رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 11 ديسمبر 2017

المجلة



تجاهل التحذيرات العربية والدولية: القدس قنبلة تنفجر في وجه ترامب

6-12-2017 | 04:42
كتب - أيمن سمير

موقف واشنطن يناقض سياسة "تقرير مصير القدس" وفق المفاوضات

الإدارة الأمريكية تعطى قبلة الحياة للتنظيمات المتطرفة و«ترفدها» بمزيد من المتشددين
 
القرار يغازل الجناح المتشدد فى الحزب الجمهورى، ومنظمة إيباك 
 
لم تكن المنطقة العربية، والشرق أوسطية تحتاج مزيدا من ألسنة اللهب، وصب الزيت على النار حتى تزداد اشتعالا، فالمنطقة بها من الأزمات ما يكفى، ومشاهد الكراهية وبذور الخلاف تنتج صراعات وخلافات تغطى العالم أجمع، ورقعة الإرهاب والتطرف تتوسع لتكسب عقولا وقلوبا ضالة فى كل أصقاع المسكونة.
 
 وسط هذا المشهد الضبابى، وتلمس الحكماء طرائق لإطفاء الحرائق المشتعلة يتجاهل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب كل المناشدات والتحذيرات التى وجهها له قادة من العالم العربى والإسلامى، وكل القوى الدولية بما فيها الاتحاد الأوروبى والفاتيكان، من نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وأبلغ ترامب زعماء فى المنطقة العربية نيته نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس دون إدراك لخطورة هذه الخطوة، ليس فقط على السلام الإقليمى بل على السلام الدولي.
 
وتخاطر الولايات المتحدة بمصالحها ومصالح حلفائها فى المنطقة، بعد أن تحسنت العلاقات العربية - الأمريكية فى أعقاب فوز الرئيس ترامب، وحضوره القمة العربية - الإسلامية - الأمريكية فى مايو الماضى بالرياض، وتبنى سياسة صارمة فى مواجهة التنظيمات المتطرفة فى سوريا والعراق، كما يأتى القرار الأمريكى خلافاً للسياسة الأمريكية المعتمدة منذ عام 1995 التى أجلت نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس، حتى تتيح التوصل لاتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول القدس، بحيث يكون الوضع النهائى للقدس "نتيجة للمفاوضات " وليس قراراً " أحادياً" من جانب الرئيس الأمريكى،،كما يخالف الرئيس ترامب بذلك الإجماع العربى والدولى، حيث لم تعترف أى دولة فى العالم بالإجراءات الإسرائيلية فى القدس الشرقية التى احتلتها إسرائيل فى 1967، وقد يشجع القرار الأمريكى دولا أخرى لاتخاذ قرار مشابه للموقف الأمريكى.
 
ويهدد قرار الرئيس ترامب أى فرصة للسلام بين العرب وإسرائيل، بما فيها "صفقة القرن" التى تحدث عنها الرئيس ترامب نفسه منذ وصوله للبيت الأبيض، كما يهدد القرار حل الدولتين المتفق عليه بين جميع القوى الإقليمية والدولية، والذى يهدف لقيام دولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، حيث يتفق العالم العربى والإسلامى على أنه لا معنى لأى دولة فلسطينية بدون القدس الشرقية.
 
ويشكل قرار الرئيس ترامب ضربة قوية لقوى الاعتدال والوسطية فى المنطقة، ويعطى قبلة الحياة للتنظيمات المتشددة والمتطرفة، فى وقت لم يتأكد العالم بعد أنه حقق نصرا ساحقا على داعش وأخواتها، بل على العكس كل المؤشرات الدولية تؤكد تنامى ظاهرة التطرف فى قارات العالم الخمس، وليس فى المنطقة العربية وحدها، وتقرير المفوض الأوروبى لشئون الإرهاب. أكد وجود أكثر من 50 ألف داعشى فى أوروبا وحدها، وتأكيد المخابرات الألمانية أن من عادوا من ساحات التكفير والقتل فى سوريا والعراق إلى بلادهم أرقام هزيلة للغاية، فى إشارة واضحة أن الحرب على
الإرهاب فى بدايتها وليس فى محطتها الأخيرة، فماذا يريد ترامب من هذا القرار؟ وما مساحة العمل المتاحة للعرب والمسلمين للحفاظ على الوضع القانونى الحالى للقدس؟ 
الواضح أن الرئيس ترامب ينظر بعين واحدة للقضية، وهى وعوده الانتخابية للجناح المتشدد فى الحزب الجمهورى الأمريكى، وجمعية إيباك اليهودية، دون النظر إلى السلم الدولى الذى يتأثر سلباً بهذا
القرار الأخير، وهناك من يراهن فى الإدارة الأمريكية، أن مثل هذا القرار قد يشكل خروج من المشاكل الداخلية التى تعانى منها الإدارة الأمريكية من إتهامات بالتواطؤ مع روسيا، خصوصا مع اعتراف الجنرال مايكل فلين وإقراره بالكذب أمام اللجنة التى تحقق فى هذه القضية برئاسة القاضى روبرت مولر.
ويكشف هذا القرار أن الإدارة الأمريكية تواصل انكفاءها على الذات، والبحث عن مصالح ومغانم خارج منطقة الشرق الأوسط بعد سياسة "الاستدارة شرقاً " التى انتهجتها الولايات المتحدة منذ عام 2012 ، وتناست إدارة ترامب أن القدس ليست شأناً فلسطينياً، بل قضية عربية وإسلامية تهم المسلمين، من إندونيسا شرقا حتى الولايات المتحدة الأمريكية، التى بها أكثر من 3 ملايين مسلم.
ويخشى الكثيرون أن يشجع القرار على القيام بعمليات عنف ضد المصالح والقوات الأمريكية فى الخارج التى يبلغ قوامها 200 ألف جندى أمريكى، كما أن الولايات المتحدة لا يتعدى سكانها 5 % من سكان العالم، وأن هذا القرار سيغضب أكثر من 3 مليارات نسمة نصفهم من المسلمين والنصف الآخر من المسيحيين، وقد يوفر هذا القرار ذريعة للإرهابيين والمتطرفين لاستهداف المصالح الأمريكية بما يزيد من أعباء الأجهزة الأمنية فى كل دول العالم لتأمين المبانى والمنشآت الأمريكية فى العالم، لكن يبقى السؤال الأهم الآن وهو، ماذا يمكن للعرب والمسلمين وكل الأحرار فى العالم القيام به أمام هذا القرار الأمريكى؟
لا بد من تنسيق المواقف العربية مع القوى الدولية لبلورة موقف موحد يصدر من الجمعية العامة للأمم المتحدة - حيث لا يوجد الفيتو الأمريكى - برفض القرار الأمريكى اعتماداً على قرار الجمعية العامة نفسها الذى اعترف بفلسطين كدولة " مراقب " فى نوفمبر 2013 وعاصمتها القدس الشرقية وبحدود 4 يونيو 1967، كما يمكن عقد مؤتمر دولى للسلام فى الشرق الأوسط، وهى المبادرة التى يتبناها الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون.
القرار يعقد المشهد فى المنطقة 
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى واضحاً مع الرئيس ترامب عند اتصال الأخير بالرئيس السيسى ليبلغه بنيته نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس
وصرح السفير بسام راضى المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية، بأن الرئيس السيسى أكد لترامب الموقف المصرى الثابت بشأن الحفاظ على الوضعية القانونية للقدس، فى إطار المرجعيات الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة، مؤكداً ضرورة العمل على عدم تعقيد الوضع بالمنطقة من خلال اتخاذ إجراءات من شأنها تقويض فرص السلام فى الشرق الأوسط.
وفى الأردن قال الديوان الملكى الأردنى، إن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أبلغ الملك عبد الله الثانى نيته المضى قدما فى قرار نقل السفارة الأمريكية فى إسرائيل إلى القدس، ونقل الديوان الملكى عن العاهل الأردنى إبلاغه ترامب، بأن هذا القرار "سيكون له انعكاسات خطيرة على الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط وسيقوض جهود الإدارة الأمريكية لاستئناف العملية السلمية ويؤجج مشاعر المسلمين والمسيحيين". 
وذكر متحدث باسم الرئيس الفلسطينى محمود عباس، أنه حث البابا فرنسيس والرئيسين الروسى والفرنسى على التدخل للوقوف حائلا ضد نية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وقال نبيل أبو ردينة إن الرئيس أبو مازن أجرى سلسلة اتصالات مهمة مع الرئيس بوتين، وكان موقفه واضحا أن القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، وفق قرارات الشرعية الدولية والشرعية العربية وفق القانون الدولي". 
كما حث محمود عباس أبو مازن الرئيس الفلسطينى، بابا الفاتيكان والرئيسين الروسى والفرنسى والعاهل الأردنى على التدخل لمواجهة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
وحذر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، خلال لقائه رئيس الوزراء البريطانى الأسبق تونى بلير، من نقل بعض الدول سفاراتها إلى مدينة القدس، قائلا: " لو فتح باب نقل السفارات الأجنبية إلى القدس؛ ستُفتح أبواب جهنم على الغرب قبل الشرق".
وأكد شيخ الأزهر، أن الإقدام على هذه الخطوة سيؤجج مشاعر الغضب لدى جميع المسلمين، ويهدد السلام العالمي، ويعزز التوتر والانقسام والكراهية عبر العالم.
وعبر الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، عن قلقه إزاء إمكانية اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أحادى بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وذكر الرئيس ماكرون فى مكالمة هاتفية مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بأن وضع القدس ينبغى حلّه فى إطار مفاوضات سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين تهدف بوجه خاص إلى إقامة دولتين، إسرائيلية وفلسطينية تعيشان جنبا إلى جنب بسلام وأمن.
موقف أوروبى قوى 
فى ذات السياق قالت فيدريكا موجيرينى، مسئول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبى: إن "أى تصرف من شأنه تقويض" جهود السلام الرامية لإقامة دولتين منفصلتين للإسرائيليين والفلسطينيين "يجب تفاديه تماما".
كانت موجيرينى تتحدث وهى تقف بجوار وزير الخارجية الأمريكى ريكس تيلرسون، أثناء زيارته لبروكسل، وقالت: "يتعين إيجاد سبيل من خلال المفاوضات لحل مسألة وضع القدس كعاصمة مستقبلية للدولتين" مؤكدة دعم الاتحاد الأوروبى لجهود كسر جمود محادثات السلام.
وتابعت أن وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبى وعددها 28 دولة، سيبحثون المسألة مع رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نيتانياهو فى بروكسل يوم الاثنين المقبل، على أن يعقدوا اجتماعا مماثلا مع الرئيس الفلسطينى محمود عباس فى أوائل العام المقبل.
وفى القاهرة قال مجلس الجامعة العربية إن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الامريكة للقدس يمثل " اعتداء صريحا على الأمة العربية".
وقالت الجامعة العربية: "الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لدولة الاختلال أو إنشاء أى بعثة دبلوماسية فى القدس أو نقلها إلى المدينة يعد اعتداء صريحا على الأمة العربية وحقوق الشعب الفلسطينى وجميع المسلمين والمسيحيين وانتهاكا خطيرا للقانون الدولي".
وأضافت " الاعتراف غير القانونى بالقدس عاصمة لإسرائيل ينسف فرص السلام وحل الدولتين وتعزيز التطرف والعنف".

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg