رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 12 نوفمبر 2018

مقالات



بين توحش الرأسمالية وديكتاتورية البروليتاريا

12-2-2018 | 20:15
سارة السهيل

بعد المشكلات التي عاني منها الاقتصاد العالمي بسبب العيوب القاتلة في النظام الاشتراكي، فإن العالم قد ظن انه قد وجد ضالته المنشودة في النظام الرأسمالي لكنه هو الاخر قاد العالم إلي كوراث طاحنة كالفقر والبطالة والاحتكار وغيرها.  

تناقض رئيسي

يبدو التناقض جليا بين الرأسمالية والنظام الاشتراكي كمدرتسين اقتصاديتن عالميتين، ففي الوقت الذي تدعو فيه الرأسمالية إلى حرية الأفراد في الإنتاج وحقهم  بالأرباح، تؤكد الاشتراكية على أحقية توزيع الربح على المجتمع أو الطبقة العاملة بالتساوي.

كما تمثل المساواة الاقتصادية ودور الحكومة، نقاط خلاف جوهرية بين الاشتراكية والرأسمالية، حيث يري الاشتراكيون أهمية تحقيق المساواة الاقتصادية عبر برامج الدعم لصالح الفقراء كمجانية التعليم العام، والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي للمسنين، بينما يعتقد الرأسماليون أن الحكومة لا تستخدم الموارد الاقتصادية بكفائة قياسا علي المؤسسات الخاصة، ومن ثم  فان السوق الحرة اكثر افادة للمجتمع. ففي النظام الاشتراكي تؤول الملكية سواء الإنتاج والأراضي والآلات والمصانع للدولة، بينما لا يملك واحد من الأفراد شيئًا من عناصر الإنتاج، لا يملك أرضًا ولا مصنعًا ولا آلات، وإنما كل ذلك ملك للدولة وجميع الأفراد يعملون لدى الدولة، وهو ما يعرف بالقطاع العام، في المقابل تقوم الدولة بسد حاجتهم من الطعام والشراب، وتوفير الخدمات المختلفة لهم من الصحة والتعليم وغيره.

ويقضي النظام الاشتراكي علي التمايز الطبقي، ويصبح الناس طبقة واحدة ، كما انه يحقق  استقرار للاقتصاد القومي كنتيجة للتخطيط الاقتصادي، وتنمية روح التعاون والمساعدة بين أفراد المجمتع واحساسهم بالمسؤولية الوطنية ومحاولة تحقيق اكبر قدر من الكفاءة والانتاج وعدم الاستغلال. وتتوافر في الاشتراكية قيمة الإحساس بالمسؤولية والمشاركة في إشباع حاجات المجتمع، وكفالة احتياجات المجتمع مجانًا، فالتعليم مجاني ورعاية الصحة مجانية والترفيه مجاني وغيره.

ورغم ذلك فان للنظام الاشتراكي عيوب خطيرة تتمثل في المركزية المفرطة فضلا عن تركيز السلطة في حزب الطبقة العاملة ( البروليتارية) ونتج عن ذلك العديد من الأخطاء قلصت من الكفاءة الاقتصادية والكفاءة الإنتاجية في تخصيص الموارد بجانب التأخر في اتخاذ القرارات مما يؤدي الي سوء استغلال الفرص. ناهيك عن  ان الاشتراكية قد أدت الي تعميق البيروقراطية والتعقيدات المكتبية بسبب ان القرارات يتخذها جهاز التخطيط المركزي مما يتطلب معه عدداَ كبيراًَ من الموظفين الذين يقومون بجمع البيانات والإحصاءات وتبويبها وتحليلها وموظفين آخرين لدراستها ومقارنتها، وترتب علي ذلك تضخم الجهاز الإداري وتزايد الأجهزة الرقابية، ومن ثم  ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يسهم في تفشي الفساد.

ولم تفلح الاشتراكية في تحقيق هدفها الرئيسي وهو العدالة في توزيع الثروات، حيث ذهب فائض القيمة الي الدولة ولم  تستفد به العمالة، فضلا عن ان إنتاجية العامل في النظام الاشتراكي أقل من إنتاجية العامل في النظام الرأسمالي، بسبب غياب حافز الربح.  

التوحش الرأسمالي

يقوم النظام الرأسمالي الذي أفرزته الثورة الصناعية في أوربا، بعد ثراء الطبقة البرجوازية وتمركز رؤوس الاموال، على مبادئ الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج والمبادرة الفردية والمنافسة الحرة، بحيث يتم تقسيم العمل وتخصيص الموارد عبر آلية السوق دون الحاجة إلى تدخل الدولة، فيما يحق للملاك الاحتفاظ  بالأرباح وامكانية اعادة استثمارها.

ورغم بعض المزايا التي تحققت في النظام الرأسمالي، الا انه يخلف أزمات يصعب الخروج منها، وقد صدق حدس الاقتصادي البريطاني جون كينياس في نظريته المنسوبة إليه في منتصف الثلاثينات، والتي يري فيها أن الاقتصاد الرأسمالي غير قادر على حل مشاكله بنفسه، مؤكدا علي وجود أوقات كساد اقتصادي تحتم على الحكومة بأن تحفز الاقتصاد.

وبموجب ذلك، فلا غرابة ان يتسبب النظام الرأسمالي في حدوث أزمات عنيفة هزت الدول المتبعة لهذا النظام، كأزمة الكساد الكبير، وهي أزمة اقتصادية في عام 1929 ومروراً بالثلاثينيات وبداية الأربعينيات، وتعتبر أكبر وأشهر الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين، وصولاً إلى الأزمة العالمية في سبتمبر عام 2008، والتي بدأت في أمريكا وكادت تفتك بالدول المرتبطة بالاقتصاد الأمريكي.

ناهيك عما تفرزه الرأسمالية من سياسة الاحتكار الذي يعد ابتزازا صارخا  لحاجة المستهلك، فضلا عن أنانية المستثمرين إذ يتحكم فرد أو مجموعة في السوق تحقيقاً لمصالحهم الشخصية علي حساب المجتمعات والشعوب.

وللأسف فان أنصار الرأسمالية قد اعتقدوا ان نظام السوق المفتوح هو الأجدر علي خلق روح المنافسة وحماية حقوق الفردية، لكنهم في المقابل قد استبعدوا او تغافلوا عن الطمع و الجشع البشرى ودور العوامل السياسية الدولية في التحكم بمجريات السوق العالمي، حتي كشفت الرأسمالية عن وجهها القبيح في التسبب في زيادة معدلات الفقر والمجاعة في العالم نتيجة انتشار البطالة والاحتكار للشركات العابرة للجنسيات والقارات.  

عالم اليوم

استفاق عالم اليوم علي حقيقة النظام الرأسمالي في الدول المتقدمة بعد تطبيقه لاكثر من150 عام، واكتشف سوءاته وأدركت ضرورة تدخل الدولة في النظام الاقتصادي لضبط السوق وحركة المجتمع وحماية الشعوب من الهلاك من انحرافات الرأسمالية.

فالحرية الفردية المطلقة التي اطلقتها الرأسمالية ثبت انها حرية وهمية، فلا يتمتع بها سوى فئة محدودة من الأفراد داخل المجتمع مثل ملاك عناصر الإنتاج، فالعامل الأجير لا يتمتع بالحرية المطلقة، كما تسببت المنافسة بين الطبقة العاملة والتي تمثل غالبية الشعب إلى قبول العمال أجور منخفضة حتى لا يتعرضوا للبطالة والتشرد.

أما حرية الإنتاج فإنها كانت مطلقة بالنسبة لأصحاب الأعمال حيث يستطيع صاحب العمل أن ينتج ما يشاء بالكمية التي يراها هو ولا يبالي بحاجات الأفراد ذوي الدخول المتواضعة، بل بالعكس. كما أدي حرية صاحب العمل في إنتاج السلع الكمالية المرتفعة الثمن التي لا يشتريها إلا الأغنياء، الي  تراجع الإنفاق في الاقتصاد نتيجة تدني دخول افراد القطاع العائلي، خاصة بعد أن تقلصت الثروة في يد أعداد قليلة من الشعب. ومن جانب آخر فإن الأثر السيء الذي يخلفه سوء توزيع الثروة لا يقتصر عن الجانب الاقتصادي والاجتماعي فقط إنما يتعدى إلى الجانب السياسي، فمع تركز الثروة في يد قلة فإن ذلك يجلعهم يطمعون في أن يمتد نفوذهم إلى إدارة شؤون البلاد واعتلاء أعلي المراكز فيها عبر السيطرة على الأحزاب والانتخابات.  

حلول الاقتصاد المختلط  

ولجأت بعض الدول العالم الي الاقتصاد المختلط، هو نظام اقتصادي يعرف بأنه درجة من الحرية الاقتصادية ممزوجة بتخطيط اقتصادي مركزي.  وقد تكون فيه الشركات مملوكة للأفراد واخري مملوكة للدولة، كما يحتوي الاقتصاد المختلط على عناصر من النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، أو الجمع ما بين عناصر من الاقتصاد المخطط واقتصاد السوق. حيث يعتمد النظام الاقتصادي المختلط على خطة اقتصادية تقوم على الحوافز لتنفيذ الخطط كما يسعى النظام المختلط للاستغلال الأمثل لكل عناصر الإنتاج واستقرار الأسعار، بجانب الإنفاق الحكومي على الخدمات والضمانات الاجتماعية، تقديم مساعدات للطبقة الفقيرة ، وتفاعل قوى السوق مع تدخل الدولة والرقابة الحكومية. ويمثل اقتصاد السوق الإجتماعي المطبق في سوريا نموذج الاقتصاد المختلط وهي تجربة ناجحة مكنت سوريا رغم ما تشهده من حرب ضروس من سد احتياجاته الغذائية والدوائية وغيرها، فاقتصاد السوق الاجتماعي  يعد محاولة وسط بين محاسن الرأسمالية والإشتراكية وتطبقها الكثير من دول العالم، حيث يمتاز بالإبقاء على دعم بعض السلع الأساسية، مع فتح بعض القطاعات للإستثمار الخاص.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg