رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

فنون



عصفور واحد لا يصنع ربيعاً.. الفن والحياة عند الحكيم ونعمان عاشور

21-2-2018 | 17:15
نبيل فرج

كانت مسرحيات الحكيم تحتاج لأسلوب معين فى الإخراج والتمثيل كى تحتفظ بقيمتها الدرامية

حرص عاشور على الوقوف على مستوى التيارات الفنية المحدثة حتى يظل وحده على القمة

على الرغم من التقدير البالغ الذى حمله كتاب المسرح فى بلادنا لتوفيق الحكيم فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، فلم يكتب الحكيم كلمة واحدة عن أحد منهم، ولم يذكر أحدا فى مقالاته وأحاديثه التى كانت تفرد لها الصحفات الكاملة.
 
ومن الواضح أن هذا الموقف من الحكيم.. يتناقض مع الأوضاع الطبيعية التى تقول إن تغريد عصفور واحد لا يصنع ربيعا.
 
ولو أننا راجعنا حياة الحكيم الأدبية، سنجد أنه فى بدء هذه الحياة وجد من يكتب عنه ويحتفى به، مثل طه حسين ويحيى حقى وغيرهما. وكان من المتوقع، بعد أن دار الزمن وأصبح الحكيم فى مكانة تماثل مكانة هذين الكاتبين، أن يكتب عن شباب الكتاب، ويقدم من يستحق التقديم منهم.
 
وعادة ما تحسب هذه الكتابة لأصحابها الذين ملكوا من الحس ما يدفعهم إلى الكتابة عن الجيل الجديد، وهم بعد فى خطواتهم الأولى، لا يراهم إلا من يكون على درجة عالية من الفطنة. غير أن الحكيم الذى تحل فى هذه السنة الذكرى الثلاثون على رحيله، ورحيل نعمان عاشور من أدباء هذاالجيل الجديد، لم يكن يذكر من كتاب المسرح إلا الكتاب العالميين، باعتبارهم أنداده، ومن عداهم لا قيمة لهم.
أما عن الكتاب المصريين ومعهم العرب، فلم يتجاوز من أسمائه محمود تيمور ومحمد حسين هيكل، ونجيب محفوظ من المعاصرين، والجاحظ من القدماء.
 
وبفضل تبحر الحكيم فى الآداب الأجنبية، فقد كان يعرف من المسرحيين الأجانب الأسماء المجهولة ليس فى بلادنا فقط، بل المجهولة أيضا فى بلادها.
ولم تكن هذه المعرفة تقتصر على المسرح، بل إنها كان تشمل كذلك الفن التشكيلى.
 
يؤكد هذه الحقيقة أن الحكيم كان يؤلف أعماله أحيانا باللغة الفرنسية التى يتقنها ويحب أدبها، ثم تترجم إلى العربية لمسرحية «أمام شباك التذاكر»، أو يعيد كتابتها باللغة العربية، كما حدث مع روايته «عودة الروح» وغيرها.
 
وليس الحكيم وحده الذى مارس كتابة الرواية بالفرنسية، فقد كان هناك فى زمنه عشرات الكتاب العرب يؤلفون إنتاجهم بالفرنسية وغيرها.
 
ومع كل هذا الحرص من جانب الحكيم على عدم ذكر أحد من الأجيال التالية له. التى تربت على أدبه، والتقت به فى نهضة هذه المرحلة، فعندما كان يتنامى إلى سمعه أن هناك مسرحية جيدة لأحد هؤلاء الكتاب، يقبل عليها الجمهور ويحتفل بها النقاد، كان يذهب لمشاهدتها دون علم أحد، لا المؤلف، ولا المخرج، ولا فريق الممثلين. أو حتى مدير المسرح.
 
والغريب أنه بالنسبة لمسرحياته كان يضيق بعروضها، لأنه لم يكن يجد من يعود إليه فى تقديمها، خصوصا أنها مسرحيات ذهنية، تحتاج إلى أسلوب معين فى الإخراج والتمثيل والديكور، لكى تحتفظ بقيمتها الدرامية، من خلال تحقيق الفكر على المسرح فى حجمه الصحيح، وفى تناسق أو تناغم مع عناصر الفرجة، فلا يبطئ من الإيقاع بأكثر مما ينبغى، ولا يسرع به بحيث يتخطى الحد الذى يطيقه أو يتقبله فن المسرح.
 
وفى الحوارات التى تعقد مع الحكيم أثناء تقديم مسرحياته، كان يعلن أنه لا يمانع من خروج أعماله عن نصوصها، طالما أن هذا الخروج يأتى لصالح العرض، والأصل محفوظ فى كتاب. وإذا لم يستطع العرض توفير عنصر الفرجة، ففى القراءة ما يعوض هذاالنقص.
 
وبقدر ما كان الحكيم يتجنب فى حواراته الهجوم أو المساس بأحد، كان يستاء جدا ممن ينالون منه ومن أدبه، بحق أو بغير حق، إلى درجة المطالبة فى كل مرة يتعرض فيها لهذا الموقف بسحب أو وقف العمل الفنى الذى ينفذ بهذا الشكل، كما حدث له مع مسرحية «أهل الكهف» ورواية «عودة الروح»، فى العقد الثالث من القرن الماضى، ومع مسرحية «إيزيس» فى العقد الخامس.
وكان هذا النقل يشمل فنه مثلما يشمل أفكارهورموزه التى لا تتماشى مع العصر، مثل دعوته إلى حياد مصر، وإنكار تمسكها بالقومية العربية، وإن لم يجنح إلى حد الدعوة إلى الاستقلال عن الماضى العربى، كغيره، واتباع الغرب.
 
ولا شك أن دافع الحكيم لحضور بعض المسرحيات كان يقوى فى نفسه عندما تكون هذه المسرحيات نابعة من مصادر الإلهام التى يستقى منها مسرحياته: الحياة الاجتماعية والسياسية الجارية، والتراث العربى والعالمى بتاريخه وأساطيره، برغم أن التشابه فى مصادر الإلهام بينه وبين هذا الجيل لا ينفى الخلاف الفكرى بينهما، سواء فى المعاني العصرية، أو فى البناء والأسلوب الذى يتمثل عند الحكيم فى تقديم الفن على الحياة، والقلب على العقل، بينما يقدم الجيل الجديد الحياة على الفن، والعقل على القلب.
 
ويتمثل هذا الخلاف أيضا فى بعده النظرى فى الولاء عند الحكيم لمدرسة الفن للفن والبرج العاجى وللإنسان والحضارة، تكريسا لحرية المبدعين، والولاء عند هذا الجيل لقضايا والقيم الاجتماعية، كرسالة مرتبطة بالواقع، تنبع من الالتزام الذى قد يؤخذ عليه أنه نمطى، من قبيل الدعاية، تغلب عليه الحماسة الخالية من الجمال.
 
ولنقل إجمالا إن الفرق فرق بين المثالية الباحثة عن الجوهر المتحرر من الزمان والمكان، التى ينتمى إليها توفيق الحكيم، ولا يعبأ فيها بالحقيقة، والواقعية المرتبطة بالحركة والتغيير، التى طرحها هذا الجيل، ووضع لها شعار «الأدب فى سبيل الحياة» بمنأى بالطبع عن الفارس الهزلى، والميلودراما الفجة.
 
وما لا يعلمه أحد عن علاقة شباب الكتاب بتوفيق الحكيم أنه عندما كان يعمل فى دار الكتب، أو فى المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، أو فى «الأهرام»، كان بعض هؤلاء الكتاب يقرأون عليه نصوصهم وهى لا تزال مخطوطة، أو مكتوبة على الآلة الكاتبة، لم تطبع أو تعرض بعد على المسرح، بقصد أن يستفيدوا من خبرته وملاحظاته عليها، التى تنهل من معرفة واسعة بالفنون المختلفة، فى خلاصتها ونماذجها.
 
ويذكر الذين كانوا يعقدون معه الحوارات واللقاءات الصحفية أنه كان يرفض بشدة وجود أجهزة تسجيل، ربما لكى لا تسجل عليه بصوته آراء قد يرى العدول عنها، أو يرى غيره أنها تتعارض مع آراء أخرى سبق له أن عبر عنها، ويؤكد على من يخشى أن ينقل عنه ما يقوله وألا ينشر شيئا إلا بعد أن يطلعه عليه.
 
والاحتمال كبير أن يكون الحكيم قد شاهد بعض المسرحيات التى قرأت عليه أو لفتت نظره بما كتب عنها، مثل «الناس اللى فوق»، و«الناس اللى تحت» لنعمان عاشور، و«جمهورية فرحات»، و«الفرافير» ليوسف إدريس، و«حلاق بغداد»، و«سقوط فرعون» لألفريد فرج. و«الفتى مهران» لعبدالرحمن الشرقاوى وغيرها، بمثل ما تابع بالضرورة الكتابات النقدية المتضاربة التى تناولتها وتناولت الحركة المسرحية.
 
ذلك أنه لم يكن يقبل أن يكون جاهلا بما يجرى فى عالم المسرح فى بلاده، خصوصا ما يعرض منه على المسرح القومى، أعرق مسارحنا الذى يعتبر الواجهة لأرقى ما يصل إليه المسرح المصرى. كما لم يكن يقبل أن يكون جاهلا بما يجرى على المسرح العالمى فى العواصم الغربية كباريس ولندن. غير أنه كان يتلافى هذا الوضع بمشاهدة هذه المسرحيات العالمية حين يتصادف عرضها أثناء وجوده فى هاتين العاصمتين، أو يكتفى بقراءة نصوصها وما يكتب عنها من نقد فى الصحافة.
 
فإذا عزَّ عليه أن يحصل بنفسه على هذه المعرفة سأل أهل الاختصاص عنها، الذين تتوافر لهم هذه المعرفة، مشيرا إلى أن علينا دائما أن نقيس وضعنا المسرحى وخطط العروض على ما يجرى فى المسرح العالمى.
 
والحق أن الحكيم ليس وحده الذى كان يتصف بهذا الشغف بمعرفة الأحداث الثقافية فى مصر، أو بتلك التى تقع فى الخارج، فقد كان طه حسين مثله يشعر بالضيق إذا لم يتوافر له الوقت الذى يمكنه من قراءة ما يصدر من كتب عربية وأجنبية، حتى يكون - على حد قوله - على بصيرة بإنتاج المعاصرين له، وفهم العصر الذى يعيش فيه.
 
وبمقدورنا القول إن الحكيم كان حريصا جدا على أن يقف على التيارات الفنية المحدثة، حرصه على أن يظل وحده على القمة فى المسرح المصرى، يراقب فى صمت كل ما يشكل الحياة الفنية، دون أن يبدى رأيه فيها، إلا إذا كانت هناك ضرورة ملحة تفرض عيه إبداء رأيه، كأن يكون عضوا أو رئيسا للجنة تحكيم تمنح الجوائز.
 
فى هذه الحالة كان الحكيم يخرج من صمته خوفا من أن تذهب الجوائز إلى من لا يستحقونها، وكان هذا يقع كثيرا، ويعلن رأيه بمنتهى الصراحة عمن يجب أن ينال هذه الجوائز، ويتمسك برأيه مهددا بالاستقالة من هذه اللجان، إن لم يؤخذ برأيه، ليقينه بعدالة ما يراه من جهة، وبعدم نزاهة لجنة التحكيم التى يشترك فيها أو يترأسها.
 
ومعروف أن لجان التحكيم للجوائز كان يتغلب على تكوينها الاتجاهات التقليدية المعادية لتجديد، وأن الفوز بها كان يعتمد فى الغرف المغلقة، بنسبة عالية، على التربيطات والمقايضات، وليس على القيمة الموضوعية الخالصة لأصحاب المواهب الحقيقية.
 
وقريب من هذا الموقف البيان التاريخى الذى كتبه الحكيم بخط يده، قبل حرب أكتوبر 1973، ووقعه معه مجموعة كبيرة من الكتاب والمثقفين من كل الاتجاهات، يطالب فيه بالإفراج عن مئات الطلبة الذين تعرضوا لاعتقال بسبب اعتصامهم فى جامعة القاهرة، احتجاجا على سياسة اللاسلم واللاحرب ثقيلة الوطأة، التى لم يكن السادات قادرا على حسمها، والمطالبة أيضا بمكاشفة الشعب بكل الحقائق التى لا يعلم أحد عنها شيئا بعد هزيمة 67 المرة، وكان من جراء نشر هذا البيان فى الصحف المصرية والعربية فصل جميع من وقعوا عليه من الاتحاد الاشتراكى، ومنعهم من الكتابة.
 
ويحكى نعمان عاشور فى سيرته الذاتية المتناثرة فى مقالاته وكتبه أنه وهو جالس فى الصف الأخير فى قاعة المسرح القومى، قبل انفراج الستار عن إحدى مسرحياته، وأغلب الظن أنها «عيلة الدوغرى»، أن وجد عامل البوفيه يميل عليه ويهمس فى أذنه، لكى ينظر إلى «اللوچ» الأول الملاصق لخشبة المسرح.
 
وعندما التفت نعمان عاشور وصوب نظره إلى المكان الذى يشير إليه عامل البوفيه، فوجئ بأن من يجلس فى هذا «اللوچ» توفيق الحكيم بالبريه، وفى المقعد المجاور له صديقه الأثير حسين فوزى. 
وبالطبع كانت مفاجأة لنعمان عاشور، لأنه يعرف أن الحكيم لا يحفل به أو بجيله، ولم يخطره بأنه سيشاهد هذه المسرحية التى كانت تغص كل أيام العرض بالجمهور، برغم أنه على اتصال دائم به، ويعتبر نفسه امتدادا له.
 
وهكذا قدر لنعمان عاشور فى تلك الليلة، أن يرى فى إحدى مسرحياته توفيق الحكيم، قبل أن يطفىء المسرح أنواره، ويبدأ العرض.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg