رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 15 اغسطس 2018

الملفات



«الأهرام العربي»: الكنيسة الوطنية.. حائط الصد الذى لا ينقض!

7-1-2018 | 01:33
بقلم - أحمد الجمال

«إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف فى حلم قائلا: «قم وخذ الصبى وأمه واهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك، لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه».. فقام وأخذ الصبى وأمه ليلا وانصرف إلى مصر.. وكان هناك إلى وفاة هيرودس، لكى يتم ما قيل من الرب بالنبى القائل: من مصر دعوت ابنى» متى 13-15.
 
ويوسف هو خطيب السيدة مريم العذراء، يوسف النجار، والصبى هو السيد المسيح له المجد.. ومصر هى المحروسة التى اهتدت للأبدية، فكان أن فصل حكماؤها القدامى تفاصيل الموت والبعث والحشر والحساب ثوابًا وعقابًا، وكان أن جعلوا القلب محل الإيمان.. وأكدوا أن الكلمة هى بداية البداية.. حقيقة قالها الإنجيل: «فى البدء كانت الكلمة».. وأقرها القرآن «اقرأ باسم ربك الذى خلق»!
وفى اللحظة التى أراد فيها الإمبراطور الرومانى أن يفرض على أهل المحروسة مذهبه فى العقيدة المسيحية، متناسيا متجاهلا أن كرسى الإسكندرية هو فى مقدمة الكراسى الخمسة الرسولية من ناحية العقيدة القويمة واللاهوت العميق، كانت صفحة من صفحات المقاومة الوطنية الخالدة التى أرَّخت لعصر الشهداء!
 
كما كان الأمر فى ثورة 1919، التى انفجرت بركانًا فى وجه الاحتلال البريطانى ولمساندة زعيم الأمة سعد زغلول والوفد الذى نُفى معه، وقد حاول الاحتلال أن يلعب على وتر الطائفية الدينية والمذهبية الضيقة، إذ صعد أبونا القمص سرجيوس منبر الأزهر الشريف ليعلن أن الدين لله والوطن للجميع.. ودقت الأجراس، وانتظمت القداسات لتدعو الله بأن يحفظ الوطن والنيل ووحدة الأمة!
وعندما أراد القيصر الروسى أن يضمن لبلاده نفوذًا بالقرب من المياه المتوسطية الدافئة، وتحت زعم أن روسيا هى حامية الأرثوذكس فى مواجهة عسف الغرب الأوروبى والأمريكى الكاثوليكى والبروتستانتى أرسل لبابا الإسكندرية عارضًا الحماية الروسية، وجاءه الرد حاسمًا قاطعًا مفحمًا على لسان البابا المصرى القبطي: «نحن لا نحتمى فيمن يحتاج للحماية.. لأننا نحتمى بالله وبوطننا»!
وعلى مدار العصور منذ وصل القديس مرقس الإسكندرية سنة 60 ميلادية، وتأسس كرسى الإسكندرية مرتبطًا بالكرازة المرقسية ومختصًا بالمدن الخمس فى شمال إفريقيا ثم الحبشة وسائر إفريقيا؛ ظل الجالس على كرسى القديس مرقس يقود الكنيسة القبطية القويمة لتكون الدرع الحامية فى مواجهة خطرين أساسيين: خطر الانحراف العقيدى المهرطق.. وخطر تهديد الوطن من أعداء الخارج.. وممن يريدون تفتيته وتفكيكه فى الداخل.. وكلما حاول محاول من الداخل أو الخارج أن يظن أن الورقة المسيحية هى أقوى ما يمكن اللعب به فى ذلك الباطل، كانت الكنيسة المصرية هى حائط الصد الوطنى ذا الجذور الحضارية والعقيدية الضاربة فى عمق أعماق الوجدان الجمعى المصري!
 
حائط الصد الذى تصدى لبونابرت فى حملته الفرنسية، عندما حاول أن يتخذ من علاقات بعض الأسماء المسيحية به ثغرة ينفذ منها لتمزيق النسيج الوطنى.. الذى تصدى لكرومر عندما اعتمد تكتيك «فرق تسد» ودعم مؤتمر 1910 الذى أراد أصحابه أن يكرسوا تمزيق النسيج الوطنى بعد مصرع بطرس غالي، فكان مؤتمر 1911 الذى باركته الكنيسة الوطنية، الذى رفض كل ما طالب به دعاة التمزيق والفتنة! وهو حائط الصد الذى أشرنا لدوره فى ثورة 1919.. ونشير لدوره فى كل المحطات التى اشتعلت فيها نيران الفرقة والاختلاف بين أقباط مصر مسلمين ومسيحيين!
 
لقد ظل أعداء الداخل يخدمون أعداء الخارج بأن يعمدوا إلى بث سموم الكراهية وإشعال نيران التحريض والعنف ضد المسيحيين، وقد وزّع أولئك الخونة أنفسهم بين المهمتين، مهمة التعرض للعقيدة المسيحية ووصمها بكل النقائص، وصولًا لوصمة الكفر، ومهمة تعميق خطاب التمييز ومسلكيات العداء لدى الجهلة المساكين، من قبيل عدم الاحتفال بالأعياد المسيحية ورفض الود والتراحم مع المسيحيين، وتلحق بها مهمة ممارسة العنف ضد الكنائس كدور عبادة وضد كل ما يتصل بها من مؤسسات، ليأتى عدو الخارج صائحًا صيحة الإفك الباطل حول حماية الأقليات وغياب دور الدولة فى صون حقوق المواطنة للمختلفين دينيًا.. وفى الحالتين وعلى الفور لا تتردد الكنيسة الوطنية الأرثوذكسية القويمة فى أن تعلن موقفها الوطني: مصر وطن يعيش فينا ونعيش فيه!

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg