مقالات



بعد مقتل صالح .. اليمنيون فى انتظار الأيام الأصعب

6-12-2017 | 22:22
د. حسن أبوطالب

لم تدم انتفاضة الرئيس اليمنى السابق على عبد صالح ضد الحوثيين سوى يومين فقط، وبرغم نداءاته للشعب اليمنى وقبائله وقواه السياسية سرعة المشاركة فى الانتفاضة ضد دعاة الإمامة والناكرين للجمهورية والقانون، وبرغم تحرك بعض قبائل موالية له فى مناطق متفرقة حول صنعاء، فإن الحوثيين استطاعوا فى اليوم الثالث للانتفاضة الموافق الرابع من ديسمبر أن يحققوا اختراقا كبيرا، لقد تمكنوا من الزعيم نفسه الذى كان متحالفا معهم حتى أيام قليلة سابقة، وقتلوه ومثلوا بجثته، وقتلوا من كان معه فى السيارة ذاتها، وأبرزهم عارف الزوكا أمين حزب المؤتمر الشعبى، وعدد من الحراس. 

وبينما كانت عناصر الحوثيين تعدم الرئيس على جانب من الطريق بين العاصمة صنعاء ومديرية سنحان مسقط رأسه، بعد أن أوقفت سيارته فى كمين بدا محكما ومستندا إلى معلومات مفصلة عن تحركاته، وغالبا نتيجة خيانة أحد المقربين الذين قدموا تلك المعلومات الثمينة، كانت حشود الحوثيين المدججين بالأسلحة من جميع الأنواع يهدمون بيوت أعضاء حزب المؤتمر، ويقومون باعتقال العديد من أقارب صالح وأبنائه والمقربين منه وقيادات المؤتمر فى أحياء عدة بصنعاء، وبعد الاعتقال تم إعدام  200 من هذه القيادات الحزبية حسب المتداول من الأنباء، فضلا عن اختفاء آخرين لا يعلم أحد عنهم شيئا.
 
مقتل زعيم المؤتمر الشعبى والرمز البارز لليمن طيلة أربعة عقود يعد قطيعة مع حقبة طويلة من تاريخ اليمن ككل، وقطيعة أخرى بالنسبة للحوثيين الذين وصف زعيمهم عبد الملك الحوثى فى بيانه مقتل صالح، بأنه نهاية للفتنة والخيانة، إذ يبدأ الحوثيون حكمهم لصنعاء والمناطق التى ما زالت تحت سيطرتهم منفردين، وبلا غطاء سياسى طالما وفره لهم الرئيس صالح قبل أن يعلن فك التحالف معهم. فهل يستطيع الحوثيون حكم ما لديهم منفردين، أم أن الأمر سيكون أكبر من مخيلتهم السياسية وقدراتهم الفعلية؟ يرتبط ذلك بسؤال لا يقل أهمية يتعلق بما يمكن أن يفعله أعضاء المؤتمر الشعبى بعد غياب زعيمهم المبجل، واختفاء العديد من كوادر الصفين الأول والثانى فى الحزب، وسطوة الحوثيين على جميع المنابر الإعلامية الموالية للحزب فضلا عن معظم مقراته فى محيط صنعاء والحديدة ومدن أخرى تحت سيطرتهم؟
 
وإذا كان من الصعب الجزم بما ستحمله الأيام المقبلة، نشير هنا إلى عدة أبعاد لعلها تسهم فى تيسير الإجابة على ما سبق طرحه من تساؤلات جوهرية، أول هذه الأبعاد يتعلق بالقدرة الكبيرة التى أظهرها الحوثيون فى قلب المشهد الصنعانى لصالحهم بعد ثلاثة أيام فقط، وهى قدرة تتعلق بالتوقع وإعداد الأنصار وتحديد الأهداف والتوجه إليها مباشرة والتخلص من الزعامات والكوادر القيادية المناوئة. والمؤكد أن الحوثيين كانوا يعدون الُعدة لمثل هذا اليوم الذى قد يحول فيه الرئيس صالح وجهته، وكانوا يتابعون كل ما يقوم به من اتصالات ومناورات سياسية، وكانت لديهم معلومات وفيرة ومفصلة عن  حرسه الشخصى والقوات التابعة له. ويذكرنا هذا بما فعله موالون لإيران حين دخلوا بغداد بعد أيام قليلة من الغزو الأمريكى ـ  البريطانى للعراق، حيث توجهوا مباشرة إلى بيوت كبار الضباط فى جيش العراق، ولاسيما الطيارين وقاموا بقتلهم والاعتداء على أسرهم، بحجة أنهم كانوا سببا فى موت آلاف من الإيرانيين إبان حرب العراقية الإيرانية. 
 
هذا العمل ما كان ليتم إلا فى ضوء معلومات مفصلة تم تجميعها مسبقا. هكذا فعل الحوثيون مع أنصار الرئيس المقتول صالح، الأمر الذى يلقى بظلاله على قدرة حزب المؤتمر على أن يتحرك ضد الحوثيين، فقد غاب الزعيم واختفت الكوادر المؤهلة إما قتلا أو سجنا، ومن بقى حرا فهو مختف غير قادر على التواصل مع الباقين. وفى ظل وضع كهذا يبدو أن الاختيارات المتاحة أمام عناصر الحزب فى صنعاء، وفى أماكن ما زالت بعيدة عن سطوة الحوثيين، محصورة بين أمرين، الأول هو الانضمام للتيار المنضوى تحت مظلة الشرعية ممثلة فى الرئيس عبد ربه هادى منصور، بعبارة أخرى إعادة توحيد الحزب تحت لافتة واحدة وهدف واحد، وهو الكفاح ضد الحوثيين وما يمثلونه من بدائية وحكم إمامه وغدر بالحلفاء وموالاة لإيران على حساب عروبة اليمن. وإن حدث الأمر على هذا النحو سيتحول ميزان القوى فى صنعاء، وفى جميع المناطق التى يسيطر عليها الحوثيون لصالح حملة تحرير صنعاء واستعادة العاصمة من الانقلاب. إنه المشهد الأقرب عقلانية والأكثر وطنية لمن يريد أن يؤمن بلاده شرور الاستبداد والتخلف.
 
أما الاختيار الثانى فهو أن يقبل أو بالأحرى ينصاع البعض من قيادات الحزب من الصفوف الأقل التعاون مع الحوثيين، بعد التبرؤ من الانتفاضة التى بدأها الرئيس المقتول، وإعلان الولاء التام لحكم الحوثى وسطوته وقبول الدعوة بالتعاون معهم، أو تحمل التبعات بما فى ذلك القتل. واللافت للنظر أن الحملة الشرسة التى نفذتها العناصر الحوثية ضد قيادات الحزب وكوادره، استهدفت أيضا بث الرعب فى نفوس المواطنين العاديين لمنعهم من مجرد التفكير فى الانضمام إلى القوات الشرعية التى تستهدف إنهاء الانقلاب الحوثى. وإذا حدث أن قبل البعض من تيار الرئيس المقتول فى حزب المؤتمر الاستمرار فى تحالفهم مع الحوثيين، خوفا من عقاب قاس أو طمعا فى مغنم لا معنى له، فإنهم بذلك سيقدمون هدية كبرى للحوثيين، والذين سوف يستخدمون هذا التطور حال حدوثه فى الادعاء بأنهم ليسوا وحدهم فى مواجهة عاصفة الحزم، وأن ما يدعونه ثورتهم لها أنصارها من جميع التيارات السياسية، وأن الذين يتعاونون معهم هم الأكثر وطنية وكل تلك الشعارات الزائفة. وليس بخاف أن الحوثيين يحتاجون اليوم أكثر من أى يوم مضى مثل تلك المظلة السياسية الواهية، باعتبارها تضفى شرعية على كل تحركاتهم العسكرية والسياسية، وهم على استعداد لكى يقدموا الكثير من الإغراءات المالية والوظيفية الشكلية لمن يستمر فى مثل هذا التحالف المخادع.
 
الاختيار الثانى على النحو السابق ذكره تقود إلى البحث فى قدرة الحوثيين على السيطرة على حكم اليمن منفردين أو مع تحالف هش ووهمى من عناصر ضعيفة وخائفة من حزب المؤتمر، فالحوثيون قليلو العدد، ولديهم قناعات مذهبية ليست مقبولة من الغالبية العظمى من اليمنيين، ولكنهم أثبتوا قدرة تنظيمية كبيرة مضافا إليها شدة ولاء الأعضاء أو الذين يقبلون التعاون معهم، وهو مزيج من الولاء الدينى المذهبى، والولاء المصلحى، والولاء السياسى، والولاء نتيجة الخوف والرعب. ومن المؤكد أن الحوثيين استفادوا من نماذج بناء قوة مجتمعية أقل عددا ولكنها أكثر قوة ونفوذا مقارنة بباقى عناصر المجتمع، وأبرزها حزب الله فى لبنان والحشد الشعبى فى العراق. وهى نماذج تقدم ما يشبه “كتالوج الحركة” فى ظل بيئة معادية، بما فى ذلك السيطرة على القوى المناوئة، والانفتاح على استخدام جميع الأدوات من مال وعقيدة وعنف لضمان الولاء وعدم التمرد. ولذا فإن نشر الطريقة التى قُتل بها الرئيس صالح، حيث إعدامه بدم بارد وبكم هائل من الرصاصات والتمثيل بجثته، ليس سوى رسالة بأن هذا هو ثمن من لا ينصاع لإرادة الحوثى. إنها رسالة تحذير دموى لمن يفهم. هكذا يريد الحوثى أن يمنع أى تمرد محتمل.
 
ما سبق يقودنا إلى القول إن قدرة الحوثيين على الحكم منفردين مرتبطة أساسا بحزمة من السياسات العنيفة التى تشيع الخوف لدى جميع الأطراف، ممزوجة بحزمة من الإغراءات المادية والمذهبية. ولمواجهة مثل الجماعات، والتى تحصل على دعم غير محدود من إيران سواء الأموال أم التدريب أم السلاح أم الدعاية، يتطلب الأمر بناء حالة وحدة وطنية عامة حول هدف محدد غير قابل للمساومة، وهو تحرير البلاد من الاستبداد البدائى، ومن الذين يفقدون أقل درجات الإحساس بقيمة الحياة الإنسانية. أما حركيا، وفى ضوء المأزق الذى يعيشه الحوثيون برغم الانتصار العابر الذى حققوه بالفعل، فليس أمام الحكومة الشرعية سوى التحرك السريع لاستقطاب كل القوى المجتمعية من قبائل وتيارات سياسية وأحزاب ومواطنين بسطاء، ودمجهم جميعا فى مسيرة النضال ضد الحوثيين. وفى المقابل على كل يمنى وطنى حقيقى أن يعتبر مما جرى للرئيس السابق من خيانة وغدر وسوء طوية، وأن يحاصر كل خوف فى داخله.
 
لقد أعلن الرئيس عبد ربه منصور هادى القائد الأعلى للقوات المسلحة بعد ساعات محدودة من مقتل الرئيس السابق صالح، بدء عملية عسكرية تحت اسم “صنعاء العروبة” تتجه للعاصمة لإنهاء المأساة التى تعيش فيها منذ سبتمبر 2014. كما اتخذ رئيس الوزراء اليمنى أحمد بن داغر خطوة مهمة فى هذا الصدد، حين أعلن عفوا عاما عن كل اليمنيين الذين أخطأوا سابقا أو اضطرتهم ظروفهم لقبول الانصياع لسطوة الحوثيين والتعاون معهم، ويقطعون الآن أى تعاون مع الحوثيين. 
 
ومع ذلك فالمطلوب خطوات أخرى تضيف إلى زخم الثورة على الحوثيين زخما آخر، ليس أقلها أن تعود الحكومة اليمنية بكامل أعضائها إلى عدن للعمل من داخل اليمن وليس من على بُعد، التحرك من الصفوف الأولى للمواجهة هو الذى سيغلب التردد الذى يمنع البعض من الانتصار للدولة وللجمهورية ويرفض الفوضى والاستبداد. القدوة مطلوبة فى هذا الأمر الجلل، فبدون قدوة يصعب إقناع الناس بشىء قد يرونه خطرا على حياتهم.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg