رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 12 ديسمبر 2017

المجلة



من رمسيس حتى «اللورد كرومر».. مصر على جناحى نجيب محفوظ

7-12-2017 | 23:15
مصطفى عبادة

التاريخ الاجتماعى والسياسى لفترة الأربعينيات وقر فى قلب نجيب محفوظ، فتتابعت رواياته التى ترصد وتحلل 

ظلت ثورة 1919، هى الثورة الأم بالنسبة لنجيب محفوظ، وخصص لها عمله الكبير «الثلاثية» ولا يرى فى مصر زعماء غير سعد زغلول ومصطفى النحاس 
 
إنتاج الأديب، ليس انعكاسا ميكانيكيا، لقضايا عصره، إلا لو كنت تؤمن بالنظرية الماركسية فى الأدب، وأن الواقع هو الذى ينتج الأفكار، إن صح هذا القول، فإن الصحيح أيضا، أن قضايا العصر، تترسب فى وجدان الكاتب، وتخرج تلقائيا فى عمله الأدبى، وفى الرواية تحديدا، يمكن اعتبار هذا الأمر لازما، لزوم الوضوء للصلاة، وإذا كان الكلام عن نجيب محفوظ، فإننا نتحدث عن قرن كامل من عمر مصر، وجد تجليه فى إنتاج الرجل، بحيث يمكن أن نقول باطمئنان بال، إن نجيب محفوظ، استطاع أن يقبض على روح مصر، ويخرجها، صحيحة أو مريضة، متقدمة أو متراجعة، وقد ضَفَّر هذه الروح، بثقافته الفلسفية فى الأعمال الروائية، فبدا كما لو أنه طائر يحمل مصر على جناحيه، لا تغادره ولا يغادرها. 
 
سأروى لك حكاية بسيطة، ذكرها نجيب لجمال الغيطانى، فقد كانت أم نجيب محفوظ، تصحبه عصر كل خميس إلى الأهرامات، وهناك تجلس هى، تتأمل أهرام مصر، ونجيب يلعب حولها، وكثيرا ما رآها تدمع لطول تأملها الهرم، ويفسر هو هذا الارتباط، بأن أمه كانت من بين بناة الأهرامات، وأن روحها تناسخت فى العصر الحديث مع هذه الهيئة الجديدة، فهى دائمة الحنين إلى تلك الأيام، والهرم حزء من تكوينها، لكن الحكاية لا تنتهى هنا، فبعد خمسة أيام من نقل تمثال رمسيس من موقعه الشهر أمام محطة باب الحديد، فى ميدان رمسيس فى 25 أغسطس 2006، بعد خمسة أيام فقط، توفى نجيب محفوظ فى 30 أغسطس 2006، وكان اختفاء التمثال من ذاكرة المصريين إلى الأبد، بوضعه فى متحف ميت رهينة، بين الجدران، قرينا، بغياب جسد محفوظ، وكلاهما علم فى مسيرة أمته، فالتمثال الذى تم اكتشافه عام 1820م على يد جويفانى باتيستا كافيليا، وفى شهر مارس من عام 1955، أمر الرئيس جمال عبدالناصر بوضع التمثال فى ميدان باب الحديد، وأعيدت تسمية الميدان باسم رمسيس، بعد أن كان ميدان باب الحديد، فى إشارة واضحة إلى الروح الجديدة فى مصر، الروح القومية التى كان العهد الناصرى إحدى علاماتها الكبرى، ذهب التمثال من الذاكرة، واختفى نجيب محفوظ، رمسيس كان علامة انتصار مصر على القبائل، وترسيخ حدود مصر الإقليمية، وأمنها القومى، فى وقت مبكر، ونجيب محفوظ، وضع الأدب المصرى فى قلب العالمية، بجائزة نوبل فى 25 أكتوبر 1988.
 
والحكاية أيضا لم تنته هنا، أو عند هذا الحد:
فرمسيس حارب الحيثيين فى معركة قادش الثانية فى العام الرابع من حكمه 1274 ق.م، وهم مجموعة من القبائل الرعوية، ونجيب محفوظ طعنه متطرف ينتمى إلى ثقافة القبيلة، حتى إن كان الإسلام شعارها، وتباهى بعد طعنه بأنه لم يقرأ له حرفا، رمسيس حارب تطرف الحيثيين، ومصر كانت فى قلب الإرهاب فى التسعينيات، وكان لا بد أن تصيب شظايا الحرب، ابن مصر المعبر عنها نجيب محفوظ، خرج رمسيس كالعنقاء من قلب المصريين وخط مجدها على مدى قرن كامل، وخرج نجيب محفوظ بعد الطعنة، ليكتب أعذب نصوصه «أحلام فترة النقاهة، وأصداء السيرة الذاتية»، ليضع القوس الثانى لنهاية قرن فى عمر مصر، ملأه بالإبداع والحضور  والجوائز.
 
والحكاية لم تنته عند هذا الحد، بل فيها تفاصيل أخرى أكثر تشويقا وجمالا، وقصدا:
 
ففى الثلاثينيات من القرن العشرين، ماجت مصر بالآراء حول انتماء مصر الجغرافى والحضارى، بين قائل بعروبتها، ومناد بشرق أوسطيتها، كطه حسين فى كتاب «مستقبل الثقافة فى مصر» حين قال: «إن العقل المصرى منذ عصوره الأولى، عقل وإن تأثر بشىء فإنما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط، وإن تبادل المنافع على اختلافها، فإنما يتبادلها مع شعوب البحر الأبيض المتوسط التى عاشت حول بحر الروم»، وبين من قال بفرعونية مصر، ولقيت الدعوة إلى الفرعونية صدى واسعا، على مستوى النخبة، لكن محفوظ، ترك النقاش دائرا، والمعركة محتدمة، لا غالب فيها ولا مغلوب، ولم يصبح صاحب أى فكرة ذا أغلبية بين المصريين، وظل النقاش يدور فى الأعلى، وهنا كان نجيب محفوظ، يتوجه إلى العمق، إلى الجماهير، فنقل المعركة إلى أرضها «أرض الجماهير»، حين أخرج روايته الفرعونية الأولى «عبث الأقدار» عام 1939، ثم أتبعها رادوبيس عام 1943، وختمها بـ «كفاح طيبة»، عام 1944، عقد كامل خصصه محفوظ لرأيه فى المعركة، دون أن يشترك فى نخبويتها، ثلاث روايات قال بها رأيه، مع فرعونية مصر، استفزت المعركة حول «هوية مصر»، الأديب محفوظ، فانحاز وذكر ووضع العصور الفرعونية، فى قلب الوجدان المصرى، قصص الحب لدى الفراعنة، وقسوة الأقدار والكفاح ضد الأعداء، الذى استغرق أغلب العصر الفرعونى، وكنا وقت كتابة «كفاح طيبة»، نرزح تحت الاحتلال البريطانى، وهى مع رادوبيس، وعبث الأقدار، تستلهم التاريخ الفرعونى، وتأثر فيها بالتيار الفرعونى، الذى اتجه إليه كثير من المصريين، فى ذلك الوقت كرد فعل، للنفوذ البريطانى، وكانت «كفاح طيبة»، تتناول كفاح الشعب المصرى ضد احتلال الهكسوس، وكأنما نجيب محفوظ يذكر بذلك الشعب المصرى بما فعله أجدادهم من قبل مع احتلال مماثل، وكان هذا هو موقف الرجل من الاحتلال البريطانى.
 
ولا تنس فى هذا السياق أن أول كتاب، والوحيد، الذى ترجمه نجيب محفوظ كان عنوانه «مصر القديمة» للمؤلف جيمس بيكى، سنة 1932م، وكان فى السنة الأولى من كلية الآداب، وهو كتاب يتحدث عن تاريخ مصر الفرعونى فى لمحات بسيطة تناولت وصفا للعاصمة طيبة، والمعابد والمقابر، وطريقة الاعتناء بالأطفال، وبعض المعارك، ورغبة الأمراء والتجار فى تسجيل كل ما يقومون به، بنقشه على المعابد، فعل ذلك نجيب محفوظ، فى وجه الاحتلال البريطانى، فبعد ثمانى سنوات من ميلاد نجيب محفوظ، اشتعلت ثورة 1919، وكان نجيب الطفل قد وقع على توكيل لسعد زغلول، ويروى الحكاية لإبراهيم عبد العزيز فى مذكراته «أنا نجيب محفوظ».
 
يقول نجيب محفوظ: أغلى ذكرياتى هى أيام الثورة الوطنية، ثورة 1919، كنت صغيرا فى الثامنة من العمر، وكنت قد سمعت أن الأمة تجمع توقيعات الناس، لتأكيد أن الوفد المصرى يحمل الصلاحية لتمثيل البلاد فى مؤتمر الصلح، وجاء والدى يحمل أوراقا، عليها توقيعات كثيرة، آخرها توقيعه هو، وقال لى: وقع باسمك، ولكن لم أكن قد أتقنت كتابة اسمى، تركنى أبى قليلا، ثم نادى على أمى وبصمت بنفسها، وبعد أمى جلست أكتب اسمى، ولم أكن قد تمكنت من رسمه بعد، جربت مرارا فى ورقة أخرى، ولكن ظل اسم إبراهيم وهو اسم جدى مشكلة وأخيرا وقعت بدون إبراهيم، وذهبت أمى بالتوكيل، وعادت وقد بصمت كل سيدات الحى، كان والدى يحبنى جدا، وكان يعاملنى بحنان ولطف، كان ديمقراطيا فى تعامله معنا، وأتذكر أنه لم يضربنى إلا مرة واحدة، عندما كنا نقيم فى بيت القاضى، وكان البيت مطلا على الميدان، الذى كان يوجد فيه عساكر إنجليز، وكانت تعليمات والدى عدم فتح النوافذ المطلة على الميدان، لأن الإنجليز كانوا يخافون من النوافذ المفتوحة، معتقدين أن الناس سيطلقون النار عليهم منها، وانتهزت يوما فرصة انشغال والدتى، وفتحت النافذة حتى أشاهد العساكر الإنجليز، وأقلد حركاتهم وأصواتهم وهم يغيرون الطابور العسكرى، ووجدت والدى فجأة فوق رأسى، وكله غضب، جذبنى إلى الوراء، وأغلق النافذة، ثم طرحنى أرضا، وأمسكت والدتى بقدمى ورفعتهما إلى أعلى، وظل والدى يضربنى على باطن قدمى حتى تورمتا، والحكاية لم تنته بعد، مصر تثور، ونجيب يكتب: ظلت ثورة 1919، هى الثورة الأم بالنسبة لنجيب محفوظ، وخصص لها عمله الكبير «الثلاثية» ولا يرى فى مصر زعماء غير سعد زغلول، ومصطفى النحاس، حتى إنه كان يخاطبهما فى مقالاته التى ينشرها فى الأهرام بـ «يا زعيمى»، وله معهما ذكريات، وظل يكن لأم المصريين «صفية زغلول»، حبا جما، ويتحدث عنها فى كل مناسبة، لأنها ضمدت جراحه كما
 
يقول:«مرة كنت فى إحدى المظاهرات، والتقينا برجال البوليس فى شارع قصر العينى فطاردونا، وجريت وجرى ورائى عسكرى سوارية بحصانه، وظللت أجرى فى شارع سعد زغلول، حتى وصلت إلى «بيت الأمة»، فقفزت فوق السور، وفى اللحظة التى كنت أهوى فيها داخل الحديقة، كان العسكرى قد لحق بساقى وأمسكها، ووقعت فى أرض الحديقة، بعد أن انخلعت فردة حذائى فى يد العسكرى، و استقبلتنى صفية زغلول «أم المصريين»، فضمدت جراحى، وقدمت لى كوبا من الشربات «فى رواية أخرى كان كوبا من الليمون، حين حكى الحكاية نفسها فى إحدى جلسات الحرافيش)، ثم انضممت إلى جيش من الجرحى يتمددون فى ردهة البيت وجراچاته لأسترد أنفاسى.
 
مصر الأربعينيات فوانيس الحرية والنضال
 
نجحت ثورة 1919، برغم نفى سعد زغلول ورفاقه، وظل وجدان محفوظ مرتبطا بتلك الثورة، الحياة السياسية تمور وتشتعل فى مصر، دستور 1923، ودار المندوب السامى، والوفد يقود الشارع، ويسيطر عليه، ولطفى السيد يكتب حول الدستور، ومصر المدنية، يؤسس تيارا عميق الثقافة فى الحرية والنضال، ارتبط كل ذلك بحركة فكرية عارمة، طه حسين فى الشعر الجاهلى، وعلى عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، والعقاد، يعيب فى الذات الملكية، ويسجن، سلامة موسى يزلزل الأرض بالاشتراكية الفابية، ونظرية التطور، ورسائل إلى الشباب، ينادى بالحرية الجنسية، وحرية المرأة، مات محمد عبده وتحرك تلميذه النجيب قاسم أمين، ليكتب «تحرير المرأة»، و«المرأة الجديدة»، ونجيب قد تجاوز العشرين، طالبا فى كلية الآداب، قسم الفلسفة طبعا، العقل الذى استوعب هذا الجدل المدار، لكنه يختار من بين كل هؤلاء ومن بين كل ذلك، سلامة موسى، ليكون الأقرب إلى قلبه، من ناحية أخرى كان العقاد يخوض معركة شرسة ضد أحمد شوقى، وشعره التقليدى، كما يرى، ليكتب هو شعرا أكثر تقليدية، وجبران خليل جبران، وإبراهيم ناجى، والاتجاه الرومانسى، وحافظ إبراهيم، رئيسا لدار الكتب، وجلساته فىمقاهى باب الخلق مع عبد الحميد الديب، وظهور الشعر الفكاهى والزجلى، ومحاكاة المعلقات زجلا وسخرية، مصر التى تضىء بملايين الفوانيس الثقافية والفكرية، تمضى نحو الاستقلال والحرية، والانفصال من الخلافة التى سقطت فى 1922، نتيجة حتمية لنهاية الحرب العالمية الأولى، حرب أوروبا الداخلية ، والأصح أنها الحرب الأوروبية الأولى، وليست العالمية، فلا وجه لعالميتها، إلا لأن أوروبا ترى نفسها هى العالم، وما عداها هباء لا وجود له، وحرب عالمية ثانية، ومصر لا تزال فى عهدة الإنجليز ملايين التفاصيل والأسماء، والأحداث، حتى اتفاقية 1936، التى تقضى بجلاء الإنجليز، وصعود إسماعيل صدقى لرئاسة الوزراء، لقمع مظاهرات الطلبة والعمال، بعد فشل المعاهدة، عامان مهمان فى مسيرة شغلاها طوال القرن العشرين عام 1926، عام تأسيس الحزب الشيوعى المصرى، وهنرى كوريبل، وعام 1928 بتأسيس جاعة الإخوان المسلمين، وظهور حسن البنا على المسرح أضيف التياران إلى الاتجاه الليبرالى، والقومى والفرعونى، لتظل مصر منقسمة على نفسها، لكن بحيوية، هذا الصراع الفوقى، ترك المجتمع بعماله وفلاحيه وطلبته، نهبا للفقر والحفاء، كيف كان يمكننا أن نلم بكل ذلك، لولا أن الفتى محفوظ الذى تشرب كل ذلك، كتب لنا «الثلاثية»: «قصر الشوق، بين القصرين، السكرية» مصر المنقسمة هى السيد أحمد عبد الجواد، المنشطر على ذاته، فحلا مع العوالم، سكيرا، عربيدا، طاغية كصدقى، فى منزله، صدقى والسيد أحمد عبد الجواد، كلاهما دخل التاريخ المصرى السياسى والوجدانى، صحيح أن الثلاثية ظهرت بعد منتصف الأربعينيات من القرن العشرين، لكنها كانت تؤرخ لكل ذلك، الصراع الإخوانى الشيوعى، فى الثلاثية، والاتجاهات العلمانية، كان تعاطف محفوظ مع أحمد شوكت اليسارى، أكبر من تعاطفه مع أخيه عبد المنعم شوكت الإخوانى الأصولى، لكنه تنبأ بنهاية الاثنين الشيوعى عقيم لا ينجب، لا امتداد له، لأن الشيوعية كما يقول فى أحد مقالاته لاحقا، تلبى الجانب المادى فى حياة الإنسان، وتغفل الجانب الروحى والاعتقادى، بينما عبدالمنعم صاحب ذرية واسعة، امتداده طويل ومستمر، وهو ما جرى حتى وصل أحفاده إلى الحكم.
 
عموما، مصر النخبة المناضلة، وأبناء ثورة 1919 فى التحامهم الشعبى، وخروج السيدات للمرة الأولى فى المظاهرات، تجلت فى ثلاثية الأستاذ، بينما مصر المجتمع، المطحون الرازح فى الفقر والحفاء، سيظهر فى العديد من الروايات الأخرى، يقول محفوظ: الواقع أننى انتهيت من كتابة الثلاثية فى إبريل عام 1952، أى قبل الثورة بأقل من ثلاثة أشهر، وكانت سلسلة كتبى محاولات لتحليل المجتمع القديم ونقده، فلما انهار ذلك المجتمع، وجدت نفسى فى موقف من يبحث عن قيم جديدة يستلهمها من عمله، فالفن بعد الثورة، أى ثورة، يجب أن يتغير عما كان قبلها، ولو أننى واصلت نقد المجتمع القديم، كما يفعل بعض الزملاء، لكررت نفسى، ولكررتها أيضا بلا حماس. 
 
المجتمع المصرى فى الأربعينيات، بفقره وعوزه، انحلال الملك ونزواته، سيظهر فى «القاهرة الجديدة» 1945.
 
وخان الخليلى 1946، وزقاق المدق 1947، التى شرح فيها محفوظ المجتمع بكل جوانبه، رصد أمراضه الاجتماعية وتحلله، وكان لا بد أن يتجه إلى علم النفس، ليلقى ضوءا جديدا، على ذلك الواقع، خصوصا مشكلاته الجنسية متأثرا بشيوع علم النفس فى تلك الفترة، فكتب «السراب» عام 1948، أى انتقل نجيب محفوظ، من رصد الأمراض الخارجية إلى الأمراض الداخلية، وتعد السراب أول رواية فى الأدب العربى تقوم على أساس «سيكولوجى»، كما يرصد يوسف الشارونى فى كتابه «رحلة عمر مع نجيب محفوظ»، فهى تقيم بناء سيكولوجيا متماسكا، معبرة بذلك عن مدى وعى مجتمعنا بالأمراض النفسية والانحرافات الجنسية، واقترب بها محفوظ خطوة من روح العصر، لا سيما ما يعانيه أفراد الطبقة الوسطى من مشاكل وانحرافات، كانت الرواية تمثل الظهور الأول لعقدة «أوديب» فى الأدب العربى، فعلاقة كامل رؤبة لاظ بأمه علاقة مرضية، دمرت حياته، فلم يأنس لامرأة غيرها. باستثناء الخادمة الدميمة، التى ستشكل علاقته بالمرأة بعد ذلك، فلا يعشق غير الدميمات: «كأنى مولع بعشق الدمامة والقذارة، إذا طالعت وجها ناضرا مشرقا يقطر نورا وبهاء، ملكنى الإعجاب وبردت حيوانيتى، وإذا صادفنى وجه دميم ذو صحة وعافية أثارنى وتملكنى وأتخذه زادا لأحلام الوحدة وعبثها».
 
أما أمه فيقول عنها: كانت أمى وحياتى شيئا واحدا، وقد ختمت حياة أمى فى هذه الدنيا، لكنها لا تزال كامنة فى أعماق حياتى، مستمرة باستمرارها، لا أكاد أذكر وجها من وجوه حياتى حتى يتراءى لى وجهها الجميل الحنون، فهى دائما وأبدا وراء آمالى وآلامى، وراء حبى وكراهيتى، أسعدتنى فوق ما أطمع، وأشقتنى فوق ما أتصور، وكأنى لم أحب أكثر منها وكأنما لم أكره أكثر منها، فهى حياتى جميعا.
 
وليس من قبيل المصادفة أن نجيب محفوظ، كان فى هذه الفترة قد بدأ فى كتابة سلسلة من المقالات عن فلسفات عصره كلها، ووقف أمامها جميعا شارحا ومحللا، وقد اعتنى بشكل خاص بالفلسفة الطبيعية، وعلم النفس، فكانت روايته «السراب» تعبيرا عن عصر كامل انتهى بقيام ثورة يوليو.
 
هدأت مصر قليلا، لتصحو صباح 23 يوليو 1952، على ثورة الضباط الأحرار، خرج الشارع مؤيدا ومؤازرا، ستنقلب الآية بعد تسعة وأربعين عاما، يخرج الشارع، ليستدعى الجيش، بين التاريخين مرت لحظات فاصلة، وطويلة فى تاريخ مصر، عزل محمد نجيب، ووضعه قيد الإقامة الجبرية، ظهور عبد الناصر، كبطل مصرى جديد، تأميم قناة السويس، وصدامه مع الشيوعيين، وسجنهم وتعذيبهم، والعدوان الثلاثى على مصر، فرنسا وإسرائيل و إنجلترا، انتصار مصر، وترسيخ قدم عبد الناصر كحاكم قوى جديد، التحالف مع الاتحاد السوفيتى والخبراء الروس، تجديد الجيش و تدريبه، البدء فى إنشاء السد العالى، مشروع القرن العشرين فى مصر، صعود نجم عبد الرحمن الأبنودى، وأحمد فؤاد نجم، وسيد حجاب، والشيخ إمام عيسى، نكسة 1967 ومأساة صلاح جاهين، على اسم مصر : «العلم فوق فى الشمال ياللا الحقوه يا ولاد، لحقوه ولاد من ولاد الأغنيا الأسياد، وهما راجعين رموه من الباخرة فى البحر، ونزلوا حكموا فى ظل الإنجليز والقصر، ومصر فى الشمس بتغربل كلام منعاد، عن ابن بنت ابن حنت، وطارق بن زياد، علا عبد الحليم حافظ على أطلال فريد الأطرش، ومنير مراد، وليلى مراد، كتاب أغان جدد: محمد حمزة، وعبد الرحمن الأبنودى، الكورس الذى غنى للنكسة: «عدى النهار/ والمغربية جايه تتخفى ورا ضهر الشجر/ وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها/ جاها نهار مقدرش يدفع مهرها/ يا هل ترا الليل الحزين/ أبو الغناوى المجروحين/ راح يقدر ينسيها النهار/ أبو شمس بترش الحنين/ أبدا.
 
حرب الاستنزاف، بطولات المصريين الفردية، موقعة كبريت، العمل خلف خطوط العدو، ترحيل مواطنى مدن القناة، مصر العفية تمر بوعكة لم تدم طويلا، توحد الكورال، لعبور خط بارليف، فى حرب 1973، نقطة العرب المضيئة فى نصف القرن العشرين الثانى، عودة الروح، والله وعملوها الرجالة، مجهود أم كلثوم، أيقونة نجيب محفوظ الأثيرة، فى جمع التبرعات للمجهود الحربى، أتت ثمارها، ومحمد عبدالوهاب تخلص من تطريبه التركى، ليدخل مجال الأغية الحديثة، لمصر الحديثة، موت عبد الناصر، المفاجئ قبل الحرب بقليل، وقيادة السادات للحرب، بعد قليل، سيكتب نجيب محفوظ رواية أمام العرش 1983 بعد عشر سنوات من حرب أكتوبر، ليحاكم الزعماء نجيب وناصر والسادات، فعبد الناصر القائد العسكرى، ليس له إنجاز عسكرى واحد، و السادات» الزى زى هتلر، والفعل فعل شارلى شابلن، فى مفارقة غريبة، لأن نجيب محفوظ، كان يؤيد السادات، فى فعلته التى هزمت السلاح فى مصر، أى زيارته إلى القدس، ومعاهدة السلام، ومقاطعة العرب لمصر، ونقل مقر الجامعة العربية، ودول الرفض، إحياء جماعة الإخوان بعد حلها أيام ناصر، ورواية «الباقى من الزمن ساعة» لنجيب محفوظ، التى نشرها عام 1982، لتدخل مصر عصر حسنى مبارك مثقلة بتاريخ باهظ.
 
ذلك التاريخ الاجتماعى والسياسى، وقر فى قلب نجيب محفوظ، فتتابعت رواياته التى ترصد وتحلل «اللص والكلاب» 1961، يستلهم فيها حادثة السفاح محمود سليمان، لينقلها من الخاص إلى العام، سعيد مهران، ورءوف علوان، نبوية وعليش، فالصحفى المتنكر لطبقته الملتحق بالثورة زورا وبهتانا، رءوف علوان، جثة عفنة لا يواريها تراب، تخلقنى ثم ترتد، بعد أن تجسد فكرك فى شخص، تتركنى هكذا ضائعا بلا أصل ولا قيمة ولا أمل، خيانة لئيمة لو اندك عليها المقطم دكا ما شفيت نفسى، ومونولوج اللص النبيل، ابن الطبقة الدنيا، المخدوع فى شعارات اليسار، سعيد مهران نبل الانتقام، أمام خسة الخيانة، سعيد مهران صاحب الحق يفشل لأنه واحد، والخيانة و بيع المبادئ تنجح، الجماعة فى مقابل الفرد، الوطن كله فى مواجهة فرد، اجمعهم حولك يا جبان، إنما جئت، أجس حصونك، وعند الأجل لا ينفع مخبر ولا جزار، أنا حزن الثاكلة ودمعة المكلوم، ونبوية: تلك المرأة النابتة من طينة نتنة اسمها الخيانة، زوجتى وأموالى يا جرب الكلاب، الويل، الويل ، أريد أن أتلقى نظرة من عينيك كى أحترم من الآن فصاعدا، الخنفساء والعقرب والدودة ، سحقا لمن يطرب لأنغام امرأة، كم أرغب أن تلتقى العينان، كى أرى سرا من أسرار الجحيم، الفأس والمطرقة.
 
الواقع السياسى يغرق فى الحرب و الغليان، عواصف السلام، تغييرات عاصفة فى المجتمع، أعداء ثورة يوليو، فى رواية «السمان والخريف»: «أتريدون أن يهزمنا اليهود حقا، والتاريخ واسع الصدر سيدافع عن نفسه بعد انقراض المتخاصمين جميعا، مقدمات النكسة فى «ثرثرة فوق النيل» عام 1966، وأنيس زكى وزير شئون المزاج ، العوامة التى لا بد أن تغرق، واستغلال الملتحقين بثورة يوليو فى الكسب غير المشروع فى «ميرامار»، 1967، قبل ذلك، حين صمت المجتمع غير مصدق لهول النكسة، كان نجيب محفوظ يكتب الطريق 1964، ثم الشحاذ 1965، حين كانت مصر تلهج فى صحافتها عن الوجودية، عن ماهية الله، عبد الرحمن بدوى يجلجل بالوجودية، وأنيس منصور كصدى صوت بعيد، يردد ما يقرأه، آلاف حول الوجودية، دفعت بالشحاذ إلى الوجود، وظل صداها يتردد فى «قلب الليل».
 
ما أخبار إيمانك اليوم يا جعفر؟
- إنى عاجز عن الكفر بالله.
 
تعذيب عبد الناصر للشيوعيين لم يغب، ولن يُنسى بالتقادم، رواية «الكرنك»، وبطلها الشيوعى إسماعيل الشيخ، جسدت الأمر كأفضل ما يكون، تنتهى الحكومات، وينتهى الرؤساء ويظل نجيب محفوظ،، عمود خيمة، تهدر بالإبداع، فى الثمانينيات «قشتمر»، و«يوم قتل الزعيم»، و أمام العرش»، وصولا لأصداء السيرة الذاتية، وأحلام فترة النقاهة، يراجع فيها عمره الماضى ويستعيد أحداثا وقعت، لأن زمن حسنى مبارك تميز بالاستقرار والهدوء، باستثناء مفاوضات طابا وعودتها إلى التراب الوطنى، وأغلقت الألفية الثانية القوس على أحداث 11 سبتمبر فى أمريكا، ليصرح نجيب محفوظ بأنه مرعوب من هذا الحادث، وتأثيره على مصر والعرب، وبعدها ستغزو أمريكا أفغانستان، ليعترض نجيب محفوظ على ذلك قائلا: أنا معترض على الغرب فى حد ذاته، بصرف النظر عن الأهداف، فأنا أحب الحرية بكل مبادئها وأكره الضرب، وهذا يجعلك تسىء فهمى، ثم إن أمريكا تريد أن تأخذ علماء العراق للتحقيق معهم، فهل هذه حقوق الإنسان التى يتحدثون عنها؟ كانت أمريكا قد استدارت على العراق، متهمة صدام حسين بامتلاك أسلحة نووية، وبالتوازى مع أحلام فترة النقاهة، كان نجيب محفوظ يعبر لجلسائه فى جلسة الحرافيش، عن آرائه فى كل ما يجرى بحكمة استمدها من عمره المديد، ومعاصرته لكل الأحداث التى مرت على مصر، فحين غزت أمريكا العراق، رأى محفوظ أن ذلك وحد العراقيين، ونحن تألمنا على الشعب العراقى، وكما رأينا، فإن هدف أمريكا هو التسلط على مصادر الطاقة فى العالم، صحيح عندها بترول لكنها تستطيع الآن أن تتحكم فيمن ينتجون البترول وتقيد العالم، ثم من الضرورى أن أمريكا تدفع ثمن عدوانها على العراق، وتعطيها الديمقراطية التى تزعم أنها جاءت من أجلها، لكن الأساس هو التسلط، كان غزو العراق فى عام 2003 آخر حدث كبير يتفاعل مع نجيب محفوظ.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg