رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 18 نوفمبر 2018

المجلة



منهم «طه والرافعى والشيخ رفعت».. عباقرة قهروا المستحـيل

1-4-2018 | 23:33
السيد رشاد

طه حسين.. مفجر الثورة الثقافية الحديثة
 
«الرافعى» من طفل «أصم» إلى معجزة أدبية
 
معركة بين لندن وباريس وبرلين بسبب صوت «الشيخ رفعت»
 
حينما يزحف ليل الإعاقة على الأجساد، قد تذبل زهور الروح، وربما تجلد الشيخوخة بظلالها مبكرا كل طموح، وعندها تتحول الحياة إلى مهمة ثقيلة تحملها خطوات منهكة، تسير على عكازين داخل سجن الجسد. هذه هى - غالبا - حال من أدخلتهم الأقدار اختبار فقدان حاسة أو أكثر، سمع أو بصر، ساق، أو يد، أو جسد بكامله لم يتبق منه سوى وميض، أو حركة جفن، لكن من بين هؤلاء نماذج فريدة، رفضوا أن تتحول إعاقاتهم إلى زنازين لطموحاتهم، ولم يسمحوا لها أبدا أن تصبح مواسم لا تنتهى من اليأس والعجز، فأطلقوا طائر العزيمة والإصرار، ليبددوا ظلام حواسهم وأبصارهم، وليحققوا أهدافهم، بل يقودوا جموع أمتهم بنور إرادتهم.
 
قيثارة السماء
 
الشيخ محمد رفعت، هو نجم تلاوة القرآن المتفرد، الذى خشع لصوته حتى أصحاب القلوب القاسية، وأسلم لتلاوته حتى من لا يفهمون العربية متأثرين بجلال الآيات الكريمة، وهى تعانق جمال أوتار قيثارة السماء.
 
فى التاسع من مايو، فى حى المغربلين بالدرب الأحمر بالقاهرة الفاطمية، ولد طفل جميل، تتلألأ عيناه الواسعتان ببريق يخطف الأبصار، لكن لم يكد يتم العامين، حتى أصيب بمرض أذهب نور بصره، لكن دون أن ينال من بصيرته، وفى كُتّاب مسجد فاضل باشا بدرب الجماميز بالسيدة زينب، حفظ الطفل الموهوب القرآن الكريم قبل أن يتم العاشرة، ونذر نفسه للقرآن العظيم تلاوة ومعنى وتصديقا، فبدأ مرحلة بناء قدراته بتعلم أحكام التجويد، ثم أتقن علم القراءات، لما بلغ عامه الخامس عشر، عين قارئا فى ذات المسجد، وكان يوم الجمعة لقاءه الأسبوعى مع الجمهور الذى كان يأتيه من شتى أنحاء العالم العربى والإسلامى، فتغلق الطرقات والشوارع المجاورة تماما من زحام الحشود التى جاءت تستمع لهذا الصوت المعجزة، والأداء الراقى المؤثر الذى يخلب الألباب وينطلق بمستمعى الذكر الحكيم فى أجواء قدسية، تحفها ملائكة السماء.
 
وفى عام 1934 ومع انطلاق أول إذاعة مصرية رسمية، كان رفعت أول صوت ينطلق من الإذاعة مرتلا قوله تعالى «إنا فتحنا لك فتحا مبينا»، وكان هذا الصوت وراء الإقبال الواسع على شراء أجهزة الراديو، وازدحام المقاهى وبيوت الأثرياء، وأطبقت شهرة الشيخ رفعت الآفاق إلى حد أن تنافست الإذاعات العالمية الكبرى فى لندن وباريس وبرلين، وغيرها على إذاعة القرآن الكريم بصوت أشهر قراء القرآن الكريم فى القرن العشرين.
 
قاهر المستحيل
 
فى قرية «الكيلو» بمحافظة المنيا، ولد الطفل طه حسين عام 1889، وبعد أربع سنوات فقط أصيبت عيناه بالرمد، فأطفأ نورهما إلى الأبد، وبرغم ذلك تحدى فقدان بصره، ليحقق ما لم يحققه المبصرون من معاصريه.
بعدما حفظ طه حسين القرآن الكريم، وهو فى العاشرة، التحق بالأزهر ثم بالجامعة، وكان أول من حصل على الدكتوراه من الجامعة المصرية، كما حصل على الدكتوراه من جامعة السوربون أعرق جامعات فرنسا والعالم، وتقلد أرفع المناصب حتى وصل إلى منصب وزير المعارف، رافعا شعار «مجانية التعليم.. فهو للمصريين كالماء والهواء»، أسس جامعة الإسكندرية، ثم جامعة عين شمس بالقاهرة، كما لقب بعميد الأدب العربى.
أحدث ثورة نقدية وأدبية واسعة، قدم من خلالها 64 مؤلفا وعشرات المؤلفات المشتركة والدراسات والمقالات، وفاز بعشرات الجوائز المصرية والعربية والدولية، كان آخرها جائزة الأمم المتحدة لرواد تحرير الإنسان قبيل رحيله بأيام فى التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1973.
بعدما اطمأن على محبوبته مصر، وكأن الله تعالى أراد أن يكافئ هذا العبقرى بسماع أروع نبأ فى تاريخ أمته المعاصر، نبأ العبور. ولا تزال سيرة حياته فى رائعته «الأيام» التى ترجمت لأكثر من 15 لغة عالمية، تدرس فى الجامعات كنموذج استثنائى بصورة إعجازية تلحقها إحدى مقولاته الشهيرة التى يقول فيها: «لم أتصرف فى يوم من الأيام على أننى أعمى، حتى فى الأوقات التى عيرنى فيها البعض بهذه العاهة، كنت أسخر منهم، وأستشعر أن من عيرنى هو الأعمى ولست أنا».
 
معجزة الأدب
 
فى مدينة دمنهور عاصمة البحيرة، ولد مصطفى صادق الرافعى عام 1880، أصيب بالصمم، بعد حمى ألمت به، لكن فقدان سمعه لم يمنعه من تحقيق طموحه، ليصبح واحدا من كبار الكتاب العرب فى عصره، وكل العصور، وتحقيق شهرة واسعة، حتى أطلق عليه «معجزة الأدب العربى»، تمتع بإرادة قوية، وعزيمة حاسمة، وأخذ نفسه بالجد والاجتهاد ليترك للمكتبة العربية عشرات المؤلفات من أبرزها: ديوان الرافعى، وديوان النظرات ومجموعة من المؤلفات الفكرية التى وصفها الزعيم مصطفى كامل وقتها بأنها «الحكمة فى أجمل قالب من البيان» ومن أبرزها كتابه «المعركة تحت راية القرآن» و«حديث القمر» و«المساكين» ومن «وحى القلم» و«السحاب الأحمر» و«أوراق الورد» فضلا عن عشرات المقالات والدراسات التى حوى بعضها كتابه «السحاب الأحمر» الذى صدر قبل رحيله عام 1937.
 
أديب كبير
فى السابع والعشرين من فبراير عام 1927، ولد الطفل صبحى الجيار بالقاهرة، ليصاب بعد بضع سنوات بمرض تيبس المفاصل، مما جعله لا يستطيع المشى، أو الجلوس، كل ما يمكنه فعله بسبب هذا المرض اللعين، أن ينام على ظهره، ويحرك أصابع ذراعه اليمنى فقط.. هكذا قضى صبحى الجيار عمره سجين سريره بين أربعة جدران، لكنها كانت حياة أديب كبير على سرير صغير، حيث قدم للحياة الثقافية من رقدته هذه العديد من المؤلفات الفكرية والإبداعية فى مقدمتها كتابه الرائع «ربع قرن من القيود» الذى حصل من خلاله على جائزة الدولة، كما قدم العديد من المجموعات القصصية منها «يستر عرضك» و«سوق العبيد» و«العيون الزرق» إضافة إلى كتابة عشرات المسلسلات الإذاعية، كما قام بترجمة عشرات الكتب من الإنجليزية إلى العربية، وقد حظيت ثلاثيته «المأساة ـ الكفاح ـ الحصاد»، باهتمام مصرى وعربى وعالمى واسع النطاق، وترجمت إلى عدة لغات.
 
أسطورة الفلكلور
شاءت الأقدار أن يفقد بصره وهو طفل لم يكمل الخامسة عشر من عمره، نتيجة صدمة قوية فى جبهته أثناء لعب كرة القدم، لكن الدكتور وعالم الفولكلور القدير عبد الحميد يونس لم يفقد مع نور عينيه، نور المعرفة وبصيرة الإرادة والتفوق والنبوغ، حيث لم يتوقف عند حصوله على الدكتوراه، وعمله أستاذا للأدب الشعبى بالجامعة، بل كان نموذجا للعالم المهموم بقضايا أمته، حيث قام صاحب الأسطورة والفن الشعبى بالدفاع عن الجذور القومية للمأثورات الشعبية، ودخل معارك شرسة ضد أعداء حرية الرأى، ومحاولة طمس الهوية المصرية، وكان يرى أن الأدب والتراث الشعبى الوسيلة الأولى للدفاع عن الذات والهوية القومية، هو رائد الأدب والدراسات الشعبية بلا منازع، وصاحب معجم الفولكلور، كما أنه مؤسس أول مركز دراسات للفنون الشعبية وقد ترك لنا حتى رحيله عام 1988 أكثر من أربعين كتابا أهمها كتابه المهم «دفاع عن الفولكلور» إضافة إلى عشرات الأبحاث والدراسات التى حصل عنها على العديد من الجوائز والأوسمة، لتبقى هى جائزتنا الكبرى.
 
صاحب مقام العشق
 
«رحلة الضوء الجميل والقلب المغرم بالوجود، ما بين مقام العشق ومقام الخلود»، هكذا وصف الشاعر جمال بخيت.. تلك العبقرية المصرية الموسيقية الفذة عمار الشريعى.. ابن «سمالوط» الذى ولد مكفوفا لكن فقدانه البصر، لم يمنعه من أن يصبح واحدا من أكبر المجددين فى الموسيقى العربية، حيث قدم على مدار أربعين عاما إبداعات عبقرية على صعيد التأليف الموسيقى، كما نقل فن الموسيقى التصويرية نقلة تاريخية، حيث أدخل العديد من الآلات الشرقية، وخصوصا آلة العود إلى جانب الآلات الحديثة مبدعا موسيقى تصويرية معبرة عن المضمون الدرامى، بل أصبحت موسيقاه رمزا للعمل الدرامى وليس العكس، وقد حفرت كلها بلا استثناء مكانتها التى لا تتنازع فى قلوب ملايين المصريين والعرب، فضلا عن تقديمه عشرات الألحان التى تجاوزت 150 لحنا لمعظم مطربى مصر والعالم العربى، وكان أحد أكبر نقاد ومحللى الموسيقى العربية الذى قاد حملة تنوير موسيقية غير مسبوقة عبر برنامجه الأشهر «غواص فى بحر النغم» بل وصل الأمر إلى تطويره آلة الأورج فى تحد عجيب لإعاقته، نظرا لصعوبة وتعقيد هذه الآلة التى تعتمد بدرجة كبيرة على الإبصار.
 
المسحراتى
 
فى حى الناصرية بالسيدة زينب أحد أعرق أحياء المحروسة، ولد الطفل سيد مكاوى فى 8 مايو 1928، مكفوف البصر، لكنه رفض الاستسلام لإعاقته، وانكب على التراث الموسيقى والغنائى ينهل منه، خصوصا تراث الإنشاد الدينى، وقد وهبه الله تعالى ذاكرة موسيقية جبارة، فما إن يستمع للدور أو الموشح لمرة واحدة، حتى تنطبع فى ذاكرته، وفى بداية الخمسينيات اعتمدته الإذاعة مطربا، حيث كان يقوم بغناء أغانى تراث الموسيقى الشرقية على الهواء مباشرة، ثم بدأت تتعامل معه الإذاعة كملحن قدم عشرات الأغنيات الوطنية والدينية والشعبية، والعاطفية لكبار مطربى ومطربات عصره، وقد توجه بلحنه الشهير لسيدة الغناء العربى أم كلثوم «يا مسهرنى»، كما قدم المسلسلات التليفزيونية، فيما تفرد بتقديم «المسحراتى» بأسلوب جديد، حيث استغنى عن الفرق الموسيقية مكتفيا بالطبلة، ليحقق نجاحا هائلا، كما كان له الفضل فى تقديم ووضع أساس الأغانى الجماعية، فضلا عن إسهاماته المسرحية، خصوصا فى مسرح العرائس برائعته الخالدة «الليلة الكبيرة».
 
أبو الأبطال
 
لم تمنعه إعاقته فى قدميه من حصد الميداليات الذهبية والفضية فى خمس دورات أوليمبية متتالية، فى معجزة رياضية مصرية أبهرت العالم كله، الذى أطلق عليه «أبو الأبطال»، ولذلك لم يكن غريبا أن يضيف الاتحاد الدولى لرياضة رفع الأثقال البطل المصرى الفذ أحمد جمعة، بأنه أحد أفضل عشرة لاعبين فى رياضة رفع الأثقال على مستوى العالم فى تاريخ اللعبة سواء على مستوى الأسوياء أم المعاقين، كما اختار الاتحاد الدولى لرفع الأثقال أن يضع صورته على أغلفة جميع كتبه ونشراته ومطبوعاته،  وما زالت الأرقام الأسطورية باسمه حتى الآن.
 
المخترع
 
لم تمنع الإعاقة شبه الكاملة العالم الفذ ابن أسوان من إبهار العالم باختراعاته العلمية غير المسبوقة، خصوصا فى مجال خدمة المعاقين ليحول العبقرى الصعيدى عبد الرحمن عمران، أزمته إلى ميزة كبرى قدم من خلالها العديد من الابتكارات العلمية، أشهرها برنامج «ويندوز» للمكفوفين للتعامل مع الحاسب الآلى بحركة العين دون الحاجة إلى لوحة المفاتيح أو الفأرة، كما قام باختراع كرسى لذوى الإعاقة الكاملة يتم توجيهه بحركة الرأس وليس باليدين أو الساقين، وهو الاختراع الذى أتاح لمرضى الشلل الرباعى إمكانية الحركة والاعتماد على أنفسهم.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg