رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 24 سبتمبر 2018

مقالات



المايسترو لويس جريس

31-3-2018 | 02:41
سيد محمود

تذكرت وأنا أقرأ خبر موت الكاتب الصحفى الكبير لويس جريس, الذى لم أتشرف بالعمل معه, أن شغفى بالصحافة ارتبط به ارتباطا وثيقا, إذ تأسس  على عشق بلغ حد الولع بمجلة صباح الخير فى السنوات التى تولى فيها رئاسة تحرير المجلة.

ولا أزال قادرا على تذكر موضوعات وقصص صحفية كاملة، كتبها نجوم ونجمات أجيال من الصحفيين تحلقوا حوله  خلال تلك السنوات وبعدها، كما ما أزال  أذكر جيدا لمعة عينه وهو يتحدث عن زوجته الراحلة  سناء جميل فى كل مناسبة كانت تستدعى ذلك، وبقيت أميز  فى صوته تلك النبرة التى تختلط فيها أسباب البهجة مع علامات الأسى، لكن ما أذكره أكثر من أى شيء، أنه أول  من اقترح عليّ العمل بالصحافة، وقت أن كان ذلك حلما بعيد المنال، فقد كان يشرف على صالون ثقافى تنظمه الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكنت أحضر بانتظام خلال سنوات الجامعة، وفى واحدة من الأمسيات بقيت أناقش الكاتب الراحل يحيى حقى بإلحاح كبير، لكن لويس جريس أنهى هذا النقاش على طريقته وطلب منى أن أكتب رأيى وأذهب إليه فى "صباح الخير" لينشره فى المجلة، وبطبيعة الحال لم أصدق ولم أفعل، بدوافع الخوف والتردد. عملت  بعدها فى الصحافة وتوالت الأسباب والمجالس التى يذكر فيه  اسمه بكل تقدير، حتى تشاركنا قبل سنوات  فى حلقة نقاشية ولدت فى قلب الجدل الذى أحدثه عرض فيلم "بحب السيما"، وجاء وتحدث عن الفيلم منتقدا بعض مشاهده، لكنه رفض  أن تأخذ الرقابة أى قرار يتعلق بمنع عرضه، وحين تحدثت معقبا اختلفت معه فى الأمور الفنية التى ناقشها، ودافعت عن محتوى الفيلم ورؤية صناعه، لكنى  عبرت عن رأيى بالكثير من التقدير لكل كلمة قالها، ولما انتهت الندوة أصرّ على أن أصحبه ليتعرف إلىّ أكثر وليستند على يدي، ومضينا معا فى شوارع وسط البلد نتناقش حول الفيلم ثم امتدت جلستنا على مقهى كبير فى باب اللوق إلى جوار بائع صحف كان من بين زبائنه، وظل يحكى بتواضعه المعتاد عما عاشه من تجارب وخبرات وعلى وش الفجر، طلب منى توصيله للمنزل فى جاردن سيتي، وبقينا بعدها نتحدث فى التليفون ونلتقى فى مناسبات كثيرة  احتفظ فيها  بالحنو البالغ الذى لم يفقده أبدا.
 
وواقع الحال أن ما يميز لويس جريس حقا، أنه بلغ فى مهنتنا ما بلغ من مكانة ناجيا من ضغائن كثيرة، فلا يذكر اسمه من الكبار والصغار  إلا محاطا بجلال  نادر ولم يعرف عنه الصراع على أى شيء فقد تمتع بفضيلة الرضا.
 
عمل  لويس مع الآباء المؤسسين  لمؤسسة "روزاليوسف" وتعلم من صاحبتها الحكمة والمغامرة، وعلينا أن نتخيل المشقة التى عاشها ليجد مكانا  آمنا بين جدران مدرسة الهواء الطلق فى الصحافة المصرية،  أو كيف صاغ جملته الواضحة وحوله أساطين وأساطير من أمثال إحسان عبد القدوس وأحمد بهاء الدين ويوسف إدريس وصلاح حافظ وحسن فؤاد وصلاح جاهين وحجازى ومحيى اللباد وصلاح الليثى وصبرى موسى وعلاء الديب وكل اسم فيهم هو مؤسسة كاملة.
 
كيف استطاع رجل أن يسمو فوق خلافات ومعارك سياسية وفكرية ليبقى بمهارة لاعب سيرك يمشى على السلك ولا يخشى من السقوط.
الأكيد أن موته ينهى زمن القادرين على العطاء بحكمة وتواضع  يليق به كمايسترو كبير قاد فرقة كانت كلها من العازفين المهرة.
ربما لم يترك  لويس جريس لحنا خالدا، لكن ما يخلده, أنه استطاع دائما الدفاع عن الموسيقى.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg