رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 23 سبتمبر 2018

المجلة



احتلالهم لمصر والمنطقة أوقعنا فى كوارث تاريخية.. الصندوق التركى الأسود

17-2-2018 | 03:13
بقلم د.محمد صبري الدالي

قتلوا آلاف المصريين بكل قسوة حتى فى بيوت الله 
 
تحالفوا مع دول الغرب لإجهاض فرصة نهوض مصر 
 
سرقوا الخلافة الإسلامية من مصر ولم يتخلوا عنها إلا بعد أن أزالوها من الوجود 
 
تعيش مصر والمنطقة العربية أجواء ذكرى مرور قرابة خمسمائة عام على احتلال الدولة العثمانية لمصر والمنطقة العربية، وهى ذكرى، أحمد الله أن أنصار “التطبيل” لم يتمكنوا فيها – وكعادتهم فى كل نادٍ- من الاحتفاء و«الاحتفال» بها باعتبار أن الاحتلال العثمانى كان “فتحاً إسلامياً”، وكأن هناك فتحاً عثمانياً بعد “الفتح الإسلامي” لمصر وغيرها!
 
بداية لابد من توضيح أمر مُهم، فبمثل ما إن من المنطقى أن يترك المؤرخ قضايا “السياسة المعاصرة” لأهلها، خصوصا المتخصصين فى العلوم السياسية، حتى يبقى – أى المؤرخ - فى وضع يُمكنه من أن يكون موضوعياً... فمن الضرورى أيضاً أن يتقن المؤرخ كيفية فهم السياسة فى التاريخ، لا سيما أن التاريخ هو “سياسة الماضي” بمثل ما إن “سياسة الحاضر” ستكون “تاريخ المستقبل”، وعلى كل فإن الأمر يصبح أكثر إلحاحاً إذا كان الأمر يتعلق بتاريخ وطن نعيش فيه ويعيش فينا... وطن ضيَّع الأتراك العثمانيون عليه الكثير من الفرص، ولم يتركوه إلا بعد أن أُجبروا على ذلك.
ولمن لا يعرف، فإن استيلاء العثمانيين على مصر والمنطقة كان “احتلالاً” حتى بمعيار ذلك الزمان وأهله، وأنه أوقع مصر والمنطقة فى كوارث تاريخية بدأت منذ مجيئهم، واستمرت لقرون فى صور مختلفة. ولا نشتط فى القول، إن قلنا إن بعض نتائج ذلك لا تزال ماثلة أمامنا حتى يومنا، وما فلسطين وقضيتها ببعيدة عن ذلك، بعد أن انتهت “المسألة الشرقية/العثمانية”، أقول ذلك فى إطار “خبرات تاريخية” راكمتها قراءاتى ودراساتي، خصوصا فى التاريخ العثمانى والمصرى والأوروبي.
 
كارثة ضخمة 
 
مع بدايات القرن السادس عشر الميلادى، كانت المنطقة “العربية” تعيش أزمة نتجت عن عوامل عديدة، منها أزمات طبيعية مؤقتة كانت تتكرر بين حين وآخر وتمر، ومنها أزمات طارئة بسبب نتائج الكشوف الجغرافية، على أن الأتراك العثمانيين استغلوا الظروف لاحتلال المنطقة، بعد إجبار مصر على دخول حرب شرسة لم تكن راغبة فيها، تلك الحرب التى دارت رحاها بين أغسطس 1516م ويناير 1517م، وإن كانت مقدماتها تعود لما قبل ذلك بسنوات ولظروف إقليمية ودولية، حتى لقد اعتبرها البعض بمثابة “الحرب الكونية الأولى”، بالقياس إلى جغرافية العالم آنذاك، وقبل الكشوف الجغرافية.
 
كان الاحتلال العثمانى لمصر والمنطقة كارثة لأسباب عديدة؛ كارثة لأنهم احتلوا مصر وأسقطوا دولتها المستقلة الضاربة فى القدم، التى وجدت قبل قرون وقرون من وصول واستقرار الأتراك العثمانيين أنفسهم فى الأناضول.. كارثة لأنهم سيطروا على المنطقة ولم يتركوها إلا وقد وقعت فى يد أوروبا قبل اتفاق سايكس-بيكو وبعده. كارثة لأنهم حلوا جيش مصر الذى كم دافع عن المنطقة ضد الأعداء على مر الأزمان. كارثة لأنهم سرقوا الخلافة الإسلامية من مصر، ولم يتخلوا عنها إلا بعد أن أزالوها من الوجود .
 
 كارثة لأنهم قتلوا آلاف المصريين بكل السُبل القاسية والمُجرمة، حتى فى بيوت الله، ووصل بهم الأمر إلى حد شنق آخر سلطان مصرى على “باب زويلة” وترك جثته لثلاثة أيام حتى نهشتها الطيور الجارحة، برغم رجاءات المصريين. كارثة لأنهم –والحق يُقال- كانوا بارعين فى “تسييس الدين” ورجاله لمصلحتهم، بل تفسير القرآن الكريم بما يخدم أطماعهم. كارثة لأنهم استطاعوا زرع الشقاق بين حكام مصر وجيشها وشعبها بشكل درامى مثير وخطير، مُستغلين سوء ظروف مصر فى ذلك الوقت. كارثة لأن الاحتلال العثمانى أجبر مصر على إرسال كميات هائلة وطائلة من الأموال –ومن دم وعرق المصريين- فى صورة “إرسالية سنوية/جزية” إلى إسطنبول، ولقرون منذ عام 1517م حتى نهاية الاحتلال العثمانى لمصر. كما كانت كارثة على تراث مصر الذى كانوا أول أمة –فى التاريخ الحديث- تقوم بنهبه فى صور مختلفة، ناهيك عما أحدثوه من مؤسسات “عثمانية” جديدة على حساب مؤسسات مصرية عتيقة، ودورهم فى إحداث تغييرات ملموسة فى التحول المذهبي/الفقهى بالمنطقة.
 
لقد بذل أجدادنا آنذاك ما استطاعوا للدفاع عن بلدهم وعرضهم وشرفهم وأموالهم ضد الاحتلال، وعندما أعيتهم الوسائل، سجلوا –بشكل فردى وجمعي- كل ما أمكنهم تسجيله ضد العثمانيين. وبينما اعتبر بعض المصريين أن الأتراك العثمانيين أتوا إلى مصر فقتلوا رجالها، ويتَّموا أطفالها، ورمَّلوا نساءها، ونهبوا ثرواتها... فإن البعض قارن بين احتلالهم الهمجى لمصر، وبين ما تعرضت له مصر فى عصور سابقة سحيقة من اعتداءات واحتلال على يد نبوخذ نصر وقمبيز، بينما وصل البعض إلى حد اتهام الأتراك العثمانيين بـاتهامات تمس قضية إيمانهم! فى شكل من أشكال التعبير القليلة التى لم يُعهد على المصريين استخدامها آنذاك فى وصف غيرهم من المسلمين، حتى إن اختلفوا معهم، لكن قسوة الأتراك فى احتلالهم مصر وصل بالبعض إلى استخدام ذلك. لِم لا وقد كان هناك وعى واضح من كثير من أبناء مصر “المتعلمين والمثقفين” بأن الوجود التركى هو “استيلاء” و”احتلال” بالقوة.
 
مظاهر الرفض
 
ومع أن المصريين اضطُروا اضطراراً إلى الخنوع للأتراك العثمانيين فى الظاهر، فإنهم لم يكونوا صاغرين تماماً، حتى ظهر الكثير والكثير من مظاهر الرفض لهذا الوجود العثماني، الأمر الذى تبلور مع الوقت، عبر مئات الأسماء من أصحاب القلم، لعل أشهرهم فى القرن السابع عشر هو الشيخ “شهاب الدين الخفاجي” الذى كتب العديد من الكتب والمقامات، التى عبّر فيها عن رفضه للسيطرة العثمانية على مصر، بل طالب بإعادة الخلافة إلى العرب.
 
ومع النصف الثانى من القرن الثامن عشر، كانت الدولة العثمانية قد دخلت مرحلة خطيرة من تاريخها المضطرب، فيما عُرف بـ “المرحلة الثالثة من مراحل المسألة الشرقية”. فى هذا السياق شهدت مصر استفاقة سياسية مهمة وفريدة، رافقتها تحركات فعلية رافضة للوجود العثماني، الأمر الذى تبلور عن حركة/صرخة رفض كبرى على يد “على بك الكبير” الذى –وبوعى تاريخى كامل ومصرية واضحة- عمل على طرد الاحتلال التركى من مصر، ونجح فى ذلك منذ عام 1769م، بعد أن بدأ فى إعادة “الجيش المصري” إلى الوجود، وبعد أن أعلن نفسه “سلطاناً على مصر”، بدلاً من السلطان العثماني.
 
بعدها نجده وقد اتجه لإعادة “توحيد” المنطقة التى كانت ضمن الدولة المصرية من قبل، ومن ثم استعاد الحجاز ومعظم بلاد الشام واليمن، حتى لقد بدأ فى التفاوض مع دول أجنبية للاعتراف بهذا الاستقلال، ونجح فى ذلك مع روسيا. لكن الأتراك العثمانيين، ومرة أخرى، قاموا بتسييس الدين، وأشاعوا أن على بك “كافر” يود الإضرار بالإسلام والمسلمين، كما نجحوا فى زرع الخيانة –ومن جديد أيضاً- بين بعض رجاله بعد أن اشتروا ذممهم، خصوصا قائد جيشه” محمد بك أبو الذهب” الذى مكَّن الأتراك العثمانيين فى النهاية من تدمير “أول مشروع مصر استقلالى ونهضوي”. وبعدها تخلصوا سريعاً من محمد بك أبو الذهب!! وأدخلوا مصر من جديد فى الفوضى التى كانت دولتهم نفسها تعيش فيها، إلى أن احتلت فرنسا مصر عام 1798م.
 
وإذا كانت مصر قد تحررت من الاحتلال الفرنسى سريعاً فى عام 1801م، بفضل تضحيات شعبها، ومساندة إنجلترا وروسيا للعثمانيين، نكاية فى فرنسا ولأسباب أخرى، فإن العثمانيين عندما عادوا لاحتلال مصر فإنهم – ويا للغرابة - اعتبروا أنهم فتحوها ثانية!، ومن ثم قالوا إنهم يحق لهم استعباد أهلها من جديد! انطلاقاً من “حق الفتح”! ولتعيش مصر –ومن جديد- مرحلة قاسية من تاريخها حتى استطاع محمد على باشا أن يستولى على حكمها، برغم أنف العثمانيين، وليبدأ محاولاته للنهوض بمصر التى كانت حُبلى بإمكانات ضخمة للنهضة، مما أنجح تجربة محمد علي.
 
وبرغم ما قدمه الشعب المصرى من تضحيات ضخمة للغاية، تبلورت فى قدرته على إعادة إحياء جيشه بقوة، وقدرة هذا الجيش على قهر العثمانيين عسكريا واستعادة “الدولة المصرية” التى ضاعت من قبل على أيدى العثمانيين فى عهد الغورى وطومان وعلى بك الكبير، فإن الأتراك العثمانيين أبوا إلا أن يقفوا مرة أخرى ضد هذه النهضة، مُتحالفين مع إنجلترا والنمسا وروسيا، فكانت معاهدة كوتاهية (1833م)، ثم معاهدة بالطة ليمان (1838م) ومعاهدة لندن (1840م) وملحقاتها، لتضيع على مصر والمنطقة –ومن جديد أيضاً- فرصة أخرى للنهوض بسبب الأتراك العثمانيين! بل ليبدأ فصل مهم لدرجة الخطورة فى تاريخ فلسطين والمنطقة، منذ ذلك الوقت.
 
على أن مصر لم تيأس، ومن ثم كانت محاولاتها من جديد فى عهود خلفاء محمد على حتى عهد الخديو إسماعيل، الذى اتجه إلى إفريقيا بدلاً من الاتجاه إلى الشرق، كما اعتادت سياسة مصر من قبل، لكن الدولة العثمانية –وكالعادة وقفت عقبة كأداء للنهضة المصرية، حتى كان ما كان من ضياع “الإمبراطورية المصرية” فى إفريقيا، بل خضوع مصر نفسها للاحتلال البريطانى عام 1882م، بعد أن ظل الاحتلال العثمانى يلهث وراء أهدافه الخاصة، على جثة أحلام مصر وطموحاتها المشروعة، ولتُجبر الدولة العثمانية –وفى النهاية- على إنهاء علاقتها مع مصر منذ عام 1914م، ولتبدأ مصر والدول/الشعوب العربية رحلة جديدة للبحث عن الاستقلال الحقيقى ومحاولات للنهوض فى عالم كان قد تغير وتطور كثيراً.
 
إن الأتراك اليوم، الذين يفخرون بأنهم أحفاد العثمانيين، عليهم أن يعلموا أن المصريين لم ينسوا تاريخهم فى يوم من الأيام حتى يفعلوا ذلك اليوم. ليعلموا أن المصريين، على مر تاريخهم الطويل والعريق، قبلوا التعايش مع كل من حل ضيفاً على مصر –وهم كُثر- ليعيشوا فيها وتعيش فيهم، ومنهم الأتراك (والعثمانيون فرع منهم، قبل أن أن يأتوا لاحتلالها)، لكن الشعب المصرى لم يقبل فى يوم من الأيام أن يحتل بلاده هؤلاء أو أولئك، بل له الحق فى أن يطلب من حفدة العثمانيين الاعتذار، بل التعويض. على حفدة العثمانيين أن يعلموا أننا لن ننسى تاريخنا، لأن ذاكرتنا لا تزال قوية، وأن فى مصر من يُعيد قراءة تاريخه وفق أسس علمية وموضوعية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg