مقالات



مصفوفة مخاطر الأمن القومى

7-12-2017 | 05:38
محمد الكشكي

تم إنشاء أول مجلس أمن قومى عام 1947، على يد الرئيس هارى إس ترومان تنفيذا لتوصيات إستراتيجية الحرب الباردة، وكان هدفه الأساسى هو تحجيم الاتحاد السوفيتى،  فكان من الطبيعى آنذاك أن يكون تركيز المجلس على النطاق والمجهودات العسكرية فقط، مع مرور الزمن وتطور مبدأ الأمن القومى، أدركت إدارات البيت الأبيض المختلفة أهمية الشق السياسى والاقتصادى والدبلوماسى وغيره كنقاط مؤثرة على الأمن القومى مثلما يؤثر الشق العسكري، بل ربما أكثر فى معظم الأحيان، لذلك تطور مفهوم الأمن القومى عالميا  من مفاهيم بسيطة شددت على أهمية الحفاظ على القوة العسكرية ليشمل أشكالا أخرى تتناسب مع ظروف كل حقبة. 

وبناء على ذلك فإن كثيراً من دول العالم اليوم، تضع ذلك المجلس ما يعرف بإستراتيجية الأمن القومى للدولة بناء على ما يراه الرئيس 
وفريقه للأمن القومي  وتعتبر بمثابة وثيقة يتعين على مؤسسات الدولة اتباعها كل فيما يخصه.
 
تنتج عن هذه الإستراتيجية أهداف عريضة تختلف من دولة لأخرى، فبالنسبة للولايات المتحدة آخر إستراتيجية كانت فى 2015 (لم تصدر  إدارة ترامب إستراتيجية حتى الآن) وكانت أهدافها الأربعة معروفة لكل الهيئات والوزارات والمواطنين فى الدولة، وهى (الأمن، والازدهار الاقتصادي، والقيم، والنظام العالمي) وتحدد الإستراتيجية كذلك الموارد المستخدمة للوصول لتلك الأهداف.  إما كندا فتنحصر  أهدافها الوطنية كدولة فى (السيادة الكندية على أرضها، والأمن، والازدهار الاقتصادى، وصحة المواطنين وسلامتهم).
 
ولوجود إستراتيجية أمن قومى فى الدولة أهميات كثيرة، لا يتسع ذكرها هنا، ولكن من أهمها هو توحيد الجهود لتسير كل مفاصل الدولة فى اتجاه موحد (وإضفاء الشرعية على الموارد وعدم إهدارها) نحو أهداف واضحة يحددها الرئيس ومجلسه للأمن القومى.
 
وجدت تلك الدول أن هناك عدة قطاعات معينة هى التى تخدم أهدافها الوطنية دوناً عن بقية القطاعات، لذلك تمت تسميتهابالقطاعات الحرجة، وكما ذكرنا فى مقالات سابقة، وجدت الولايات المتحدة وحلفاؤها أنهم فى حاجة إلى أسلوب علمى يقسم ويدرس قطاعات الأمن القومى  لإيضاح الرؤية لصناع القرار بحقيقة صلابة  قطاعات الأمن القومى، أدى ذلك إلى ظهور علم تقييم مخاطر الأمن القومى ومصفوفات تقييم المخاطر.
 
وبرغم  أن عدد القطاعات يختلف من دولة لأخرى، لكن فى النهاية، الهدف الأساسى هو تطبيق تقييم المخاطر على كل القطاعات بنفس الأسلوب الهندسى حتى يتسنى لصناع القرار رؤية واضحة وكاملة (بالأرقام والرسم البيانى كما بالصورة كمثال)  عن أضعف نقاط الأمن القومى، وكذلك أكثرها تماسكا، و عن مدى استقرار كل قطاعاته بناء على أولويات واحتياجات وموارد الدولة.  
ومن الممكن أخذ كل قطاع بالتفصيل فى مقالات أخرى لنرى كيف يتم عمل مصفوفة المخاطر لكل قطاع، وبالتالى معرفة ما يستحق العناية به قبل الآخر. أثناء الدراسة بجامعة كارلتون  للهندسة المدنية - ونورمان باترسون للأمن الدولى والقومى، كان من أفضل الأمثلة التى تم التركيز عليها هى قطاع الطاقة فى المملكة المتحدة، حيث كانت تسمى وزارة الطاقة والتغيير المناخى آنذاك قبل تغيير اسمها فى 2016، ولأن أمن الطاقة يعتبر من القطاعات الحيوية التى تؤثر على الأمن القومى مباشرة، فقد خصصت الحكومة البريطانية مهام أمن الطاقة لأحد أعضاء مجلس الأمن القومى الذى أعطى التعريف هو وفريقه لأمن الطاقة على أنه: ضمان حصول المستهلكين على خدمات الطاقة التى يحتاجونها (الأمن المادى) بأسعار تتجنب التقلبات المفرطة (أمن الأسعار).
 
وللوصول لهذا الهدف بدأ فى قياس مدى استقرار قطاع الطاقة وعمل مصفوفة رسم بيانى بناء على (الاستهلاك/ تنوع المصادر/ صلابة القطاع أمام السيناريوهات المحتملة)، ووضع لكل سيناريو محتمل خطة تشرح كيفية التصرف، و تتراوح السيناريوهات من مشاكل فنية فى شركات القطاع إلى مشاكل عالمية تؤثر على وصول المنتجات البترولية للمستهلك وسعر البرميل. وبناء على ذلك التقييم قاموا بعمل (سجل مخاطر) يتم تحديثه كل سنة على الأقل بناء على التهديدات الجديدة المتوقعة، بل وقامت بضم كل الشركات العاملة فى هذا المجال فى تلك الخطة، والجدير بالذكر أنه فى أحد اجتماعات مجلس الأمن القومى بدأ بعض الأعضاء مناقشة سوء الوضع فى ليبيا واحتمالية تدهور العلاقات بشدة مع إيران، فبدأ فريق أمن الطاقة فى وضع سيناريوهات مناسبة لتلك الأزمتين، وبالفعل عندما حدث الصراع فى ليبيا فى 2011 فقد العالم إنتاج  1.6 مليون برميل يوميا، وارتفع سعر البرميل من 10  إلى
 20 %  وكذلك  عندما تم تقييم  احتمالية غلق مضيق هرمز لسوء العلاقات الدولية فإنه  سيؤدى إلى احتمالية نقص 20 % من الإمدادات بالنسبة للزيت الخام وثلث الإمداد العالمى من الغاز، فقام فريق (أمن الطاقة) التابع لفريق الأمن القومى بدراسة بدائل تحول دون التأثر بتلك التهديدات أو تأثر أى من قطاعات الأمن القومى الأخرى كأمن الغذاء، والمواصلات وأمن الماء و غيرها، كانت بريطانيا مستعدة بالدراسة لمواجهة السيناريوهين وكل مسئول فى الوزارة كان يعلم بالضبط ما عليه فعله حسب الخطة الموضوعة مسبقا، وبالتالى تم تعويض النقص من مصادر ودول أخرى كان تم الاتفاق معها مسبقا على تعويض النقص إذا طلبت الحكومة البريطانية منهم ذلك، والنتيجة: لم يشعر المواطن أو أى من القطاعات التى تعتمد على أمن الطاقة  بأى عجز أو نقص، و لم يحدث  أى تغيير فى الأسعار لأى سلعة من السلع التى تعتمد على المنتجات البترولية، ولو أنهم لم يقوموا بتقييم المخاطر و عمل المصفوفة اللازمة التى تظهر أضعف نقاط قطاع الطاقة والأمن القومى، وتركوا المشكلة دون توقعها ووضع خطة مسبقة  لكانت العواقب.. والأمثلة كثيرة عن الفوائد التى عمت على الدول التى طبقت مصفوفة المخاطر على الأمن القومى.
 
وللعلم فإن تطبيق تلك الدراسة ليس بالصعب، ولا يحتاج إلى تكاليف كبيرة، ويكفى أن نذكر أنه فى حالة تطبيق مصر ذلك العلم لأصبح من السهل حماية أمننا القومى بأسلوب علمي. فقبل حل المشكلة يجب تشخيصها ومعرفة مدى أضرارها وأولوياتها حتى لا ننشغل بحل مشكلة بسيطة ونضع كل مواردنا فى الاتجاه غير  المناسب، فى نفس الوقت الذى توجد فيه مشكلة أخرى أضرارها أكبر بكثير مما نتصور ولكننا لم نعطها الأولوية المناسبة لأننا ننظر لمشاكلنا بأسلوب غير منظم ولا ندرس الأمن القومى كما ينبغى (بالورقة و القلم).

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg