المجلة



خبراء علم نفس واجتماع لـ«الأهرام العربي»: الزعيم «جمال عبدالناصر» رمز العدالة الاجتماعية

15-1-2018 | 05:33
تحقيق - وفاء فراج

لماذا بقى عبد الناصر حيا رغم مرور كل تلك السنوات ورغم الاتفاق والاختلاف حول شخصيته ومواقفه السياسية؟ لماذا ظل رغم ذلك الجدل حوله الزعيم المنقذ الذى ما زالت خطاباته تلهب المشاعر، لماذا ظل كل تلك السنوات فى قلوب وعقول المصريين وظل رمزا للحرية والكرامة فى مصر والعالم كله، رغم ما قد تشوب فترة حكمه من سلبيات؟ هذا ما يجيب عنه علماء النفس والاجتماع من واقع تحليلهم للشخصية المصرية ولشخص عبد الناصر، فى السطور التالية:
 
د. قدرى حفنى: يمثل الحنين الجارف للعدالة الاجتماعية 
 
 الدكتور قدرى حفنى، أستاذ علم النفس السياسى بجامعة عين شمس، يقول: هذا سؤال طالما طرأ على ذهنى وهو كيف يمكن تقييم عبد الناصر، الذى ما زالت جماهير غفيرة من المصريين تحمل صوره كلما ضاقت بهم الحياة، مستفسرا ماذا  بقى من عبد الناصر بعد كل تلك السنوات ليلهب حماس الجماهير، ويجعلها ترفع صورته وتهتف باسمه وتردد أغانى عصره فى كل مناسبة احتجاجية. لقد مضى عبد الناصر وانتهى عصره، ولم يعد ثمة إغراء بمنصب ولا تخويف بعصا، بل إن بعضا ممن يهتفون باسمه الآن، ويرفعون رايته أصابهم من عنت السلطة الناصرية الكثير، والأكثر منهم لم يعاصروه. ولعل الاقتراب من هتافات المحتفلين بعبد الناصر يكشف أنهم يرون فيه رمزا للعدل الاجتماعى ولطهارة اليد وللاستقلال الوطنى وللانحياز للفقراء.
 
وأشار حفنى إلى أنه قد اختلف الكثيرون من معارضى ناصر حول تبرير تلك الجماهيرية إلى حد انزلاق البعض إلى اتهام الجماهير المحبة لعبد الناصر بالغفلة أوالسذاجة، مشيرا إلى ذلك الحنين الجارف إلى عصر يوزع أرض الأغنياء على فقراء الفلاحين، ويضمن عدالة توزيع الطلاب على الجامعات وفقا لمجموعهم، ويوفر لكل خريج وظيفة تكفل له حياة لائقة إلى آخر ملامح الصورة الناصرية.
 
ويؤكد أستاذ علم النفس السياسى، أنه من الناحية المنهجية والوطنية أيضا ينبغى الحذر من أن يندفع المرء تحت وطأة معاناته الشخصية وإدانته لسلبيات حقبة تاريخية طالته آلامها إلى تجريد تلك الحقبة من أى إيجابية، أو تلويث تلك الإيجابيات؛ ومن ناحية أخرى لا ينبغى أن يندفع المرء فى سبيله للدفاع عن إيجابيات مرحلة تاريخية إلى حد ألا يرى أخطاءها، وأن يبرر خطاياها؛ فمثل ذلك الموقف لا يعتبر خطأ منهجيا فحسب بل هو أيضا خطيئة سياسية ووطنية؛ حيث يؤدى عمليا إلى تكريس تقديس رموز بشرية تاريخية، وهذا ما يحدث اليوم دون وعى أو تفكير من قبل الناس تجاه شخص عبد الناصر، مشيرا إلى أنه ليس علينا لكى ندافع مثلا عن تاريخنا الفرعونى، ونفخر به أن يقتصر حديثنا على ما يحفل به التاريخ الفرعونى من منجزات علمية وحضارية باهرة، دون أن نشير إلى تأليه أجدادنا لحكامهم، موضحا أن حقبة حكم عبد الناصر حافلة بالإنجازات والانكسارات، فإنها الحقبة التى شهدت قرارات الإصلاح الزراعى، وتأميم قناة السويس ثم تأميم الشركات الكبرى وبناء السد العالي، وهى أيضا الحقبة التى كرست سلطة الحزب الواحد، وهى الحقبة ذاتها التى شهدت للمرة الأولى فى تاريخ مصر تكريسا رسميا لفصل الذكور عن الإناث فى التعليم الجامعى بإنشاء كليات جامعة الأزهر وكلية البنات، وهى الحقبة التى شهدت قيام الوحدة المصرية السورية. كما شهدت انهيارها، وهى الحقبة التى شهدت أعنف حملات اعتقالات وتعذيب للمنتمين لكافة التنظيمات السياسية المعارضة، وهى الحقبة التى شهدت واحدة من المرات النادرة التى خرج فيها الجيش المصرى ليقاتل وتسيل دماؤه خارج حدوده الوطنية فى اليمن، حيث فقدنا ما يزيد على 15 آلاف شهيد، وهى الحقبة التى شهدت أيضا اختيار عبد الناصر لأنور السادات نائبا له بعد هزيمة 1967، التى سالت فيها على أرض سيناء دماء ما يقرب من 10 آلاف شهيد. إنها حقبة شهدت ما هو إيجابى وما هو سلبى، وما هو مثير للجدل؛ وكانت الحقبة بكل ما فيها تحمل اسم عبد الناصر وتحت مسئوليته.
 
د. جمال فرويز: البسطاء والنهضة الصناعية «كلمة السر» 
 
الدكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسى ورئيس لجنة الصحة النفسية بالمجلس القومى لحقوق الإنسان، يؤكد أن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أحبه الناس لأنه أحبهم، حيث كان قريبا من الشعب وقرب الشعب منه، فكان بسيطا يسير وسط الناس بسيارته ويحرص على تحية المواطنين أثناء صلاة الجمعة، وغيرها الكثير من التصرفات البسيطة التى تسعد البسطاء والعامة، كما أن عصره شهد أكبر نهضة صناعية شهدتها مصر بعد نهضة محمد على، وله إنجازات فى مسائل العدالة الاجتماعية مما قرب منه الطبقات الفقيرة والمتوسطة، لذلك ما زال البسطاء وأصحاب الأفكار التحررية يرون فى شخص جمال عبد الناصر حلما يريدون استعادته من خلال رفع صوره فى الميادين وخلال الاعتصامات والثورات، مؤكدا أن الشخصية المصرية فى عهد الزعيم جمال عبد الناصر كانت فى أفضل حالاتها ونضوجها الاجتماعى والسياسى والثقافى. 
 
وأشار فرويز إلى أن الظروف وقت حكم عبد الناصر جاءت لصالحه، ولزيادة حب الشعب له، لأن الحروب من شيمها تجميع الشعوب والتفاف الشعب حول حاكمه ودعمه فى حروبه، خصوصا أنه خاض ثلاث حروب قربت الشعب له وهى (حرب 56 وحرب 67 وحرب الاستنزاف)، فكانت فرصته لالتفاف الشعب حوله، وأيضا ساعدة الإعلام الواحد المسيطر عليه من قبل الدولة سواء راديو أو تليفزيون أو جرائد، والذى كان يمجد عبد الناصر ليل نهار ويتحدث عن مواقفه وإنجازاته، فتولد لدى المواطن المصرى حب لشخص الزعيم جمال عبد الناصر سواء بوعيه أو دون وعيه من هذه الأسباب، مضيفا أن المصريين بطبعهم يكرهون إسرائيل وأمريكا وشاركهم هذا الكره عبد الناصر، وأعلن حربه ضدهم أمام العالم وتحدى أمريكا مما جعله البطل القوى الوحيد المنقذ أمام المواطن المصري. بل أمام المواطن العربى والإفريقى أيضا، لدرجة أن أهل مدن القناة المهجرين أثناء الحرب قاموا بتلطيخ أنفسهم بالطين فى جنازته، لأنهم اعتقدوا أن قضية تحرير أرضهم ورجوعهم إليها ماتت مع عبد الناصر، وعلى الرغم من كل تلك السنين على رحيل عبد الناصر فما زالت دولا مثل الكونغو السلفادور والأرجنتين لا تعرف سوى مصر عبد الناصر. 
 
د. فؤاد السعيد: العزة والكرامة وضعته فى مرتبة «القديس» 
 
الدكتور فؤاد السعيد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية يقول: عبد الناصر من أكثر الزعماء الذين جسدوا شخصية البطل القومى أمام المجتمع المحلى والدولى، فيما يخص تناوله لقضايا الاستعمار وتحقيق العدالة الاجتماعية والتقدم بمصر فى كل القطاعات، وقد جسد كل تلك المعانى للبطل والمنقذ والملهم بشكل لم يسبقه قبله أو بعده أى زعيم حكم مصر، فكان طموحه وأحلامه لا حدود لها، وأكبر من أى إمكانات، وهذا داعب الأحلام نفسها لدى الشعب المصرى، أما الرؤساء الآخرون فقد كانوا واقعيين مع تعاملهم مع إمكانات الدولة وحدود قوتها مع الآخرين مما أحبط الشعب.
 
وأشار السعيد إلى أن المصريين يسترجعون ذكرى عبد الناصر فى المحن والأزمات، وكأنهم يطالبون بعودته إلى الحياة من جديد، وهو ما شهدناه بقوة فى ثورة يناير، حيث كانت أهداف الثورة "عيش، حرية، عدالة اجتماعية" هى نفسها أفكار الزعيم الراحل، بالإضافة إلى أن مصر ناصر كان لها موقف قوى فى ساحة السياسة العالمية، بما أشبع إحساس الشخصية المصرية بالعزة والكرامة.
 
د. أحمد زايد: تحديه للقوى الخارجيه سبب «الكاريزما» 
 
الدكتور  أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع وعميد كلية الآداب جامعة القاهرة السابق: يرى أن كل الشعوب لديها الشخصية التى تخلدها، فالشعب الهندى يخلد شخصية "غاندي"، و"نهرو" رئيس وزراء الهند، والشعب الغانى يخلد شخصية "نكروما" رئيس غانا الأسبق، والشعب اليوغسلافى يخلد شخصية" تيتو"، وشعب جنوب إفريقيا يخلد شخصية "نيلسون مانديلا"، والشعب الأرجنتينى يخلد شخصية "جيفارا " والشعب الماليزى يخلد شخصية مهاتير محمد. 
 
أما فيما يخص شخصية عبد الناصر فإن الذاكرة الوطنية المصرية حفرت له مكانة ذهبية لأسباب كثيرة أولها سماته الشخصية وكاريزمته وطريقته فى إلقاء الخطب، ثم إصراره على رفع الشعارات الوطنية وتحديه للقوى العظمى دون خوف ومحاولاته فى جعل لمصر مكانة كبرى فى الداخل والخارج. ثم إنجازاته الملموسة على الواقع الاقتصادى والاجتماعى المصرى حيث استطاع نقل مصر من تصنيفها كدولة زراعية إلى دولة صناعية، والطفرة التى أنشأها فى الصناعة الوطنية من خلال مصانع كمصنع الحديد والصلب والغزل والنسيج، ومصنع نحج حمادى لقصب السكر، وبنائه للسد العالى لمصدر لتوفير الطاقة والمياه، وخطواته فى الاستصلاح الزراعى والعدالة الاجتماعية كانت سباقة ولم يصل إليها أحد من قبله أو بعده، مشيرا إلى أنه استطاع على المستوى الخارجى أن حفر اسما ومكانة لمصر من خلال إنجازات ضخمة ومساعدات لدول عديدة فى حربها مع الاستعمار والتحرر، وأيضا من خلال اشتراكه فى (حركة عدم الانحياز ) أو الحياد الإيجابى مع زعماء كنهرو وتيتو، مما أدى إلى رفع ذكر اسم مصر باحترام على مستوى العالم كله.
 
ويؤكد أستاذ علم الاجتماع السياسى، أنه رغم سلبيات حكم وعهد جمال عبد الناصر، فإنها مقابل إنجازاته تعتبر لا شىء لأنه أعطى لمصر والمصريين الكثير جدا، مما علق فى أذهانهم وجعل ذكراه واسمه مرادفين للحب والاحترام لمعظم الشخصية المصرية، وأيضا كلما مر الزمان على تلك الحقبة التاريخية وحاكمها عبد الناصر، كلما أدرك المصريون أهمية تلك المرحلة وقيمة الزعيم عبد الناصر،، ورفع شعارات عبد الناصر وصوره ما هى إلا رسالة من العقل الباطن للمواطن المصرى تطالب بعودة تلك الحقبة وذلك الزعيم، مؤكدا أن الظروف اختلفت تماما عن وقت عبد الناصر والظروف وقتها جميعا ساعدته، أن عبد الناصر نفسه لو كان موجودا فى الظروف الحالية لما كان نجح كل ذلك النجاح. 
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg