المجلة



سيناريوهات مظلمة للبلد الذى كان سعيدا.. «متاهة» اليمن بعد رحيل رجل المتناقضات

6-12-2017 | 22:53
أيمن سمير

 

ملء فراغ صالح وغياب الإرادة الدولية وعجز المبعوث الأممى تدعم تحول البلاد لقضية منسية
 
الاغتيال يعيد رسم المشهد اليمنى من جديد
 
قدرة قوات الرئيس هادي على الانتصار ودخول صنعاء في عملية «عروبة صنعاء» على المحك
 
حزب الإصلاح الإخوانى يدخر ميليشياته لمعركة خاصة برعاية قطر لإفشال التحالف
 
كيف ستشرق الشمس على اليمن بعد رحيل الرئيس السابق على عبد الله صالح، فخلال 39 عاماً لم ير ولم يشاهد اليمنيون إلا صالح فى صدارة المشهد اليمنى الذى كان دائماً مشهداً مأزوماً ومرتبكاً، ظل صالح رئيساً للبلاد 33 عاماً، وكان أكثر تأثيراً حتى فى السنوات التى خرج فيها من السلطة على ورق المبادرة الخليجية.
مقتل الرئيس اليمنى السابق على عبد الله صالح يرسم مشهدا شديد التعقيد لمستقبل اليمن بعد أن كان صالح الرقم الصعب، والعنوان الأبرز للأحداث فى اليمن طوال 39 عاماً منذ أن أصبح رئيساً عام 1978، فعدم اليقين والشك هما أوضح توصيف لبلد يعانى 70 % من الجوع والفقر، وتنتشر بينهم أمراض تجاوزتها البشرية مثل الكوليرا والإسهال، وتسيطر على نخبته السياسية أنانية القرار وكراهية المشاعر، مما مزق اليمن شمالا وجنوباً، فما مستقبل اليمن فى ظل هذه التطورات؟ وهل بات دخول صنعاء بالقوة هو الحل الأخير؟ وهل مقتل صالح يوحد اليمنيين ضد الحوثى؟ أم يعزز سيطرة الحوثيين الكاملة على شمال اليمن؟ وإلى أى مدى باتت روح الانتقام، والانتقام المتبادل كأنه إستراتيجية الجميع فى البلد الذى كان سعيداً؟
حتى اللحظة لا يبدو أن هناك سياسة متفقا عليها بين اليمنيين للخروج من الأزمة، فهناك من يقول كفانا حروبا ولا بد من حلول سياسية تستند للمرجعيات السياسية الثلاث وهى المبادرة الخليجية عام 2012، ومخرجات الحوار الوطنى، والقرار 2216، لكن هذه المرجعيات ترفضها أطراف فى الشمال والجنوب، ولا تستطيع الأمم المتحدة أن تنفذ القرار 2216 برغم أنه صدر بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وفشل كل المحاولات التفاوضية فى جنيف والكويت.
 
عسكرة الحلول
فى ظل هذا المشهد يبدو أن الخيار العسكرى هو الخيار المفضل لدى جزء من النخبة السياسية التى تحيط بالرئيس عبد ربه منصور هادى، وهو ما دفع هادى للإعلان عن عملية  «عروبة صنعاء» وإرسال 7 ألوية لتحرير العاصمة من جبهتى «خولان» و»نهم»، لكن هناك من يشكك فى نجاح هذا السيناريو باعتبار قوات الرئيس هادى فشلت من الاقتراب من صنعاء برغم وجود بعض القوات التابعة له فى مرتفعات نهم، وكل خبراء الإستراتيجية العسكرية يؤكدون أنه لا يوجد قرار حقيقى لدخول صنعاء بالقوة لأن الدخول لصنعاء يبدأ بفك الحصار عن تعز ثم السيطرة على الحديدة ومنها لصنعاء، ووفق هؤلاء لا يمكن دخول صنعاء من نهم، كما أن «ثنائية» الولاء للقبائل - بمعنى قبائل تعمل مع الطرفين - تجعل أى محاولة لدخول صنعاء بالقوة يمكن أن تتحول «لمجازر» فى ظل عدم وجود يقين لدى قوات الشرعية أن هذه القبائل ستقاتل بجوار الرئيس هادى حال قراره دخول صنعاء بالقوة، يضاف إلى ذلك تأكيد الجميع فى اليمن أن وجود حزب التجمع اليمنى للإصلاح «الإخوان» عامل ضعف فى قوات هادي، وأن الإخوان يدخرون عناصرهم لمعركة خاصة بهم ولا يقدموا أى دعم فى الوقت الحالى لقوات هادي، خصوصا فى ظل أزمة قطر مع الرباعى العربي، وتأكيد قطر بشكل يومى أنها الراعى لمصالح إخوان اليمن بعد خروجها من التحالف العربي، وهو ما يضعف الإرادة السياسية، والعزيمة الإستراتيجية لعناصر وقيادات هادى على الأرض.
 منذ أغسطس 1982 كان حزب المؤتمر الشعبى العام الذى أسسه الرئيس صالح هو الرافعة السياسية فى اليمن، وعندما قام على عبد الله صالح بتوحيد اليمن عام 1990 انسلخ الإخوان من الحزب، لكنهم عادوا وتحالفوا مع صالح عام 1993 حتى 1997، وحال حصل صالح على الأغلبية الانتخابية عام 1997 شكل صالح كل الحكومات التى حكمت اليمن حتى عام 2011 بالتعاون مع الحزب الاشتراكى الجنوبى، وبعد 2011 شارك حزب المؤتمر الشعبى العام مع أحزاب اللقاء المشترك فى حكم اليمن، لكن الحزب تعرض للتقسيم بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء فى 21 سبتمبر 2014، فذهب جزء مع الرئيس هادي، وبقى الجزء الأخير مع صالح، والآن بعد مقتل صالح الذى أسس الحزب وظل رئيساً له حتى بعد خروجه من الحكم عام 2012 بموجب المبادرة الخليجية التى وفرت له الحصانة الدبلوماسية وبقاءه زعيماً لحزب المؤتمر، يعيش الحزب مرحلة مفصلية بعد غياب الرئيس التاريخى، وتحتاج عملية تأهيل الحزب، وضبط مساره إلى قيادة تستطيع ملء الفراغ الذى تركه صالح، وأكبر تحد الآن لتوحيد الحزب هو أن الجناح الموالى للرئيس هادى يرفض فكرة «التوريث» وتعيين أحمد على عبد الله صالح نجل الرئيس الراحل الذى كان ينظر له دائماً باعتباره خليفة والده، يضاف لذلك أن هذا الأمر ليس سهلاً فى ظل استهداف الحوثيين لرأس الحزب ممثلاً فى الرئيس صالح ومن معه وأبرزهم عارف الزوكا الأمين العام للحزب الذى لقى مصرعه أيضاً مع صالح.
يضاف لكل ذلك مقتل وغياب أغلب قادة وكوادر الحزب، وغياب الآخرين خارج اليمن إما فى القاهرة أو عمّان، كما أن الحوثيين سيطروا على كل الاذرع الإعلامية للحزب، ومنها قناة اليمن اليوم، وكل المواقع والصحف التابعة لصالح وحزب المؤتمر الشعبى العام مما يصعب من عملية قيام الحزب من كبوته بسرعة.
 
سيناريوهات المستقبل
السيناريو الأول يقوم على أن انفصال الجنوب بات قريباً للغاية لأن صالح كان عنوانا للوحدة التى فرضها بالقوة على الجنوب منذ عام 1991، كما أن الاستقرار النسبى للجنوب ووجود مؤسسات منذ أيام الاحتلال الإنجليزى، وسعى الحراك الجنوبى بقيادة عيدروس الزبيدى لفصل الجنوب، وهو الأمر المدعوم من القيادات السياسية التاريخية للجنوب، وأن فقط الاختلاف بين الزبيدى وبعض زعماء الجنوب ليس على مبدأ الانفصال بقدر ما هو حول الآليات، فالزبيدى يرى اللحظة الراهنة سانحة للانفصال، بينما ترى قيادات أخرى أن سيناريو «نيفاشا» لانفصال جنوب السودان هو الأفضل، ويقوم هذا المقترح على فترة انتقالية محددة زمنياً، وبعدها يكون الاستفتاء على الانفصال أو الوحدة.
السيناريو الثانى يرتكز على تقسيم اليمن إلى 6 دول بموجب مخرجات الحوار الوطنى الذى دعت لتشكيل 6 أقاليم فى اليمن، 4 منها فى الشمال، و2 فى الجنوب، وظهر هذا فى بعض محاولات الاستقلال حالياً فى مأرب الغنية بالنفط، وفى حضرموت، وغيرها، لكن هذا السيناريو لن يجد الاعتراف والقبول الإقليمى والدولى فى المدى القريب وربما المتوسط.
 
الحروب الصغيرة
سيناريو الحروب القصيرة الذى يرتكز على طول أمد الصراع، ودخول عناصر جديدة فى الحرب اعتماداً على استفادة أمراء الحرب من هذا الوضع، وهو ما يحول الصراع الذى كان قائما حتى مقتل صالح بين الشرعية والتحالف من ناحية، وقوات صالح – الحوثى، يمكن أن يتحول هذا الوضع إلى حروب صغيرة داخل صنعاء أو خارجها لغياب الكاريزما فى حزب صالح، وطول فترة غياب الدولة المركزية، ورغبة البعض وأبناء صالح للانتقام لزعيمهم من منطلق الانتقام وليس من منطلق بناء دولة مؤسسات.
 السيناريو المثالى أن يوحد مقتل صالح الشعب اليمنى على الأقل فى الشمال، حيث يمكن أن يتوحد جناحا حزب المؤتمر الشعبى العام خلف الرئيس هادي، ويصطف كل اليمنيين ضد الحوثى الذى كشف مقتل صالح أن التحالف معه لا يحقق المصالح أو حتى الأمان الشخصى، ويدعم هذا السيناريو أن صالح ينتمى لقبائل حاشد، ثانى أكبر قبائل اليمن التى تضم 4 ملايين نسمة، وتشارك بأكثر من 300 ألف مقاتل سواء فى الجيش اليمنى أو الحرس الجمهورى، وأن تعاون هؤلاء مع الجيش الوطنى القريب فى مأرب قد يزلزل الأرض تحت أقدام الحوثيين فى قلب صنعاء وعمران وصعده، وهى مناطق نفوذ الحوثى، لكن هذا السيناريو يحتاج سرعة تحرك من الرئيس هادى وقيادات حزب المؤتمر الشعبى العام، والقيادات القبائلية قبل أن ينجح الحوثى فى فرض «معادلته للصراع» والتى يحاول فيها الحوثى الادعاء بتمسكه بالجمهورية وسعيه للتعاون مع حزب المؤتمر، والادعاء أن مشاكله كانت فقط مع صالح ومن يحيطون به، وتدعم هذا السيناريو أيضاً دعوة الرئيس عبد ربه منصور هادى الجميع للاصطفاف حول الشرعية فى إطار ذلك، داعيا جميع اليمنيين إلى الانتفاض ضد الحوثيين المتحالفين مع إيران، مطالبا بفتح صفحة جديدة فى القتال ضد هذه الميليشيات التى تحالفت مع الرئيس السابق قبل أن ينقلب عليهم، داعيا إلى مساندة التحالف العربى الذى يحارب الإرهاب على الأراضى اليمنية.
 
التحدى الأكبر
ويعد غياب الإرادة الدولية، وعدم السعى لإيجاد حل سياسى للأزمة فى اليمن، أبرز التحديات التى تواجه اليمن، فالحل فى اليمن كما يقول الجمع «ليس يمنياً»، وأنه حال توفر الإرادة السياسية الدولية لحل أزمة اليمن يمكن أن تحل الأزمة فى أقل من ساعة، ويعزز هذا التحدى أن الأمم المتحدة لم تقدم أفكارا جديدة للحل منذ فشل مبادرة كيرى، وعدم قدرة المبعوث الدولى على خلق أرضية سياسية بين الفرقاء اليمنيين.
 ووفق المعلومات القادمة من صنعاء، فإن عملية اغتيال صالح تمت بعد أن انتشر مسلحو الميليشيات الحوثية فى أرجاء العاصمة اليمنية صنعاء، مزودين بأسلحة ثقيلة ومتوسطة، أخرجوها من مخابئ سرية كانوا قد احتفظوا بها عند سيطرتهم على صنعاء فى سبتمبر عام 2014، بينما طوقوا محيط منزل صالح ومقراته وقياديى حزبه وأماكن وجودهم، تخطيطا لاستهدافهم، وبعد أن فجر الحوثيون منزل صالح، تأكدوا أنه ليس فى المنزل بعد تفتيشه ونهبه، ما اضطر صالح للهرب إلى مسقط رأسه فى مأرب، ولذلك اجتمع صالح مع مقربين منه وأعضاء فى حزبه فى شارع الستين بالعاصمة لبحث الخروج من الحصار.
على إثر ذلك قرر صالح التوجه مع قياديى حزبه إلى بلدة سنحان، مسقط رأسه، التى تبعد 40 كيلو مترا جنوب شرق صنعاء، عن طريق مخرج سرى من القصر، غير أن الحوثيين علموا بالأمر، ما يشير إلى خيانة تعرض لها صالح، وأن هناك عنصرا استخباراتياً تابعا للحوثى فى الدوائر المقربة منه.
ولذلك ولأسباب أخرى نجحت الميليشيات الحوثية فى تطويق موكبه، واندلعت اشتباكات لفك الحصار قُتل فيها عدد من حراسه وأيضاً قياديون من حزب المؤتمر، وفى أثناء محاولة صالح وعدد من مساعديه، من ضمنهم نجل شقيقه طارق الذى يقود القوات المكلفة بحراسته، وطاردته قافلة عسكرية من الميليشيات نحو 20 سيارة، ونجحت فى إيقاف سيارته ذات الدفع الرباعى، وأنزلته من السيارة وأعدمته بإطلاق الرصاص على رأسه ففارق على إثرها الحياة فورا، بعدها قتل الحوثيون عارف الزوكا، أمين عام حزب المؤتمر الشعبى العام بعد نقله لمستشفى صنعاء بوقت قصير، وذلك بعد أن استوقفوه أيضا وأنزلوه من المدرعة التى كان يستقلها وأطلقوا عليه النار حتى فارق الحياة.
 
انتقام متبادل
أحمد نجل , على عبد الله صالح، قال: إن دماء والده ستكون جحيمًا يرتد على أذناب إيران، مؤكدا أن عملاء إيران عاثوا فسادا فى اليمن، وأضاف أحمد الموجود فى الإمارات «سأقود المعركة حتى طرد آخر حوثى من اليمن، دماء والدى ستكون جحيما يرتد على أذناب إيران» ودعا مؤيدى والده إلى «استكمال معركة الوطن ضد الحوثى».
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg