رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 12 نوفمبر 2018

مقالات



الربيع المصرى وأهل الصبر!

24-1-2018 | 20:55
أسامة سرايا

بداية، أستأذن فى استخدام هذين المصطلحين اللذين صكهما الكاتب الكبير وزميلى المقتدر كرم جبر فى عناوين مقالاته، وهما يعبران عنا فى هذه المرحلة الدقيقة والحساسة من حياتنا، فالمصطلح الأول عن الربيع العربى الذى شمل بلادنا فى المشرق والمغرب فى مطلع العشرية الثانية من هذا القرن، والذى صكه الغرب عن الانتفاضات الشعبية أو الثورات التى نشبت فى بلدنا، ومن قبله خططت مراكز الأبحاث وورش الغرب للإعداد لها تحت عناوين براقة، وهى الفوضى الخلاقة لتمييزها عن الفوضى المدمرة .
 
كانت الفوضى مثل الحية لها أشكال وألوان مختلفة ومتنوعة، منها الصحى ومنها المدمر، كما أن سقوط الدول والمجتمعات يعنى إعادة بنائها وهندستها من جديد على هوى المخطط أو المخططين الجدد لشعوبنا المغلوبة على أمرها، والباحثة عن عالم، تكون فيه أفضل من سابقه.
 
ويرجع هذا المصطلح الخبيث إلى كونداليزا رايس العقل المفكر لأوباما الرئيس الأول فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الذى تصورت شعوبنا، بسبب لون بشرته، وأصوله الإفريقية، أنه سيكون أقرب إلى عالمنا وشعوبنا الإفريقية السمراء المقهورة، والمستعمرة لسنوات طويلة على يد الرجل الأبيض الذى يملك أدوات الحضارة ووسائلها ولغتها.
 
وكنت أستغرب، ومازلت، إلى الآن من كل من تصور أن أوباما رئيس أمريكا المنتخب فى هذه الفترة سيكون مانديلا أو جورج واشنطن لشعوبنا، ولكنه كان الصوت والعقل لأستاذته رايس لاستعبادنا من جديد، والإيقاع بشعوبنا فريسة للفوضى والاضطهاد فى عهده وإلى الآن، وكان لوجوده فى البيت الأبيض تأثير سحرى وغامض ومخيف، ليس على شعوبنا وحدها، ولكن على أمريكا نفسها التى انتخبت بعده المعادل الموضوعى المعادى لكل أفكار الشرق واستقراره ونموه، عصارة اليمين الأمريكى المتطرف (ترامب وبنس) وفريقيهما، وكأنهما يقولان لشعوبنا يجب تربيتكم تقديرا منا، وأننا قادرون على تأديبكم على أسس جديدة، حتى لا تفكرون فى الاقتراب منا، وأننا قادرون على تأديبكم، وأنتم وشعوبكم لا تمثلون شيئا لنا.
 
أهلا باليمين المتطرف لكى يعلمنا الاعتماد على التراث، وأن نخاف من جديد من التطرف وأهله، وما يمثله أهل التطرف العربى على مجتمعاتنا، وللأسف فإن شعوبنا المصابة منذ عصور بحالة من الضعف فى الإرادة، استقبلت شعاراتهما وتعبيراتهما الجديدة بالكثير من الاحترام، فاستسلمنا جميعاً لصراع الحضارات، وصراع الأجيال، والصراعات المتنوعة، والفوضى، وأشكالها الجديدة بالأغانى والألوان، كأنما المجتمعات والشعوب تتغير فى ملاعب الكرة والملاهى واستادات المغنين وكبار المطربين!
 
حالة عبثية كبرى عاشتها بلادنا، فالدول والشعوب ليست مسرحا أو ملهاة، ووجدنا مفكرينا ومسئولينا يغيرون أسماء الشوارع، ويتحدثون بلغة المستعمر الجديد، فالفوضى هى التى تبنى بلادنا بالهرج والمرج، والقتل هو شكل الحياة الجديدة، وحين اكتشفت الشعوب الملهاة أو المسرحية المخيفة، كان قد سقط الاقتصاد، وتفشى الإرهاب وتطور الصعاليك والنشطاء فى كل فج عميق، يعلموننا الحياة من جديد، وكانت النتيجة مخيفة فى أهم بلدين عربيين، أن تحول حلمهما الإمبراطورى وأغانيهما الوطنية إلى أن تصبح البلدان مرتعاً لكل نفوذ إقليمى وعالمى.
 
ومن لا يصدقنى يقرأ ما يحدث فى بلاد صدام حسين (العراق)، فقد أصبحت منطقة نفوذ كبرى لأمريكا، وسيطرت عليها إيران سيطرة مخيفة، أما عن سوريا بلد (حافظ وبشار الأسد) فقد صارت مرتعا لنفوذ كل الإمبراطوريات الجديدة، إمبراطورية فارسية وعثمانية، فقد اتخذها أردوغان ملعبا لتركيا، واتخذتها روسيا محمية، وفى الطريق محمية أمريكية، وأخيرا يظهر الأكراد أيضا.
 تحول البلدان من البحث عن حكم ذاتى ودولة إلى ضحايا وعبيد تحت رحمة جنازير الأعداء الجدد.. إنها حالة عبثية فى التاريخ.
 
وليبيا المسكينة تبحث عن دولة، وكل سكانها مهاجرون فى مصر، أما السودان وبعد انقسامه المخيف بين شمال وجنوب، فيعرض جزيرة للإيجار لتركيا، ليصبح مرتعا لكل التيارات الدينية المخيفة .. 
نستطيع أن نحكى عما آلت إليه كل دول عالمنا العربى، وأوضاعها الراهنة، ولكننا نعود إلى مصطلح كرم جبر الذى منحنا الأمل فى الغد، فهو فى طليعة المثقفين المصريين الجدد الذين يتكلمون بلغة جماهيرية، يقرأها ويعرفها القاصى والدانى لتعريف شعوبنا، وزيادة تحصين الوعى المصرى من كل الأفكار البغيضة القادمة من الخارج، فهو المثقف الذى بشرنا به الفيلسوف المصرى المعاصر مراد وهبة ليضخ فى شرايين الوطن الأفكار المختلفة التى تحصننا ضد الحرب العالمية التى تدور فى مجتمعاتنا، وتختلف عن حروب القرن العشرين، التى كانت تدور بين جيوش، أما الحرب الراهنة فهى حرب ميليشيات تستهدف أفرادا عزلا من أى سلاح.
 
فكرم جبر يبشرنا، ونحن نثق فيما يقول، بحق الإنسان فى الحياة، لأنه لا معنى لحرية وحق الإنسان فى الحياة مهدد، والمغزى هو أن حق الحياة يجب أن يكون فى الصدارة.
 
نعم إننا نعيش ربيعاً يختلف عن ذلك الربيع الذى جرى، ويجب أن نحتفى به، ونشعر به، لأننا أهل مصر، أهل الصبر يستحقون هذا الربيع الذى تبنيه بلادنا ومجتمعاتنا.
انتبهوا إلى المثقفين المصريين، فهم يملكون شفرة التغيير والتطور والنمو، ودعكم من الأفكار والقيم المستوردة التى تبحث عن القتل والفوضى. 
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg