المجلة



لم يغير هاتفه.. ووصيته أن يدفن فى دار اليقين.. إبراهيم نافع.. رحيل أحد البناة الكبار

3-1-2018 | 17:49
كتب - ماهر مقلد

كانت وصيته أن يدفن جثمانه فى مقبرته الخاصة التى شيدها قبل عقود بدار اليقين التى يمتلكها العاملون بمؤسسة الأهرام بمدينة السادس من أكتوبر.. حتى يرقد جثمانه إلى جوار زملاء وأصدقاء عاش معهم رحلة الحياة الطويلة والممتدة عبر سنوات تزيد على نصف قرن من الزمان، وتطمئن روحه فى أن تبقى إلى جوارهم فى رحلة الحياة الخالدة.
 
قبل الوصية كانت الأمنية فى أن يعود إلى حضن الوطن مصر على قدميه، يصافح القلوب التى أحبته، ويودع الأبواب التى كانت لا تزال مشرعة حتى يدخل منها لترتيب أوراقه الأخيرة، بعد أن تبعثرت بحكايات غير مكتملة على لسان البعض الذى لا يملك نصف الحقيقة، وقصص لم يضع القضاء كلمة النهاية فيها  وهى فى عهدته الأمينة.
 
طالت سنوات الغربة على الكاتب الكبير إبراهيم نافع، واشتد الشوق به إلى ذكريات عريضة عاشها كانت حافلة بالعطاء والتوهج فى مصر المحروسة، والتى غادرها للمرة الأخيرة  قبل 6 سنوات فى رحلة سفر خارجية عادية دون أن يدرى أنها ستكون الأخيرة التى يترك فيها مصر ولا يعود بعدها، وهو يترجل على سلم الطائرة.   
 
فى نهاية العام الماضى، جرت محاولات عدة من أجل ترتيب عودته إلى مصر والمثول أمام القضاء للنظر فى الدعوى التى يحاكم فيها، وكانت التطمينات على أعلى مستوى بأن يعود ويتابع من داخل مصر سير القضية وهو مُصان بالحماية فى بيته، لكن المرض القاسى كان أقوى من كل المحاولات، وساءت حالته بدرجة كان من الصعوبة بمكان نقله إلى القاهرة فى ظل هذه الحالة الصحية.
عاش إبراهيم نافع سنواته الأخيرة خارج مصر، حتى وافته المنية فى المدينة الطبية  بمدينة دبى فى دولة الإمارات العربية المتحدة ليلة الأول من العام الجديد 2018، لكنه لم يتخل أبدا عن رقم هاتفه المصرى الذى كان متاحا لكل من يعرفه، يستقبل الاتصالات التى ترد إليه من مصر بصدر رحب دون أن يفكر فى تفعيل الرقم الإماراتى، حتى لا تكون هناك أدنى تكلفة على كل من يريد أن يسأل عليه أو يطمئن عليه طوال السنوات التى عاشها خارج مصر.
 
خلال رحلة اشتداد المرض عليه، انهالت التعليقات من زملاء المهنة الذين عاصروه ومروا بتجارب شخصية معه، وبدت الرسائل تعكس خصوصية فى طبيعة العلاقة التى تجمعه مع كل صحفى أو كاتب، كما لو كان هو الصديق المقرب له، والعلاقة التى تربطه به غاية فى الخصوصية والتميز، وهذه هى شخصية إبراهيم نافع التى تمنح الجميع دفء العلاقة الخاصة وطبيعة الصداقة الحميمة، للحد الذى يشعركل من كان يتعامل معه عن قرب، أنه يختصه بمساحة من الدفء والقرب والتقدير،وهى ملكات نادرة فى شخصيته مكنته طوال فترة رئاسته لمؤسسة الأهرام، وعبر دورات متتالية شغل فيها منصب نقيب الصحفيين، من أن يجمع من حوله أطياف العمل الصحفى، ويكسب ثقة رموز التيارات السياسية المتنافسة، وأن يحظى بثقة الغالبية من المجتمع الصحفى فى المعارك الانتخابية الشرسة التى كان يخوضها على مقعد نقيب الصحفيين.
كل من تعامل معه يشهد له بالذكاء الحاد والتواضع الكبير، شخصية تتمتع بالبديهة السريعة والحضور الطاغى، كان لماحا ذكيا إلى أقصى درجات الذكاء، والبراعة فى فنون الإدارة والتعامل مع الغير، فهو صاحب مدرسة الإنجاز فى الإدارة، ويمتلك موسوعة خاصة به فى العبارات القصيرة والمركزة، التى كان يكتبها على الخطابات الرسمية التى يتلقاها خلال رئاسته لمجلس إدارة وتحرير الأهرام، وربما لو تم جمعها فى كتاب لشكلت موسوعة فريدة من نوعها فى رد الرؤساء على خطابات العمل بطريقة قصيرة جدا ودالة إلى أبعد الحدود.
 
كان يمتلك خطا بديعا فى الكتابة، وله توقيع مميز يعكس شخصيته الواثقة فى النفس وفى المؤسسة التى يترأسها، وفى نقابة الصحفيين التى يجلس على مقعد النقيب فيها.
رحلة النهاية  فى مطار القاهرة، جاءت تحمل كل معانى الوفاء والتقدير له، حيث كان فى استقباله بالمطار الكاتب كرم جبر، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، والكاتب عبد المحسن سلامة، رئيس مجلس إدارة الأهرام ونقيب الصحفيين، والكاتب علاء ثابت، رئيس تحرير الأهرام، وحشد كبير من الزملاء، وهو تقدير يجعل روحه ترفرف فى السماء وهى راضية عن ثمار غرسها وأنبتت خيرا.
سيبقى اسمه كبيرا فى تاريخ الصحافة المصرية والعربية، حاضرا فى المشهد الإعلامى بمواقف محفورة فى الذاكرة ارتبط بعلاقات قوية مع ملوك ورؤساء كانت تضع مكانة الكاتب والصحفى فى الموقع المناسب على الدوام.
 
واجه حملات شرسة فى النهايات، وكان صامدا لا يفضل الظهور الإعلامى، ويتريث طويلا قبل الحديث عن الغير، حتى أولئك الذين هاجموه، ورحل وهو محمل بالأسرار والمعلومات التى لو خرجت إلى النور لكانت مدوية بحجم ما عرف فى حياته، وربما يكون فعلها، وكتب مذكراته خلال تجربة الغربة وربما لا، وفى الحالتين يبقى رصيده حافلا وسيرته ممتدة وقصة ناجحة فى بلاط صاحبة الجلالة، مفرداتها الموهبة والطموح واستثمار الفرصة وعدم النظر إلى الماضى، مهما كان والثقة فى أن تحقيق الأفضل ممكن فى كل وقت.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg