر الدين، ماجدة، وهند رستم، مرورا بمديحة يسري وليلى فوزي، وسعاد حسني، وصولا إلى الجيل التالي، نادية الجندي، سهير رمزي، ميرفت أمين، يسرا، إلهام شاهين، حياة قنديل، زهرة العلا، شويكار، لبنى عبد العزيز، سميحة أيوب، سناء جميل، وصولا إلى سهير البابلي، التي شاركتها بطولة أول و آخر مسرحية لها «ريا وسكينة» كما عملت مع الفنانات الكبيرات زينب صدقي، أمينة رزق، وفردوس محمد، في أدوار الأم لها، وعبد الوارث عسر وحسين رياض وسراج منير وسليمان نجيب، في أدوار الأب لها، لتكون قد شاركت أكبر عدد من فناني وفنانات مصر والعرب قديما وحديثا.. دون شروط أو قيود، أو كلمات من تلك التي نسمع عنها مثل «البطولة المطلقة» أو ترتيب الأسماء، أو كبرياء وعظمة النجوم، على الرغم من أنها تستحق كل كلمة وكل لقب من هذه الألقاب وبجدارة.  
كانت تكفي شادية نجومية واحدة، نجومية التمثيل، أو نجومية الغناء، أو النجومية الأكبر التي اكتسبتها بمرور الوقت، نجوميتها في قلوب أهلها والمحيطين بها كإنسانة، لكن هذا النوع الثالث ما كان ليأخذ حجمه من التأثير دون واحدة من النجوميتين الأخريين.. نجومية الغناء ونجومية التمثيل.. ما يؤكد أنها جمعت النجومية من جميع أطرافها لتكن في النهاية تلك هي.. شادية الفريدة في كل شيء.. 
أو «فتوش» بكل شقاوتها ودلعها وخفة دمها، والتي لم تفقد شيئا منها حتى قبيل دخولها في غيبوبة، على إثر إصابتها بـ»جلطة المخ» التي كانت سببا في غياب جسدها.. غير أن بريقها سيظل طويلا.. كحال كل نجوم السماء.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg