رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 24 سبتمبر 2018

المجلة



طقس الحداد ظل خارج حدود المنشآت التعليمية والمراكز الثقافية.. سوريا لم تأخذ إجازة من الجمال

30-3-2018 | 01:26
عبير سليمان

بعض المقاهى فتحت الأبواب للأمسيات الشعرية والموسيقية لتنعش البهجة والأمل فى القلوب

فى مدينة حلب افتتح شاب سورى عام 2015 أكبر مكتبة فى سوريا
 
الفن لغة الشعوب الحية ودليل عافيتها؛ سفيرها الأبلغ بين الأمم وحارس حدائقها الجمالية، إنه الزيتُ الأبهى فى قناديل الحضارات، وتكاد تكون لكل بلد بصمته الثقافية الخاصة به، إنها علامته الفارقة بين البلاد، لمسته الخالدة على مر الزمان؛ الفراعنة تميزوا بأهراماتهم المذهلة، وما احتوت من كنوز أثرية فى جوفها وبالمنحوتات الباهرة أمام بواباتها، كما لن يختلف اثنان من أى مكان فى العالم عندما يتأملان تمثال أبى الهول على أنه جزء شهير من تاريخ مصر.
 
نميز العراق بالإرث الهائل الذى تركته الأقوام العريقة التى عاشت فيه؛ كذلك سوريا الكليمة التى صنعتْ من ثقافتها وفنونها وعزيمة أبنائها عكازاً يعينها على مقاومة الحرب، لنقف ونحكى قليلا، إذ يُخيّل للناظر من وراء الحدود أنه لم يعد يجرى شيءٌ ضمن هذه المساحة الجغرافيّة المنكوبة سوى ما تقرّره البنادق وما تنفثه الحرائق؛ غير أنّ سوريا تقول كلاماً آخر!
 
فرغم قسوة الحرب التى أسدلتْ ظلالها الثقيلة على عدة مدن سورية؛ سعى أهل المدن الآمنة وشبه الآمنة إلى ضخّ الروح فى شرايين البلاد، كمحاولة إنعاش للفن والجمال وفرض مظاهر الحياة بمختلف أشكالها وألوانها، لم تأخذ سوريا إجازةً من جمالها؛ جمالها المصاب بجرح نازفٍ فى القلب لم يرضَ بنقاهةٍ تبعدهُ عن أبنائه ومحبيه؛ ففى تحدٍّ عارم للموت والانكسار؛ تشبّث المؤمنون بخلاص سوريا بأطواق نجاتها، جدفوا بالأيدى والقلوب والآمال بغية إنقاذها من الغرق.لم تتعطل المدارس المعرّضة لنيران القذائف، ولا الجامعات التى استشهد فيها غير مرة عدد من الطلاب خلال دوامهم، طقسُ الحداد ظلّ خارج حدود المنشآت التعليمية والمراكز الثقافية، بدت إرادة الحياة قوية لدى جميع من بقى داخل سوريا، فلا الموت اليومي، ولا الخسارات المتراكمة ولا العقوبات الاقتصادية ولا الخذلانات، ولا العوائق التى انهالت من كل حدب وصوب أفلحت فى ثنى الناس عن محاولات صنع الأمل واجتراح الجمال.
 
لا يخفى على أحد أن المعالم الحضارية السورية، كانت أهدافاً للمجموعات الظلامية التى حاولت تدمير البنى التحتية والمرافق السياحية والصروح الأثرية التاريخية، ففى تدمر التى احتلّها تنظيم داعش الإرهابى تمّ تدمير واجهة المسرح الرومانى والمصلبة (التترابيليون) بعد تفخيخ عناصر التنظيم لها؛ لم يمنع هذا السوريين الذين انتظروا بحرقة تحرير الحاضرة الأثرية العريقة من الإرهابيين؛ لم يمنعهم من محاولة بث الروح فى المكان بحفل موسيقى أحيته فرقة سورية غنّت لفيروز أغنيتها الشهيرة “راجعين يا هوى” ذلك الرجوع الذى انتظره السوريون بكل لهفة وحب، إلى مدينة شهدت أحلى المهرجانات الفنية الثقافية قبل اندلاع الحرب.
 
عجلة الفنّ ظلت دائرة فى دروب البلاد؛ بل شهدت دفقاً شبابياً لافتاً للنظر فى مفاصلها، فى المسرح والموسيقا والسينما التى شهدت عدة مهرجانات شبابية فى مجال الفن السابع، حيث كان آخرها مهرجان سينما الشباب والأفلام القصيرة الذى أقامته المؤسسة العامة للسينما بالتعاون مع وزارة الثقافة والذى شهد عام 2017 دورته الرابعة التى كانت مهداة لروح فنان الشعب الكبير الراحل رفيق سبيعي.
 
فى مجال الأفلام السينمائية الطويلة أنتجت المؤسسة العامة عدة أفلام خلال سنوات الحرب السورية، أبرزها فيلم “العاشق” للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد “الرابعة بتوقيت الفردوس” للمخرج محمد عبد العزيز وفيلم “مطر حمص” لجود سعيد و”عرائس السكر” لسهير سرمينى، وفيلم “الأم” لباسل الخطيب وفيلم “ما ورد” لأحمد إبراهيم أحمد وحالياً يجرى العمل على تصوير فيلم “مسافرو الحرب” للمخرج جود سعيد.
 
فى مدينة حلب التى شهدت أعنف وأقسى سنوات الحرب الدامية والتى اعتبرت قبل سنة من تاريخه المدينة الأخطر فى العالم؛ افتتح شاب سورى عام 2015 أكبر مكتبة فى سوريا، حيث تم إنشاؤها ضمن مساحة تبلغ ألف متر مربع وتحوى ألفى كتاب وقاعات خاصة بالمطالعة والبحث العلمى وقاعة للأساتذة وكبار الباحثين، ومسرح سينمائى يعد الأول من نوعه فى سوريا وأجهزة كمبيوتر للطلاب ومحبى الاطلاع.
 
فى دمشق شهدنا أخيراً عودة معرض دمشق الدولى بعد انقطاع دام خمس سنوات، المعرض الذى يعد أكبر تظاهرة اجتماعية ثقافية فنية واقتصادية فى سوريا، شارك فى المعرض ثلاث وأربعون دولة عربية وأجنبية وتميّز بإقبال جماهيرى كبير جداً لحضور الفاعليات المختلفة فى شتّى ألوان الحياة، قبل أيام قليلة من هذا الحدث افتتح معرض دمشق الدولى للكتاب الذى استمر عشرة أيام وشاركت فيه 150 دار نشر بينها أربعون دارا عربية وأجنبية.
 
فى دمشق أيضاً انطلقت فاعليات ملتقيات دمشق الثقافية المتنوعة عام 2016 التى ترعى ندوات فكرية وأدبية وموسيقية وتشكيلية فى المركز الثقافى بـ “أبو رمانة” واستأنفت دور الثقافة الباقية نشاطاتها الاعتيادية، حتى فى ظل تعرض العاصمة لضرب الصواريخ فى كل حدب وصوب، واستقبلت دار الأوبرا السورية كل الفاعليات والمبدعين من داخل سوريا وخارجها بكثافة فاقت ما قبل الحرب.
 
كما كان لبعض المبادرات الثقافية  خارج الإطار الرسمى فى العاصمة وجميع المحافظات دور كبير فى إبقاء فتيل الجمال مشتعلاً، بعضها على سبيل المثال لا الحصر مبادرة “مهرجان يا مال الشام” التى حاولت استقطاب المبدعين من كل مدن سوريا إلى مواسمها الأدبية، وحاولت نقل نشاطات المهرجان إلى باقى المدن، أيضاً بعض المقاهى فتحت الأبواب للأمسيات الشعرية والموسيقية لتنعش البهجة والأمل فى قلوب السوريين.
 
فى طرطوس تابعت جمعية العاديات الثقافية رعاية الندوات الفكرية والأمسيات الأدبية وإقامة الجولات المهتمة بالسياحة التراثية، ومن حمص انطلق مشروع مدى الثقافى فى خطوة، تهدف لاستقطاب الطاقات الشابة وبلورة نشاطها الثقافى الثرى لدفع عجلة الحياة قدماً برغم أنف الدخان، حيث سعى القائمون بالمشروع لبناء جسور بين المدن السورية بإنشاء فروع له فى المحافظات وربط النشاطات الفنية والأدبية ببعضها، وتفعيل العمل التشاركى المتبادل بين أبناء المدن السورية؛ أقاموا عدة معارض وأمسيات شعرية وجولات سياحية إلى المناطق الأثرية والطبيعية الجميلة فى سوريا؛ كما أنشأ المشروع مجلة إلكترونية تنشر دورياً  العديد من المقالات الفكرية والأدبية والدراسات الفنية اللافتة للنظر.
 
الملتقى الثقافى العائلى فى مشتى الحلو رعى مهرجان الدلبة الأدبى الفنى الذى جذب اهتماماً شعبياً لافتاً للنظر تابع الجمهور فيه عدة ملتقيات  فنية وثقافية راقية، أما مدينة اللاذقية التى يطيب لأبنائها أن يسموها عاصمة النحت والتشكيل والمسرح، كادت تبدو الأنشط ثقافياً خلال الفترة الماضية، أو ربما كانت عاصمة الثقافة السورية خلال سنوات الحرب؛ فدور المسرح والثقافة والأدب والفن والنحت والتشكيل لم تغلق أبوابها أبداً، المسرح الجامعى قدم خلال الأزمة العديد من النشاطات المسرحية، حيث أقام المهرجان المسرحى الفرعى الثالث ومهرجان مسرح الاستديو الأول وتظاهرة على مستوى القطر، قدّم فيها خمسة عروض مسرحية جالت ثلاث محافظات هى اللاذقية ودمشق والسويداء، شارك فى مهرجان المسرح الجامعى بطرطوس بعرضين ونال جائزتين واحدة لكل عرض، شارك فى مهرجان نقابة الفنيين فى حمص وفى حماه واللاذقية وأهم عروضه “مواويل شرقية” “سكر مر”  “حقائب باردة” إخراج هاشم غزال و”بنفسج” و”سايكو” إخراج رغداء جديد و”العميان” إخراج أحمد البدرى و”رياحين” و”اليوبيل” إخراج قيس زريقة، كما كانت له مشاركة فى مسرح الشارع بيوم مناهضة العنف ضد المرأة قدمت فى شوارع اللاذقية والجامعة، أما مسرح المدينة القومى يقدّم عروضه على مدار العام ويحظى بمتابعة لافتة للنظر من أهل المدينة وبعض المسرحيات التى عرضت فيه أخيراً “الفزاعة” إخراج لؤى شانا و”أوبرا الشحادين” إخراج سلمان شريبة و”اختطاف” إخراج أيمن زيدان.
 
المعارض التشكيلية تجرى على قدم وساق عدة مرات سنوياً فى جميع الأماكن المتاحة وبطابع رسمى وغير رسمي، ففى كل فصل من فصول العام تقيم مديرية الفنون الجميلة بالتعاون مع اتحاد التشكيليين السوريين معارض تصوير ونحت وجرافيك وخزف، كما أقيم فى دار الأوبرا هذا العام المعرض الاستعادى الأول فنانات من سوريا، كما أتيح للفنانين الذين لم تتجاوز أعمارهم ال 35 عاماً فرصة المشاركة بأعمالهم بنظام الجوائز فى معرض الربيع الفائت، وحالياً يجرى الاستعداد لمعرض الخريف، والصالات الخاصة تقيم معارضها وتستقبل الفنانين من كل المحافظات، ولقد درج أمر استضافة المقاهى المهتمة لبعض تلك الفاعليات، كمقهى هيشون آرت وجاليرى عامر ضاحى على، فى جبلة الذى حوّل صالته البديعة لمكان يستقبل فيه كل النشاطات الثقافية الشعرية والفنية والموسيقية والتراثية.
 
هذا الصيف أقيمت عدة معارض للنحت على الخشب والحجر والرمل ، ولقد حظى ملتقى أوغارو للنحت على الرمل فى نادى اليخوت باللاذقية إقبالاً شعبياً من كل الفئات العمرية، شاركت على هامشه لوحات من مدارس فنية مختلفة لعدد من فنانى سوريا، وفى مدينة السويداء أقيم ملتقى النحت البازلتى برعاية وزارة التربية ومعهد الفنون التشكيلية، استمر الملتقى لمدة شهر شارك فيه نحاتون من باقى المدن السورية، وكنوع من محاولة الإحاطة بمعظم أشكال الحياة الإبداعية فى جميع المجالات، ولأن شبكات التواصل الاجتماعى باتت وسيلة عصرية تستقطب يومياً مئات الآلاف من المشاركين، تمّ قبل نحو ثلاثة أعوام إنشاء المجموعة الفيسبوكية “الأيقونات السورية” بمبادرة من الشاعر والنحات أحمد إسكندر سليمان، توثق قدر المستطاع نشاطات المبدعين السوريين داخل البلد وحول العالم، وتعرّف بهم وتعلن عن نشاطاتهم المقبلة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg