رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 22 سبتمبر 2018

المجلة



مصر.. بين زعامتين «عبدالناصر» و«أم كلثوم»

15-1-2018 | 05:33
سيد محمود

كوكب الشرق تنعى عبدالناصر بالبكاء وهى تغنى: ودارت الأيام
 
زعيم الأمة محذرا فتحى رضوان: أوعى تزعل أم كلثوم 
 
كلنا قرأنا عن علاقة أم كلثوم  مع جمال عبد الناصر، وبعضنا أدرك خصوصية هذه العلاقة التى كانت بين زعامتين، الأولى زعامة  شخصية فنية اختارها الناس والثانية كانت  لشخصية سياسية أحبها الناس،  لكن أهم ما فى العلاقة أنها قامت أيضا على إدراك الظرف الموضوعى وفهم اللحظة التا ريخية.   
 
غنت أم كلثوم  قبل  23 یولیو 1952 وازدهرت قبلها، كانت  بكل المقاييس  هى الملكة التى اختارها الشعب  لتحكم من مسرح الأزبكية، وفى ظل وجود ملك آخر فى قصر عابدين، لم يختره أحد أنطوت علاقته مع الشعب على كل أشكال  التناقض والكثير من الاستبداد. 
 
وحين جاء أوان التغيير كان الملك  أول من دفع الثمن،  وتخلى عن عرشه فيما كانت أم كلثوم  على عرش آخر فى المسافة التى تسمح لها بتأمل ما يجري.
 
كانت تعرف أن نجاحها  ستستعمله  النخبة الثورية الجديدة، لتؤكد قدرة ممثليها من الضباط  على النجاح.
 
ويصعب على المتأمل فى مبررات صعود أم كلثوم أن يتجاهل كونها فتاة ريفية جاءت من أسرة بسيطة، لكنها امتلكت أسباب الانطلاق ودوافعه  وكانت بمعنى ما  تمثل قيمة للضباط الأحرار  الذين اعتبروا أنفسهم فى مكانة "المخلص" القادر على تمكين أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
 
 و"ثومة"هى المكون الجامع لوجدان هؤلاء، فهى مغنية شعبية بمعنى قدرتها على تمثيل جميع الطبقات على نحو متكافىء.
 
ومع تبنى خطط وإجراءات الإصلاح الزراعى ومجانية التعليم الجامعى، وغيرها من القرارات، كان من الطبيعى أن يساعد اتساع حجم الطبقة الوسطى على  المزيد من "تمكين" أم كلثوم لأن أبناء هذه الطبقة أصبحوا قادرين، ربما لأول مرة على امتلاك وسائط وأجهزة (راديو ثم تليفزيون) أو شراء تذاكر فى حفلات  غنائية حية تمكنهم من التواصل معها أكثر  وأدركت هى بنزعتها الفردية أن يوليو 52  نقطة فاصلة تفصل بين عصرين وأنها  إزاء "ميلاد جديد" وعليها ألا تدير ظهرها للتاريخ وتتفاعل مع هذه الولادة لكى لا تموت.
 
ويدرك مشاهد حفلات أم كلثوم قبل الثورة وبعدها الفارق فى نوعية الجمهور الذى صار مع يوليو 1952 أكثر تنوعا وقدرة على التعبير الصحيح عن المجتمع المصرى فى نسخته الناصرية جمهور  "تحالف قوى الشعب العامل "  يظهر فى صور لايمكن اعتبارها كاريكاتيرية على الإطلاق.   
 
وتشير العديد من الوقائع  إلى أن ثومة وعبد الناصر التقيا  فى معادلة يمكن أن نسميها معادلة  "الإدراك المشترك"، فكل طرف  أدرك قيمة الطرف الآخر ولم يعتبره فى مكانة الطرف النقيض أو الأقل بل هوالطرف المكمل للمعادلة التى احتفت بالأوزان النسبية واستمدت قدرتها من التأثير فى "الجمهور" وهو ميراث مستمد من مزاج الثلاثينيات، حيث الحشد هو كل شيء.  
 
ومن اللافت للنظر أن  الإعجاب بأم كلثوم عكس ما هو شائع لم يكن موضع قبول داخل أجهزة الدولة الناصرية، كما يعتقد البعض، فبخلاف موقف حكمدار الإذاعة الذى منع أغانيها فى بداية الثورة، لأنها جزء من النظام البائد وهوموقف واجهه جمال عبد الناصر بشدة، كان الكاتب الراحل فتحى رضوان الذى كان أول وزير للثقافة والإرشاد القومي، كما يروى الكاتب سعيد الشحات فى كتابه (أم كلثوم وحكام مصر) من غير المعجبين تماما بأغنيات كوكب الشرق، بل انتقد علانية وأمام عبد الناصر نمط الإعادة وتكرار المقاطع، مما يؤدى لطول زمن حفلاتها وحين جاهر بهذا الرأى  رد ناصر بوضوح (أوعى تزعل أم كلثوم).
 
وفى هذا التصريح المنطوى على توجيه سياسى مباشر يبدو واضحا،  كيف أدرك عبد الناصر قيمة الصوت ونفوذه الجماهيري؟  وتدريجيا أدركت هى قيمته كقائد وسعت منذ اللقاءات لأن تكون  قائمة على قاعدة "أن المقامات محفوظة "  لذلك كانت العلاقة معه "عائلية" ضمنت معها  الأمان الذى يكسر المسافة.   صحيح أن الظاهرة الكلثومية  بدأت وازدهرت فى مصر الملكية فإنها لم تكتمل إلا فى مصر الناصرية، حيث ارتبطت الظاهرتان وتداخلتا وتشابكت مصالحهما ومواقفهما  هذا ما صاغه الكاتب حازم صاغية فى كتابه "الهوى دون أهله "( دار الجديد ) الذى يمكن اعتباره كتاب ضد "قداسة أم كلثوم"، لكنه فى المقابل أيضا  من دعاة النظر لها كتمثيل فنى لتجلى فكرة العروبة على الطريقة الناصرية وهى فكرة جذابة وصحيحة إلى حد كبير بشرط التعاطى معها بحذر. 
 
ولدت جامعة الدول العربية سياسيا  فى مصر الملكية فى العام 1945 لكن أم كلثوم جعلت منها واقعا إنسانيا قبل ذلك بكثير حين كان العرب يجتمعون على محبة صوتها  منذ أن بدأت جولاتها فى فلسطين وبغداد وبلاد الشام كوسيلة للحصول على اعتراف "قومي" بموهبتها إلا أن عبد الناصر نجح  بتركيبته الكاريزمية فى أن يعطى لفكرة العروبة عنوانا أكبر هو  مصر  التى تحولت لقائد بكل  ما لها من رمزية لتصبح هى (صوت العرب).  
 
وهنا تحولت أم كلثوم  التى كانت جوهر قوة مصر الناعمة لأداة من أدوات مصر الناصرية لتأكيد حضورها وتعميق مشروعها السياسي، وببساطة كما يقول الراحل كمال النجمى فقد أدرك جمال عبد الناصر بتكوينه السياسى  الدلالة الرمزية للالتفاف العربى حول صوت أم كلثوم وكيف أخذ شكلا قوميا، وبالتالى كان عليه الحفاظ على هذا الشكل الذى أخذ أبهى صورة فى التفاف الجماهير حول الراديو ليلة الخميس الأول من كل شهر.
 
ومن هنا يمكن أيضا فهم المبادرة التى تبنتها أم كلثوم عقب نكسة 67 حين قررت عمل حفلات المجهود الحربى فى العواصم العربية والعالمية بغرض إعادة بناء الجيش المصرى والأهم  تأمل رد فعل الدولة التى منحتها "جواز سفر " دبلوماسى كشكل من أشكال التفاعل الخلاق مع  تلك المبادرة التى كانت مسبوقة بمبادرة أخرى من الدولة التى  منحتها جائزتها التقديرية  بعد أن ظلت على قوائم الترشيح لثمانى سنوات قاوم فيها المفكر حسين فوزى مقرر لجنة الموسيقى منحها الجائزة لأنه اعتبرها مؤدية وليست "مؤلفة مبدعة" لكن عبد الناصر تدخل شخصيا لدى توفيق الحكيم الأمين العام للمجلس الأعلى للفنون والآداب مبديا أسفه عما سمعه بشأن "الموقف من أم كلثوم" التى  منحت الجائزة بعد ذلك لأنها قدمت إلى الدولة فى جميع المناسبات القومية صورة من تفاعل الفن وتجاوبه مع الأحداث الكبيرة وأشاعت التذوق الجمالى عن طريق اللحن والنغم وبصوتها الفريد، وأضافت إلى التاريخ الفنى مدرسة تعتمد على صفات لها قيمة استمرار التراث بعيدة عن التجمد.        
 
لكن هل  كانت أم كلثوم إلا مجرد "حكواتية "تعيد وتعمم قول النظام الناصري، كما يقول حازم صاغية  أم أنها تبنت هذه الشعارات عن قناعة  شأن أغلب المصريين فى ذلك الوقت لأن رفض العروبة  والإقرار بهوية أخرى كان موقفا نخبويا وليس شعبيا، كما أن التوجه العروبى لم ينطو على قرار بالتخلى عن الكوزموبوليتانية أو "التنوع الهوياتي" الذى خسرته مصر لكن وفقا لاعتبارات سياسية خاطئة وتفاعلا مع ظروف عالمية وإقليمية  لم تكن خالية من ضغوط.
 
ووفقا لقاعدة الارتباط بين أم كلثوم والناصرية يمكن فهم أسباب عزلتها عقب وفاة جمال عبد الناصر فهى حين عاودت تنظيم حفلاتها بإلحاح من الرئيس السادات بكت وهى تغنى (ودارت الأيام) البكاء الذى لم يحمل فقط معنى وداع عبد الناصر أمام جمهورهما المشترك، وإنما حمل  أيضا  الإدراك الصعب لمعنى اللحظة التى  لم تكن تلائم نفوذها فغابت عنها بدوافع المرض وفهم التاريخ.
 
وإذا كان جمهور ثومة علىامتداد قرن كامل تمكن من  القيام بعملية "إزالة" لأغنيات ثومة فى بداياتها الأولى فى الغناء "لأنها لم تعد ملائمة لما انتهت إليه، فعل الشيء نفسه فى أغنيات وطنية  لها ذات طابع دعائى  مثل أغنية غنتها عقب الانفصال عن الوحدة مع سوريا  يقول مطلعها "باسم مين" أغنية رديئة لم تصمد أمام اختبار التاريخ فيما ضمنت أغنيات وطنية  أخرى "العيش المطمئن" وواصلت حضورها فى الأحداث الكبرى وآخرها ثورتا 25 يناير و30 يونيو ومنها أغنية يا شعبنا الكبير ".
 
وفى السياق  ذاته من الصعب القبول بالفكرة التى تبنتها أقلية يسارية فى أجواء رفض نكسة 67 بالنظر لأم كلثوم  باعتبارها أسهمت  بأغنياتها العاطفية فى تخدير الشعب لأن أغنياتها ببساطة عاشت قبل هذا الظرف وبعده أى أنها لم تكن نتاج قرار سياسي، وإنما بالانتخاب الشعبى والاختيار الحر المباشر فى زمن لم تعرف فيها السياسة ذلك.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg