المجلة



المدير العام للأرشيف الوطنى الجزائرى لـ«الأهرام العربي»: شخصيه «عبدالناصر» عبرت عن طموحات الشعوب العربية

13-1-2018 | 03:07
حوار - سهير عبد الحميد - تصوير - أيمن إبراهيم

الحنين للستينيات سيظل قائما والمواطن العربى يستلهم من ناصر ما يحتاجه ليومه
 
شخصيته عابرة للقارات عبرت عن طموحات الشعوب العربية وغير العربية
 
إن كان لعبد الناصر مكان ومكانة فى قلب كل الشعوب العربية، فله فى الوجدان الجزائرى خاصة مساحة وساحة من الحب والتقدير، نظرا لذلك الدور الذى قام به الزعيم الراحل فى دعم الثورة الجزائرية، ثورة المليون ونصف المليون شهيد. ثم دعم الجزائر عقب الاستقلال بتقديم كل العون والخبرات المصرية خصوصا فى مجال التدريس.. لذلك مازال ناصر ملء السمع والبصر، ليس فقط فى وجدان الشيوخ بل أيضا فى يقين الشباب الجزائرى. أما شيوخ الجزائر فلناصر فى قلوبهم وعقولهم ذكريات لا تنسى، ومن بينهم عبد المجيد شيخى وهو أحد الثائرين المناضلين الذين لم ينسوا مرارة الاستعمار وحلاوة الانتصار.. هو أيضا عروبى قومى يؤمن بالقومية العربية وبأحلام الوحدة التى وجدتها فى عينيه وحديثه، وهو يخبرنى أنه كتب تأبينا مؤثرا يوم رحيل عبد الناصر نشرته مجلة الجيش الجزائرى. بعد رحيل المحتل أصبح السيد شيخى يناضل فى مجال آخر وهو حماية التراث القومى والذاكرة الوطنية من خلال مسئولياته عن حماية الوثائق القومية. 
 
 هل ناصر فى تاريخنا العربى زعيم أم رمز للعزة والكرامة أم أنه حالة صنعتها مقومات شخصية وظروف سياسية واجتماعية؟
 
كانت شخصية عبد الناصر، شخصية عابرة للقارات تتحدث حديثا جديدا لم يعهده العالم فهدد مضاجع المستبدين فى كل مكان، وكانت الآلة الإعلامية قد سخرت لنقل الكلمة الهادرة والدافئة فى الوقت نفسه... ولم يخاطب العالم بتلك اللهجة منذ أمد بعيد منذ لينين فى الاتحاد السوفيتي.. وتحولت مصر إلى ورشة كبيرة ودقت ساعة العمل وشمر الناس على السواعد واجتاحت المجتمع المصرى موجة ساحقة أخذت تقضى على الفوارق الاجتماعية والامتيازات، لا لشيء سوى أن فلسفة جديدة فى التعامل أخذت طريقها لتزعزع الركود والجمود وتشحذ الهمم... لقد شهد المجتمع المصرى تحولا عميقا فى ظرف قصير جدا لم يتعد سنتين أو ثلاثا على أقصى تقدير، وانتصبت الدولة الجديدة فى موقع المشارك الفاعل فيما يجرى من حولها فى المحيط المباشر ولم يمر وقت طويل حتى صارت الطرف الذى بدا صوته يسمع... واستمعت الشعوب العربية إلى صوت مصر بحذر شديد وبدأ ضميرها يستيقظ من سبات طويل وطرقت النظم العربية الأسماع وأحست بالتهديد الواضح خوفا من الموجة الجارفة الآتية من ضفاف النيل.. لكن الأمر لم يكن هينا ولا سهلا.. فتغيير العقليات لا يتأتى بجرة قلم، فلكل نظام طقوسه وتقاليده وما يصلح لشعب قد لا يصلح لشعب آخر.
 
ثم كان النموذج الجديد للتنظيم الاجتماعى فى مصر، قررته الدولة ونفذته بنفسها لأنها جندت له كل الإمكانات المادية المتوفرة والبشرية خاصة... فكان الخطاب السياسى خطابا شعبيا بالدرجة الأولى برهنت الدولة من خلاله ومن خلال الإنجازات أنه خطاب صادق، آمن به الشعب وتجند وراء الدولة لإنجاحه فى الميدان. وقد عملت الآلة الإعلامية المصرية على نقل هذا الخطاب إلى ما وراء الحدود، فصار الخطاب عن قصد أو عن غير قصد موجها للشعوب العربية. بل إن عبد الناصر نفسه أحس بأن خطابه – خطاب الثورة – قد ينفع فى أجواء أخرى غير الجو المصرى، فركز على شعارات "الأمة العربية" و"الوحدة العربية" و"المصير المشترك" متجاوزا فى ذلك حدود الدولة القطرية، إيمانا منه بأن تشكيلة العربية الجغرافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية أوسع من أن تحدها الدولة القطرية.
 
 كيف ترى عبد الناصر فى وجدان الشارع الجزائرى بين الأمس واليوم؟
 
إذا كانت شخصية ناصر عابرة للقارات لأنها تعبر عن طموحات كثير من الشعوب العربية وغير العربية، فقد كانت هذه الشخصية فى حاجة إلى رافد ينقلها إلى ميادين التحرير الذى تتوق له الشعوب بأسرها...فكانت الثورة الجزائرية هى هذا الرافد... احتضنت مصر الثورة الجزائرية بكل حزم وجد وبكل إخلاص أيضا، وفتحت لها المجالات كلها، وفتحت الثورة الجزائرية العالم بأسره للثورة المصرية، فصالت وجالت فى كل المحافل، وتغذى الخطاب الناصرى بما تحققه الثورة الجزائرية من انتصارات. بل إن الثورة المصرية انصهرت مع الثورة الجزائرية حتى اتهمت مصر بأنها المحرض الأكبر على القوى الاستعمارية فى العالم... 
 
فأصبح الحديث رائجا عن "الخطر الناصري" وعن عدم انصياع الشعوب لقادتها فشكلت الأحلاف وعادت المنطقة إلى طوق المحاصرة والمراقبة... أمم القنال ووقع العدوان الثلاثى وتشكل حلف بغداد... ووقعت الوحدة السورية المصرية كرد فعل للتحالف العربى والتضامن أيضا... وشقت الثورة الجزائرية طريقها نحو النصر المبين وتنفصل سوريا عن مصر ويسقط حلم الوحدة العربية... وتعود الأطراف للتشاور حول إعادة التواصل بانضمام العراق واليمن، وعادت أجواء الوحدة تنبلج لكنها تتعتم بسبب موقف غريب من جمال عبد الناصر الذى بدأ يفقد زمام الحكمة، ويتدخل فى اليمن ويقع عدوان 1967 وتحطم قوة مصر، ويواجه عبد الناصر الأمة العربية بخطاب الاستقالة المؤلم الذى يبين رجلا محطما يستجدى الدول العربية لمساعدته على "إزالة آثار العدوان"، وتتجند الدول العربية لذلك رغم كل الخلافات السياسية التى لم يحسن عبد الناصر إدارتها، بل أدار ظهره لها واتخذها مطية لإشعال الفتن الداخلية أملا فى هبة الشعوب ضد أنظمتها...لكن هذه الهبة لم تقع...لو انتصر عبد الناصر فى المعارك العربية المصيرية لاختلف الأمر...
 
 ما تقييمك لتجارب الوحدة فى عهد ناصر؟
 
 لقد سعى عبد الناصر إلى توحيد الصف العربى بكل إخلاص لكن من منظوره الخاص دون اعتبار الوضع الجيوسياسى القائم فى ذلك الوقت ومتجاهلا الأنظمة العربية أو محاولا جرها إلى قبول أسلوبه الذى يعنى ذوبان هذه الأنظمة وانحلالها لتكون القيادة ناصرية جنسا وعملا... لقد كانت التجربة مع سوريا غنية بالدروس التى لم يستخلصها عبد الناصر، ولم يعمل على الأخذ بها، بل استمر فى سعيه إلى تأليب الشعوب بالخطاب المباشر دون مراعاة للواقع السياسى السائد والظروف الدولية التى لم تكن مواتية بتاتا...و لم يتفطن إلى رد فعل تلك الأنظمة التى انتهجت خطابا مغايرا أخذ طرقه تدريجيا فى صفوف الجماهير العربية، ليحل محل الخطاب الناصرى أو على الأقل ليقلل من اثره على المسار العام داخل بعض الدول العربية...و مفاد هذا الخطاب المغاير أن مطلب الوحدة العربية مطلب ومطمح عربى لا يختلف فيه اثنان، ولكن لا يمكن أن يكون بهيمنة زيد أو عمر....ذلك أن الشعوب العربية لم ترسخ لديها فكرة الدولة القطرية كما هى راسخة عند مؤسسيها فى الغرب، وأن الفضاء العربى الفسيح كفيل بأن يشكل فضاء سياسيا واحدا، وهذا يقتضى انتهاج أسلوب مغاير للأسلوب الناصرى الذى يرمى إلى إحلال ريادة مصرية وقيادة مصرية تقود الأمة العربية دون مراعاة الأقطاب التى نمت وترعرعت وحكمت لمدة قرون... أن تزول هذه الأقطاب بجرة قلم وبإرادة منفردة، فهذا من المستحيلات السبعة... ولم تعمل السياسة الناصرية على التخفيف من حدة التوتر ومن تفشى الخطاب الجديد للقادة العرب مع شعوبها، لم تعمل على ذلك بل أذكت ناره باتهام قيادات وطنية بالخيانة لشعوبها ورميها بالعمالة والسير فى تيار عكس تيار التاريخ...
 
 لماذا يظل الحنين إلى تجارب الستينيات فى المنطقة العربية قائما.. وهل تتقاسم الجزائر مع سائر المنطقة ذلك الحنين؟ 
 
إن الضمير العربى اليوم، وهو يعيش عصرا عصيبا من التشكيك فى كل شيء، ومن الخيبة فيما يتعلق بالعمل العربى الموحد، يلتفت لا محالة لما بنى فى الماضى ويتساءل عما يمكن أن يستخلصه من تجارب الرعيل الأول الذى بنى وشيد وانكسر....وتجارب الخمسينيات والستينيات تشكل المنهل الذى يجب أن ننهل منه التجارب حلوها ومرها....و أعتقد أن عبد الناصر ما زال يعيش فى أعماق كل عربى، وأن كل عربى يأخذ من معينه ما يحتاجه ليومه وما يمكن أن يساعده لبناء غده، لكن مع إدماج ما فى التجربة من روافد إيجابية وسلبية لان ما كان مع عبد الناصر طبع عصرا. 
 
إن الشارع الجزائرى لا يختلف عن الشارع فى كل البلاد العربية، فالتراث الذى تركه الأوائل ممكن كافحوا وجاهدوا من أجل رسم الغد الأفضل للأمة العربية... تراث ما زال فى الأذهان ولا يزال الشباب اليوم ينهل منه بنظرة نقدية بعيدة عن العاطفة، وهذا لعمرى أمر عادى لأن الأجواء التى عشنا فى ظلها ذهبت... فهل تعود؟ لا شك أنها ستعود لأن ذلك من طبيعة الأمور، وهذا دور الطبقات المثقفة والأحزاب السياسية التى تتبنى الفكر الوحدوى التى لم تجد فى وقتنا الحاضر سبيلا للتأثير الفعلى على الشارع العربى لتبنيها هدفا سياسيا ضيق الآفاق، يتمثل فى السهر على الوصول إلى السلطة دون قاعدة شعبية واسعة وواعية....شعارها فلنصل إلى الحكم ثم نتصرف بعد ذلك...
 
إن فلسفة الثورة يبقى كتابا تقرأه الأجيال على مر الزمن، لكنه كتاب تطعمه فلسفة الثورات العربية الأخرى، التى كانت لها إسهامات وتطعمه أيضا مسارات الشعوب العربية فى معاناتها ونضالها عبر الزمن.. إن المستقبل العربى يبنى اليوم مع الأجيال الصاعدة التى يجب أن تتحسس الطريق بمصباح أوقده الجيل بل الأجيال السابقة.. فمسار الأمة العربية والوحدة العربية لم يبدأه عبد الناصر لينتهى مع عبد الناصر، ولكن عبد الناصر كان أذكى أجيجه وأخرجه من جديد إلى النور.... وإننى لا أشك لحظة واحدة من أن هذه الشعلة التى حملها عبد الناصر وأمثال عبد الناصر فى الوطن العربى لن تنطفئ بل ستزداد إشراقا إلى أن تتحقق، إن شاء الله، طال الأمد أم قصر.. إن ثقتى قوية فى حكمة الضمير العربى والشعوب العربية وتبصرها ورحابة صدرها لتجعل مطامحها فى متناول اليد.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg