مقالات



القدس ....خط أحمر

6-12-2017 | 22:21
د. هادى اليامى

أكد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب نيته الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلى ونقل سفارة بلاده فى تل أبيب إليها، حسب تصريحات صهره وموفده إلى الشرق الأوسط، جاريد كوشنر، الذى أشار إلى أن الرئيس الأمريكى «يقترب من تحديد موقفه حيال الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل». وتأتى تلك الخطوة المفاجئة عقب إجراء تصعيدى آخر غير مبرر اتخذه ترامب حيال السلطة الفلسطينية بعدم تجديد الترخيص الخاص بمكتب حركة فتح فى واشنطن. والمفاجئ فى الأمر أن تلك الخطوات تأتى فى الوقت الذى تبذل فيه دول المنطقة وفى مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر والأردن جهودا مكثفة لتحقيق المصالحة الفلسطينية، وتحقيق الإجماع الوطني، بهدف توحيد الرؤى وإزالة أسباب الاختلاف، بما يؤدى إلى التوافق على حلول مقنعة لجميع الأطراف، تمهيدا لإطلاق مفاوضات سلام الشرق الأوسط، ووضع حل مرض للجميع يمكِّن من التوصل لوضع حد لأكبر مشكلة فى التاريخ العربى والإسلامى المعاصر.

كما أن الغريب فى الأمر أن ترامب الذى ظل منشغلا عن القضية طيلة الفترة الماضية ركز اهتمامه عليها فى الوقت الذى لم تكد تمر فيه أيام قلائل على إعلان هزيمة الإرهاب فى سوريا والعراق، ولا يزال المجتمع الدولى برمته مهموما بكيفية القضاء على جيوب التطرف فى ليبيا وغيرها من مناطق العالم. ومعلوم أن الانتهاكات التى ترتكبها سلطات الاحتلال فى فلسطين ضد الشعب العربي، وتجاوزات جنودها ومستوطنيها بحق الحرم القدسى واقتحاماتهم المتكررة للمسجد الأقصى، ظلت هى المبرر الذى يستغله دعاة التطرف للتغرير بالشباب وتجنيدهم فى صفوف تيارات العنف، وبدأ ترامب بالخطوة الأخيرة وكأنه لم يرض بتحقيق النجاح فى هزيمة الدواعش وأتباع القاعدة، فأراد أن يمنحهم مبررا للوجود وذريعة للاستمرار.
 
ومما أثار الدهشة كذلك أن الإسرائيليين أنفسهم لم يجرؤوا على الترحيب علنا بالنيات الأمريكية، لإدراكهم أنها سوف تؤدى إلى اشتعال الغضب الفلسطيني، وربما تتسبب فى اندلاع انتفاضة على نطاق واسع، وإن كان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نيتانياهو قد خرج بتصريح مقتضب أكد فيه تأييده لخطوة ترامب، فهذا يعود إلى أن الأخير قدم له خدمة على طبق من ذهب لزيادة شعبيته وسط تيار اليمين المتطرف الذى يقوده، فى وقت تشهد فيه تل أبيب والكثير من المدن تظاهرات واحتجاجات حاشدة حول عزمه سنّ قانون يتيح له الإفلات من العقوبة، ووقف التحقيق الذى يطارده حول صفقات الفساد التى تورط فيها.
 
ولم تقتصر الأصوات الرافضة لذلك التوجه على الدول العربية والإسلامية فقط، بل إن كثيرا من الدول والحكومات الأوروبية التى لا تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل أعلنت معارضتها، إضافة إلى نواب من الحزب الديمقراطي، بل إن كثيرا من نواب الحزب الجمهورى الذى ينتمى إليه ترامب نفسه أبدوا تخوفهم الشديد من تداعيات الإجراء الذى يفكر فيه رئيسهم الذى لا يستطيع أحد توقع ما يفكر فيه.
 
التفسيرات المنطقية للخطوة الأمريكية المدروسة لا تخرج عن أمرين، إما أن الولايات المتحدة كما يقول كثير من المحللين السياسيين لا تستطيع العيش إلا فى ظل وجود مشكلة مؤرقة على نطاق واسع من العالم، تتيح لها الاستمرار فى بيع أسلحتها للأطراف المتصارعة، وتبرر تدخلها فى أنحاء كثيرة من العالم، أو أن ترامب يحاول صرف الأنظار عن الصعوبات التى تواجه إدارته فى ظل تزايد وتيرة التحقيق حول تواطئه مع روسيا خلال فترة الانتخابات الرئاسية التى أتت به إلى البيت الأبيض، وهى التحقيقات التى قد تطال صهره وأقرب معاونيه، وأيا كانت الدوافع والأسباب فإنه من المؤسف أن تعمد الولايات المتحدة التى ينظر إليها على أنها كبرى دول العالم التى يفترض بها حفظ الاستقرار العالمي، إلى إشعال أكبر أزمات المنطقة، بما يؤدى إلى ازدهار التطرف وشيوع أعمال العنف التى حتما لن تقتصر على منطقة الشرق الأوسط، بل إن خطرها وأضرارها سوف تطال جميع دول العالم وفى مقدمتها أمريكا نفسها.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg