رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 12 نوفمبر 2018

مقالات



حالة توماس

13-4-2018 | 17:37
سيد محمود

يمثل الزميل العزيز توماس جورجيسيان، مراسل الأهرام فى واشنطن، حالة خاصة بين الزملاء المراسلين، فهو على الرغم من السنوات التى قضاها مغتربا عن الوطن، فإن ما يكتبه يعطى انطباعا بأنه لا يزال يتحرك فى شارع قصر العينى بالحماسة نفسها التى بدأ بها تجاربه الصحفية الأولى فى "صباح الخير " قبل أكثر من ثلاثين عاما، ولا تزال لديه فضيلة الدهشة والقدرة على تدبير لقاء يومى مع الجَمَال. 

ومن يتابع صفحة توماس على فيس بوك، لا بد أنه لاحظ ولعه البالغ بالصور التى يبدأ بها يومه ويومنا وتنحصر اختياراته بين نجوم ونجمات للفن والكتابة فى مصر والعالم، ولا هدف منها غير التبشير بالجمال ورعاية الأمل، ومن خلال هذه الصفحة لفت نظرنا إلى أن قامات كبيرة تعيش بيننا دون أن نبذل الجهد اللائق فى التعريف بها وبأدوارها مثل شيخ الصحفيين محمد العزبى والكاتب الكبير رشدى أبو الحسن، فهو مثلا يعيد أسبوعيا نسخ مقال العزبى ونشره، ليلفت نظر قراء آخرين لقيمته المهنية الرفيعة، وكذلك يفعل مع كتابات الأستاذ رشدى القليلة والعميقة فى آن، والتى تردنا إلى زمن جميل مضى وتدفعنا لاقتفاء أثره فى معرفة الكبار والسير على خطاهم.
 
أما مناسبة الكلام عن توماس جورجيسيان، فهو كتابه الجديد (فى قلوبنا عشق)، الصادر عن دار دلتا للنشر والتوزيع، ويعيد هذا الكتاب الاعتبار للكتابة العابرة للتصنيف، لأنه شأن كتابه الذى سبقه (الطيور على أشكالها تطير)، (دار العين 2016) يمزج فى حرفية بالغة بين كتابة الذات والموضوع، بل ويلغى المسافة بينهما على نحو يجعل من قلب الكاتب وعقله جزءا من هذا النسيج. 
وفِى الكتاب يتجلى ميراث مدرسة صباح الخير الصحفية كاملا مكتملا، كمدرسة صحفية للهواء الطلق يعرف كتابها الطريق المباشر لقلبك وعقلك، كما أن لديهم باستمرار القدرة على تجديد الهواء المحيط بروحك، وربما صنعوا لك أجنحة فى كل مرة تقرأ لهم. ينحاز الكتاب لفكرة الإبداع ومعانى التجاور بين الأدب والفن، وتتجلى فيه ذائقة صاحبة الرفيعة، لأن كل فصل اختيار وانحياز لقيمة وتأكيد للرغبة فى احتضان الحياة. 
 
والكتاب سبيكة من الذهب الخالص، كتبها كاتب محترف عرف فى مهنته الطريق لجواهرجية الكتابة الذين تطالع وجوههم فى الكتاب بداية من يحيى حقى ونجيب محفوظ ومحمد الماغوط وكامل زهيرى ويوسف إدريس، وصولا لإبراهيم أصلان ومحمود دويش وشادى عبد السلام ومى زيادة وواسينى الأعرج، لكن هؤلاء أبطال فى حكايات صاغها توماس ليشيد منها بناية تخصه، وفِى كل طابق أنت على موعد مع قيمة، وخلف كل باب دليل إلى معنى جديد وظل غائب.
 
عرف توماس منذ سنوات أنه فى مهمة لكى يحرس الحلم، وعرف أن المسألة ليست سهلة والأثمان باهظة والكتابة ليست فقط مهنة لأكل العيش (عنوان أحد أجمل فصول الكتاب)، لكنها استجابة لهواجس ما أو رفقة مع قرين وهمس مع صديق ترافقه، ولا تعرف إلى أين يمضى، وقراءة ما يكتبه توماس صفقة شراء لتذكرة تأخذك فى رحلة مديح للكتابة الحلوة وأبطالها، وهى أيضا فرصة للتزود بجرعات جديدة من الأمل مضادات للاكتئاب، حيث لا تغيب الابتسامة ولا للحس الساخر والكتابة فى ظل مفارقة المكان والزمان، فعبر كل فصل يذكرك الكاتب بأنه (الآن وهنا) ويقول: (لك هذا ما كان فانظر حولك).
 
يقول محمود درويش، لا نصيحة فى الحب سوى التجربة، ولا نصيحة مع كتاب توماس سوى قراءته، عملا بالحكمة الصوفية من ذاق عرف.  
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg