رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 15 نوفمبر 2018

المجلة



وسط واقع لا يحتفى إلا بصوت الرصاص.. الحرب فى اليمن.. تدمر البنية الثقافية

30-3-2018 | 01:23
بشرى المقطرى

"مؤسسة بيسمنت الثقافية" قبو يشع ثقافيا فى ظلام صنعاء

تعطيل الحياة الثقافية فى مرحلة سابقة على الحرب

المقاهى الثقافية فى صنعاء تحد ثقافى للحرب والقمع
 
" صوت".. سينما مجانية فككت ثقافة الحرب والكراهية
 
تتسم بنية الحرب عموماً بتصدير مُشكلات اليومى وسياقات الصراع العسكرى والسياسى بين الأطراف المتحاربة إلى واجهة اهتمام مواطنيها، مقابل نفى "الثقافي" إلى الهامش، ويتكرس مُعطى يحط من مقاصد الثقافة التى تقولب كرفاهية يمكن الاستغناء عنها، إلا أن الوضع الثقافى فى اليمن لا يتماثل مع الواقع الثقافى فى الدول العربية التى تعيش مثلها حروباً ونزاعات أهلية، فتعطيل المظاهر الثقافية والأنشطة الثقافية الرسمية فى اليمن، كمعارض الكتاب الدولى والفاعليات الثقافة ، حدث فى مرحلة سابقة على اندلاع الحرب الحالية، وتحديداً فى الحادى والعشرين من سبتمبر/ أيلول 2014 عندما انقلبت جماعة الحوثى وصالح على السلطة الانتقالية اليمنية، وسيطرتا على مؤسسات الدولة بما فيها وزارة الثقافة اليمنية، ومثل ذلك اليوم تاريخاً مفصلياً فى المشهد الثقافى اليمنى المعاصر الذى لم يتعافَ أبداً.
 
صادر الوضع السياسى المتأزم الذى أنتجه طرفا الانقلاب فى العاصمة صنعاء الفعل الثقافى لصالح "السياسى والعسكري" وشلت المؤسسات الثقافية اليمنية الرسمية، ممثلة بوزارة الثقافة، التى وجدت نفسها عاجزة عن القيام بأى نشاط ثقافي، ولأن آلية العمل الثقافى التقليدى فى اليمن قصرت الأنشطة الثقافية الممولة فى المنحى الرسمى الذى تتبناه وزارة الثقافة اليمنية، كمعرض الكتاب الدولى والأنشطة الثقافية المصاحبة له، فإن الانقلاب جرف الحياة الثقافية، فيما أعاقت الصراعات السياسية اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ولم يقم بأى نشاط ثقافي، كما أن حصر الأنشطة الثقافية فى العاصمة صنعاء، أى مركزية الفعل الثقافى جمد معظم الأنشطة الثقافية فى المدن اليمنية، عدا مدينة تعز التى حافظت حتى مرحلة ما قبل الحرب على كونها مدينة منتجة للفعل الثقافى، عبر فاعليات جائزة "السعيد للعلوم والثقافة" التى تنطلق فى مايو من كل عام.
 
تدمير البنية الثقافية
 
قوضت الحرب فى اليمن فرص انتعاش المشهد الثقافى المشلول، فقيام سلطتين سياسيتين فى اليمن "سلطة الأمر الواقع" فى مدينة صنعاء و"السلطة الشرعية" فى مدينة عدن والمناطق المحررة، أسفرا عن وجود وزارتى ثقافة، وهو ما جعل المثقفين اليمنيين عرضة للاستقطاب السياسي، وحدا بكثير منهم على تجنب القيام بأى أنشطة ثقافية كى لا تحسب على طرف من أطراف الصراع.
 
 كما أن تدهور الأوضاع المعيشية لعموم المثقفين جراء الأزمة الإنسانية والاقتصادية فى ظل الحرب، وفقدانهم أعمالهم بسبب إغلاق الصحف اليمنية، دفع كثير من المثقفين اليمنيين إلى الانكفاء على الذات، بينما لجأ بعضهم لمغادرة اليمن إلى الخارج بحثا عن فرص عمل، أو الاكتفاء بالكتابة السياسية للصحف الخارجية، فيما نجح بعضهم فى مقاومة حالة الحرب وإصدار روايات وقصص فى دور نشر عربية، خاصمت أطراف الحرب اليمنية كل ما له بالثقافة، باعتباره مشتركا إنسانيا ووطنيا ولا يخدم أهداف الحسم العسكرى فى الحرب، ووجهت أنشطتها الثقافية البائسة فى سياق صراعها مع خصومها السياسيين.
 
شهدت فترة الحرب إقامة محاضرات ثقافية قامت بها وزارة الثقافة فى صنعاء، و"مثقفون ضد العدوان" الذى نفذه مثقفون محسوبون على جماعة الحوثى وصالح، وشهدت مدينة عدن معرض كتاب محلى وحيد نفذه الهلال الأحمر الإماراتى فى 12 مارس 2016، ولم تقم وزارة الثقافة التابعة للسلطة الشرعية بأى فاعلية ثقافية، عدا حفل غنائى خيرى نظمته فى 4 سبتمبر 2017 فى مدينة القاهرة، إلا أن الأنشطة التى قامت بها وزارتا الثقافة المحسوبة على طرفى الصراع فى اليمن، وكذلك المثقفين المنضوين تحت رايتهما، كانت خالية من المضامين الثقافية بالمعنى الإيجابي، وإنما حشدت للحرب، وكرست الانقسام الحاد فى أواسط المثقفين اليمنيين.
 
 قبو يشع ثقافياً
 
غياب مظاهر الثقافة فى اليمن، وانقسام المؤسسات الثقافية الرسمية  جعل بعض المثقفين اليمنيين يحملون راية الثقافة لكسر جمود المشهد الثقافي، وتحتل مؤسسة "بيسمنت" الثقافية التى ترأسها الشابة اليمنية المثقفة "شيماء باسيد" صدارة المشهد الثقافى طيلة الحرب، فالمؤسسة التى تأسست فى عام 2012، كمنظمة مدنية ثقافية نفذت العديد من الأنشطة الثقافية الأسبوعية طيلة الحرب، بدءًا من مارس 2015 التى تعددت بين الندوات والمحاضرات التى تصاحبها فقرات موسيقية، ومعارض تشكيلية وفوتوغرافية، وورشات الكتابة، كما عرضت أفلاما  أسبوعية، تزامنت مع إصدار مجلة شهرية، وحرصت المؤسسة على انتهاج خط ثقافى متميز عن طريق الفنون المختلفة التى نظمتها كرستها فى رسالتها الثقافية، كتعزيز مبدأ السلام والتعايش ونبذ العنف والحروب. كسرت بيسمنت رتابة الحياة الثقافية عبر تقديم مبدعات يمنيات للعزف والغناء، وفى سياق آخر، قام بعض المثقفين اليمنيين بتفعيل أندية ثقافية تأسست فى مرحلة ما قبل الحرب، حيث نفذ نادى القصة اليمنية "المقه" العديد من الأنشطة الثقافية، مركزة على مناقشة إصدارات أدبية لكتاب يمنيين، واستضافة حفل توقيع لكتاب يمنيين من جيل الشباب.
 
المقاهى الثقافية
 
اللافت للنظر فى المشهد الثقافى اليمنى فى ظل الحرب، هو انتقال النشاط الثقافى من الصيغة الرسمية التى وسمت المشهد اليمنى إلى المقاهى، التى أصبحت مكاناً لتجمع المثقفين اليمنيين، والشباب الباحث عن المعرفة، حيث أسهمت المقاهى فى العاصمة صنعاء بدور ثقافى استثنائى طيلة الحرب، ومن أهم هذه المقاهى الثقافية التى يرتادها المثقفين اليمنيون من جميع الأجيال: " كوفى كورنر" و" كوفى ترايدر" و"كوفى أرومه"، و"كوفى مون" و"مقهى بن وقشر" فى صنعاء القديمة، وجمعت هذه المقاهى بين تقديم المشروبات والقهوة وبين تخليق إطار ثقافى بعد شلل اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين واغلاق مؤسسة العفيف. فى هذه المقاهي، هناك مكتبة توفر للشباب الحصول على الكتب للقراءة، وكذلك جاليريهات، ومكتبة صوتية.
 
إن تحول تلك المقاهى إلى فضاء حر كمراكز ثقافية صغيرة تتبادل فيها الأفكار والكتب، أدى إلى إقبال الشباب من الجنسين على هذه المقاهى، التى أصبحت متنفساً فى ظل الحرب القاسية وانعدام الخيارات أمام جميع المواطنين فى صنعاء، إلا أن السلطة الدينية القامعة لميليشيات الحوثى التى تتفنن فى قهر اليمنيين واستعداء أى ثقافي، وجهت معركتها ضد هذه المقاهي، وأغلقت بعضها "كوفى أرومه" ومقهى "بن وقشر" وداهمت مقهى "مون كوفيه" تحت شعار مكافحة الاختلاط.
 
صوت
 
 من مقهى "كوفى ترايدر" فى صنعاء، بدأت الشاعرة اليمنية "سماح الشغدري" من خلال مؤسستها "مؤسسة صوت" فى تنفيذ رسالتها الفنية والإنسانية التى تستهدف الجمهور، واتخاذ السينما كوسيلة جمالية لنبذ فكرة الحرب بين اليمنيين، ومن يوليو 2015 وحتى مارس 2016، عرضت ما يقارب من عشرين فيلماً متنوعاً، يتخلله ندوات نقدية عن هذه الأفلام، أسهم فيها مثقفون متخصصون فى النقد السينمائي، ولحفاوة الجمهور بهذه الفاعليات الثقافية، عرضت  مؤسسة صوت من أغسطس 2016 وحتى أكتوبر 2016 ثلاثة عشر فيلما، وتميزت فاعليات صوت بكثافة الحضور من المشاهدين، خصوصا النساء، اللواتى كسرن التقليد الاجتماعى وشاركن فى هذه الفاعليات، لكن نقص التمويل جعل المؤسسة توقف نشاطها الثقافى فى صنعاء، وذلك لرفض "سماح الشغدري" الطلب من أطراف الحرب تمويل نشاطها الثقافى.
 
إن يوميات المثقف اليمنى الذى ظل فى بلاده محزنة، فهو لا يعيش فقط يوميات الحرب القاسية وانعدام خيارات الحياة فيها، وإنما واقع منهك وبلا أفق كرسته الحرب وأطرافها، واقع يجرف أى مظاهر ثقافية جادة، حتى لو كانت فردية، واقع لا يحتفى سوى بصوت الرصاص وأخبار المعارك وجبهات الحرب.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg