رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 20 ابريل 2019

المجلة



يتضمن إقامة حزام أمنى كردى جنوبى لتأمين حدودها.. المشروع التركى فى الشرق الأوسط وتحولاته

25-1-2018 | 02:21
بقلم: السفير د. عزمى خليفة

تركيا تستهدف نشر مزيد من القوى الإرهابية 
 
مخطط أردوغان يهدف لفك التكامل بين مصر ودول الخليج بعد ثورة 30 يونيو 
 
الإخوان فرطوا فى ثوابت الوطنية المصرية وأركان القومية العربية 
 
تغيرت البيئة السياسية الجديدة فى الشرق الأوسط تغييرا جذريا منذ نهايات العقد الأول من الألفية الثانية، وكانت السفينة المصرية تائهة بفعل هذه البيئة الجديدة، وبفعل التحولات الداخلية فى مصر التى أسفرت عن تولى الإخوان المسلمين الحكم، وكانت للإخوان توجهات سياسية لا تتناسب والدور المصرى من ناحية، ولا مع التوجهات العربية من جانب آخر.
 
 وكانت توجهات الإخوان قائمة على أن الوطن ما هو إلا حفنة من التراب العفن، مقابل الاهتمام بإقامة الخلافة الإسلامية التى هى غايتهم، حتى لو كان الخليفة الإسلامى تركيا، حيث عرف أردوغان نفسه أمام مكتب الإرشاد بأنه رئيس وزراء مسلم لدولة علمانية.
 
واستمرت السفينة المصرية تائهة، لأن الإخوان المسلمين بدأوا يفرطون فى ثوابت الوطنية المصرية وأركان القومية العربية، وكان حجر الزاوية لديهم الاحتفاظ بالحكم بأى ثمن، فإذا بمصر والعرب عامة ودول الخليج العربى خاصة، تواجه خمسة مشروعات إقليمية، اثنين منهما طرحتهما واشنطن فى مرحلة سابقة، وثلاثة مشروعات طرحتها كل من تركيا وإيران وإثيوبيا مختلفة التوجهات والسياسات والمخاطر، فقدر الأمة العربية جغرافيا أنها تشغل الجزء الأكبر من الشرق الأوسط، وقدرها تاريخيا أن هناك تفاعلا مع دول هذه المشروعات –كل على حدة - عبر التاريخ، وقدرها سياسيا أن هذه المشروعات الخمسة ظهرت نتيجة لحالة التيه والضعف العربى، بعد تشرذم التوجهات العربية والسياسات المعبرة عنها فى مطلع التسعينيات.
 
وهدف هذه المقالة تناول المشروع التركي، وجوهرة العثمانية الجديدة، وفى القلب منه احتواء جميع حركات الإسلام السياسى، خصوصا حركة الإخوان المسلمين، بما فى ذلك الحركات الإرهابية إن لزم الأمر، والحد الأدنى للمشروع إقامة حزام أمنى كردى جنوبى يستهدف تأمين الحدود التركية، بما فى ذلك عدم الممانعة فى ضم هذا الحزام لتركيا بصورة أو أخرى، أسوة بسابق ضمها لواء الإسكندرونة – محافظة هاتاي - وحده الأقصى إعادة إحياء الخلافة بضم الدول العربية إلى تركيا كمجال حيوي.
 
إن العثمانية الجديدة هى نتاج تفاعل تاريخ تركيا مع جغرافيتها كدولة محورية يوروآسيوية، وهو وضع لا تتسم به إلا تركيا وروسيا، ثم مصر التى تعد دولة محورية أفروآسيوية، ونظرا لموقع تركيا ومصر فى الشرق الأوسط، فإن المشروع التركى متعارض تماما مع المشروع المصري، وهو ناتج السياسات الخارجية التى وضعها أحمد داود أوغلو، ويستند إلى ستة مبادئ هى، تحقيق التوازن بين الأمن والحرية لجميع الدول والجماعات، وتصفير المشكلات مع دول الجوار، والتأثير الإيجابى التركى فى مختلف الأقاليم الداخلية والخارجية لدول الجوار (الشرق الأوسط، الاتحاد الأوروبى، الولايات المتحدة الأمريكية، آسيا الوسطى، إيران، إثيوبيا) واتباع سياسة خارجية متعددة الأبعاد، وإعادة صياغة محتوى الدبلوماسية التركية لتكون أكثر تناغما، ومن ثم اتباع أسلوب دبلوماسى جديد.
فى هذا الإطار تحددت أهداف المشروع التركى تجاه مصر فيما يلي:
أولا: فك التكامل الذى نشأ بعد 30 يونيو بين مصر ودول الخليج.
ثانيا: إشغال مصر بالنشاط الإرهابى من ناحية الحدود مع وضعها فى خانة رد الفعل.
ثالثا: إشغال مصر بالدعاية المضادة عبر قنوات الإخوان التى تم فتحها هناك.
وقد وضح ذلك من الدور التركى حيال الأزمة فى سوريا والعراق، ففى العراق لم تهتم تركيا بأى أدوار سواء تجاه العراق تحت الاحتلال الأمريكى ككل أم تجاه أكراد العراق،لأنها تعلم أن التخلص من الجيش العراقى كان مطلبا إسرائيليا بالأساس، ومن ثم ستستفيد منه بالتبعية، وعلى الرغم من توافر الرغبة الكردية للاستقلال، فإن تركيا نسقت مع الولايات المتحدة بهدف منع هذا الاستقلال، لأنها كانت قريبة من التوجهات الأمريكية بحكم عضويتها فى حلف الأطلنطى وبحكم استخدام أمريكا للقواعد العسكرية فى تركيا، وبحكم روابطها بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجلس أوروبا.
 إلا أنه بفشل محاولة الانقلاب التركى فى يوليو 2016، عدلت تركيا أهدافها لإقامة العثمانية الجديدة، خصوصا أن الأزمة السورية أفرزت تحولات دفعت تركيا إلى: 
أولا: التنسيق مع روسيا وإيران فى سوريا لحماية أردوغان من السقوط، ويصبح الهدف التركى فى سوريا اكثر تواضعا عبر ممارسة بعض النفوذ بدلا من إسقاط الأسد.
ثانيا: استبدال التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجى، ليكون التعاون مع قطر فى إطار أوسع عسكريا وإستراتيجيا من خلال إنشاء قاعدة عسكرية .
ثالثا: محاصرة مصر بقواعد عسكرية ومحاور تمس عصب الأمن القومى المصرى، من خلال القاعدة التركية العسكرية فى الصومال، والتقارب المباشر للتعاون مع إثيوبيا فى موضوع المياه والتعاون العسكرى، وإقامة علاقة إستراتيجية مع السودان .
رابعا: عقد اجتماعات عسكرية صريحة لرؤساء أركان تركيا وقطر والسودان بالخرطوم على هامش زيارة أردوغان للخرطوم، والاتفاق على منح تركيا حق إدارة جزيرة سواكن. 
خامسا: توسيع النشاط التركى فى تشاد لتأثيرها المباشر على الداخل الليبى المجاور لمصر مباشرة.
ويلاحظ أن تركيا تستهدف بالأساس نشر مزيد من القوى الإرهابية حول مصر، مستفيدة من البنية الأساسية الأمريكية فى إفريقيا، ممثلة فى مشروع كلينتون للقرن الإفريقى الكبير، الذى يضم إلى جانب كل دول حوض النيل الصومال والسودان وجيبوتى، وممثلا فى انتشار القوى الإرهابية فى دول الساحل والصحراء على جانبى خط التماس العربى ـ الإفريقى، وهو وجود داعم للميليشيات العسكرية فى ليبيا أيضا.
أما فى سوريا فكانت الأوضاع فيها مختلفة بحكم حسم الأوضاع فيها بعد محاولة الانقلاب الفاشل فى تركيا، وبحكم وجود ودور القوات الروسية فى سوريا، وبحكم محاربة روسيا فعلا للإرهاب، وتحديدا داعش والنصرة، ورغبتها فى الاستفادة من الأزمة استثمارا للموقع المتميز لتركيا عند ملتقى البلقان والقوقاز والشرق الأوسط، بحيث يمكن لروسيا القيام بدور رائد فى حل النزاعات التى كانت ولا تزال تؤثر سلبا فى علاقات تركيا بجيرانها المباشرين فى الأقاليم الثلاثة.
واستنادا لذلك، فقد أدت هذه السياسة التى صاغها أحمد داود أوغلو، أستاذ الجامعة، الذى اختاره رجب طيب أردوغان وزيرا للخارجية، ثم رئيسا للوزراء قبيل الإطاحة به إلى تحسين العلاقات مع روسيا فى مجالى الطاقة والاقتصاد، وتحسين وضعية تركيا الإستراتيجية فى المحيط الروسى وفى القوقاز . ومتابعة العلاقات التركية مع أرمينيا وأفغانستان وسوريا والعراق بل وإيران، برغم شكوك طهران فى الدور التركى عندما طرحت تركيا نفسها وسيطا بين إيران والدول الغربية لحل أزمة الملف النووي.
 
 هذه السياسة التركية القائمة على تصفير المشكلات فى المحيط التركى، أدت إلى تجديد الطموح الإستراتيجى التركى، الذى سبق للرئيس التركى تورجوت أوزال أن عبر عنه فى التسعينيات لدى سقوط الثنائية القطبية، إلا أنه فشل فى تحقيقه، لكن فى بداية العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين تحقق لتركيا ما أرادت حين نجحت فى بلورة “السياسة العثمانية الجديدة”، وقد برز هذا النجاح من خلال:
أولا: انتخابها عضوا غير دائم بمجلس الأمن لأول مره فى تاريخها عام 2009-2010.
ثانيا: انتخاب تركى رئيسا للجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا فى يناير 2010
ثالثا: أصبح الاقتصاد التركى فى المرتبة السابعة عشر بدلا من المرتبة الثامنة والعشرين، ومن ثم اكتسبت تركيا عضوية مجموعة العشرين التى تعد أقوى شبكة للاقتصاد والعولمة على مستوى العالم.
رابعا: نجاح تركيا فى وضع أمين عام تركى الجنسية عام 2004 لمنظمة التعاون الإسلامى، لأول مرة مما أسهم فى تطوير علاقاتها بالعالم الإسلامي.
خامسا: حصل الرئيس التركى رجب طيب أردوغان على جائزة الملك فيصل التى تعد أكبر جائزة فى العالم الإسلامي
سادسا: تعديل مواقف النخبة الكمالية إزاء الشرق من جهة، وإزاء شركائهم المسلمين فى الشرق الأوسط من جهة أخري.
سابعا: اهتمام تركيا بالشرق الأوسط تركز على القوة الناعمة من خلال المسلسلات التليفزيونية التى تعكس النموذج التركى كدولة غربية وما حققته من إنجازات، وكدولة إسلامية يحكمها حزب نشأ فى أحضان الحركة الإسلامية.
هذه السياسة التركية الجديدة متعارضة مع سياسات قوى عربية عديدة مثل مصر والسعودية، لأن تركيا أقرب للغرب منهما بحكم تمتعها بعلاقات مؤسسية راسخة، وزاد من الفجوة بين مصر والسعودية والإمارات تحديدا من جانب، وتركيا من جانب آخر، ذلك الموقف التركى من تنظيم الإخوان المسلمين، الذى أتاحت له تركيا ملجأ له على أراضيها، ومنحته هامشا كبيرا من الحركة ضد مصر، متمثلا فى السماح لهم بافتتاح عدة قنوات تليفزيونية للدعاية ضد مصر، وتطور العداء ضد مصر، فوصل الأمر إلى إقامة قاعدة عسكرية فى قطر وجيبوتى وإدارة جزيرة سواكن فى السودان، لتصبح المواجهة سافرة وعسكرية، فى وقت أكد فيه الرئيس السيسى أن مصر لا تتدخل فى الشئون الداخلية للدول المجاورة، مما يتطلب متابعة الموقف على حدودنا بكل دقة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg