رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

مقالات



ماذا بعد العدوان الثلاثى على سوريا؟

18-4-2018 | 18:06
د. حسن أبوطالب

يمثل تعبير العدوان الثلاثى معنى خاصا للمصريين، فهو معلم بارز فى نضالهم ضد الظاهرة الاستعمارية بشكلها التقليدى وفقا لمتغيرات الخمسينيات من القرن الماضى، إذ هدف ذلك العدوان الذى بدأ فى 29 أكتوبر 1956 لإعادة احتلال منطقة قناة السويس، وإفساح المجال أمام الجيش الإسرائيلى للبقاء فى شرق القناة، على أن تقوم كل من بريطانيا وفرنسا بالتحكم الكامل فى القناة كما كان الوضع قبل الخروج البريطانى من الأراضى المصرية بعد احتلال دام 74 عاما. وكما يسطر التاريخ، فإن المقاومة الشعبية والرسمية التى قادها الرئيس جمال عبد الناصر ضد القوات المعادية وما شهدته من بطولات أهل بورسعيد ومدن القناة، مع التوظيف الكامل لمعادلات القوى الدولية آنذاك، فقد انتهى العدوان وانسحبت القوات الغازية إلى غير رجعة فى 23 ديسمبر 1956 أى بعد أقل من ثلاثة أشهر على بدء العدوان، وبعدها تبلورت معادلات قوة جديدة على الصعيدين الإقليمى العربى والدولى.

بعض التفاصيل التى شهدناها فى العدوان الثلاثى على مصر نجد مثيلا لها على العدوان الثلاثى على سوريا صباح السبت الماضى، فقوى العدوان ثلاثة من كبار القوى الدولية ذات السياسات الاستعمارية. وتفاصيل أخرى جاءت مختلفة، على الأقل أن الولايات المتحدة التى رفضت العدوان الثلاثى البريطانى ــ الفرنسى ــ الإسرائيلى فى 1956، كانت هى قائدة العدوان الثلاثى على سوريا بمشاركة بريطانيا وفرنسا، وهما قوتان استعماريتان تاريخيا وإن اختلف وضعهما فى الوقت الراهن. لكن يبقى الجوهر واحدا، فالعدوان فى كلتا الحالتين استهدف اغتيال الكرامة الوطنية وانتهاك السيادة والإطاحة بعرض الحائط ما يعرف بالقانون الدولى ونظام الأمم المتحدة، وفى الجوهر استهدف العدوانان خلق حقائق جديدة على الارض تخدم مصالح القوى الإمبريالية الكبرى ومن يؤيدها. فى الحالتين جاءت النتيجة واحدة أيضا، فقد فشل العدوانان ولم يحققا أهدافهما. وأنتصرت إرادة الشعبين المصرى والسورى.
 
هذا المدخل التاريخى هو للتذكرة فقط بأن رموز الأمة العربية يحملون العبء الأكبر فى مواجهة الخطط والمؤامرات والإستراتيجيات التى تستهدف خنق هذه الأمة وتبديد مقدراتها، والتذكرة أيضا بأن هذه الأمة وبالرغم من قسوة الظروف وكثافة الضغوط تظل قادرة على الصمود وقادرة على إفشال المؤامرات سواء الصغيرة أم الكبيرة منها.
 
الكذبة الكبرى 
 
العدوان الثلاثى بمشاركة كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على سوريا لم يحقق أيا من أهدافه الضمنية أو المعلنة لاسيما الأهداف الكبرى، وفى المقدمة تغيير قواعد اللعبة وإنهاك الجيش السورى وإضعاف النظام الحاكم وإثبات استخدامه أسلحة كيماوية مُحرمة دوليا، ومن ثم توريط روسيا وإدانتها باعتبارها دولة راعية لنظام مجرم حسب الدعاية الغربية، وبما يفتح الباب أمام تغييرات كبرى سورياً ودولياً تستفيد منها قوى العدوان وعملاؤها.
 
هذا الفشل هو فى الحقيقة نتاج طبيعى لجملة الأكاذيب التى بنيت عليها، وما درجت دول العدوان على تسميته بالضربة الصاروخية لنظام الأسد عقابا على ما روجوا له كذبا من استخدامه للأسلحة الكيماوية فى مدينة دوما بالغوطة الشرقية، وبالتالى إنهاء قدراته فى إنتاج المزيد من الأسلحة الكيماوية مستقبلا. كان الاتهام الأمريكى والغربى عامة باستخدام أسلحة كيماوية غير مستند إلى أدلة وبراهين حاسمة، ولم يسبقه تحقيق دولى من قبل المنظمة الدولية للأسلحة الكيماوية، وهى المعنية الوحيدة بحسم مثل تلك الأمور، وكل ما استندت إليه هو ما تردد فى وسائط التواصل الاجتماعى، وفقا لما قاله وزير الدفاع أمام إحدى لجان الكونجرس قبل يوم واحد من القيام بالعدوان الثلاثى على مواقع سورية منتقاة. قيل إنها مخازن الأسلحة الكيماوية ومصانعها. 
 
وهكذا فإن أكثر الحقائق وضوحا هى أن الادعاء بوجود أسلحة كيماوية لدى سوريا لم يثبت، فكل المواقع المدنية والبحثية وحتى العسكرية التى أصابتها صواريخ العدوان لم ينتج عن أى منها أى تسرب كيماوى، ولم ينتج عن أى منها أية إصابات سواء فى الموقع المستهدف مباشرة أم فى المحيط المباشر لها. والمعروف هنا أن الغازات تتحرك يمينا ويسارا وفى كل الاتجاهات وفقا لاتجاهات الرياح. وهو ما لم يتم رصده، والنتيجة المباشرة هى أن ادعاءات العدوان لا تعدو أن تكون كذبة كبرى لا تختلف عن كذبة كبرى سابقة، وهى الأسلحة النووية العراقية فى عهد صدام حسين، والتى استخدمت آنذاك لتبرير احتلال العراق وهدم مؤسساته واستنزاف مقدراته. 
 
تفاهمات أمريكية ـــ روسية
 
جاءت الضربة فى صورة صواريخ ذكية بعيدة المدى، قيل إنها 103 صواريخ تم إسقاط 71 منها بواسطة الدفاعات الجوية السورية، وهى منظومات روسية قديمة منذ 30 عاما، ولم ينتج عن تلك الصواريخ سوى مقتل شخص واحد، وتدمير مركز أبحاث سورى فى دير الزور ومواقع مدنية أخرى وبعض مخازن للأسلحة بالقرب من حلب وحمص. لم تستهدف الصواريخ المعادية أية تجمعات مفترضة لقوات شعبية تساند الجيش السورى أو قوات تابعة لحزب الله اللبنانى تعمل فى الأراضى السورية، كما ابتعدت تماما عن أية نطاقات جوية أو أرضية تتبع القواعد الروسية، وبما يؤكد وجود تفاهمات مسبقة بين روسيا والولايات المتحدة على أن تكون هذه الضربة الصاروخية فى أقل نطاق ممكن، وألا تؤثر على قدرات الجيش السورى أو تستهدف تغيير المعادلات الموجودة على الأرض. ويلاحظ هنا أن المندوبة الأمريكية فى مجلس الأمن وبعد أن انتهت تلك العملية العدوانية قالت إن بلادها لم تقل يوما إنها تريد إسقاط نظام الرئيس الأسد.
 
هذه ليست المرة الأولى التى تحدث فيها مثل هذه التفاهمات لمنع مواجهات كبرى لا تفيد أحدا، ولكنها تعكس حال التردى بين موسكو وواشنطن بشكل عام. فمن ناحية يمكن لقوى العدوان الثلاثية أن تدعى حفظا لماء الوجه، أنها أصابت فى مقتل القدرات الكيماوية السورية، وهو ما حدث بالفعل على ألسنة الرئيسين الأمريكى ترامب والفرنسى ماكرون ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماى. ومن ناحية أخرى يبقى الوضع على الأرض كما هو. وفى السياق ذاته فقد شهدنا تركيزا غريبا من قبل تريزا ماى فى كلمتها بشأن العدوان على سوريا بعد ساعات قليلة من حدوثه، على عدم استهداف النظام السورى أو التدخل فيما أسمته بالحرب الأهلية السورية، وأنه لا توجد خطط لضربات عسكرية أخرى مع الاحتفاظ بما أسمته القيام بضربات جديدة إذا استخدم الرئيس الأسد أسلحة كيماوية مستقبلا. وكأن الرسالة هنا هى أن العدوان ليس سوى عقاب باسم المجتمع الدولى زورا على شىء لم يحدث، لكنه فى النهاية يؤكد أن القوى الكبرى ذات التراث الاستعمارى لم تتخل بعد عن ذلك الإرث برغم تغير الظروف تغيرا جذريا.
 
محدودية الضربة الصاروخية لم تكن هكذا إلا بعد تدخلات وتحذيرات روسية بعضها كان علنيا، كما عبر عن ذلك الرئيس بوتين ووزير خارجيته والمندوب الروسى فى مجلس الأمن، والآخر جاء من خلال وسائل الاتصال الخاصة والساخنة بين الجيشين الروسى والأمريكى، فضلا عن الاتصالات بين الرئيسين بوتين وماكرون والرئيس بوتين ورئيس وزراء إسرائيل. جوهر التحذيرات الروسية يمكن تلخيصه فى أن أى عمل يستهدف إسقاط النظام السورى ستكون له عواقبه الكبرى، وأن أى خطأ فى استهداف القوات الروسية وحلفائها ستكون له نتائجه المدمرة على الأمن العالمى. تردد العسكريين الأمريكيين فى مواجهة مباشرة مع روسيا على الأرض السورية، لعب دورا كبيرا فى إقناع الرئيس ترامب بأن يخفف من غلواء تصريحاته وأن يكون واقعيا، فالمواجهة مع روسيا تعنى حربا عالمية لن تفيد أحدا. 
 
البوصلة الأمريكية المفقودة
 
لقد أكد هذا العدوان بكل وضوح أن السياسة الأمريكية وتوابعها فاقدة للبوصلة فيما يتعلق بالأزمة السورية. ثمة ارتباك أمريكى واضح، فقبل شهر أكد الرئيس ترامب أنه يرغب فى سحب قواته الموجودة فى شمال شرق سوريا، وهى المنطقة التى يتواجد فيها أكراد سوريا وتحميها قوات الحماية الشعبية المكونة من أغلبية عناصر كردية وعناصر عربية محدودة، وهذه القوات الأمريكية فى حدود ألفى جندى وموزعة على عدة قواعد عسكرية متوسطة أو صغيرة الحجم أبرزها الموجودة بالقرب من مدينة منبج. وهى القوات التى تتهمها أنقرة بأنها تدعم منظمات إرهابية وفقا للمقاييس التركية التى تعتبر كل من هو كردى أيا كانت الجنسية التى يحملها وأيا كان المكان الذى يعيش فيه يعد إرهابيا ومُعاديا للدولة التركية.
لكن رغبة الرئيس ترامب لم تكن قائمة على اعتبارات مدروسة حتى من وجهة نظر أمريكية بحتة. جاءت إشارات متضاربة من قبل قيادات عسكرية حول تلك الرغبة الرئاسية. وغالبا كانت محل اعتراضات من قبل البنتاجون الأمريكى والخارجية الأمريكية. ثم جاء العدوان الثلاثى على سوريا على النحو السابق ذكره، وبعدها تحول الموقف الأمريكى إلى استمرار البقاء بذرائع واهية حددتها المندوبة الأمريكية فى الأمم المتحدة بتحقيق ثلاثة أهداف كبرى، وهى ضمان عدم استخدام الأسلحة الكيماوية بأي شكل يمكن أن يعرض مصالح الولايات المتحدة للخطر، وهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، وضمان وجود نقطة مراقبة جيدة لمتابعة ما تقوم به إيران.
  
تأمل هذه الأهداف يعنى أن الولايات المتحدة قررت ليس فقط البقاء على أرض سورية لمدة طويلة لا يعلمها إلا الله وبدون أى سند قانونى، بل استمرار عملها على إفشال أى جهد دولى أو إقليمى من أجل إنهاء الأزمة السورية، وتعميق الانقسامات الموجودة بين الفئات السورية وبعضها، والتمهيد لتقسيم سوريا ولو بعد حين. مع ملاحظة ربط هذا البقاء بمواجهة إيران، وهى محور أساسى فى التحركات الأمريكية فى المشرق العربى.
 
شق من تفسيرات استمرار البقاء الأمريكى فى سوريا مرتبط عضويا بالمواجهة السياسية والإستراتيجية المتصاعدة بين واشنطن وموسكو. فالأولى تعمل بكل جهد وطاقة على إفشال السياسة الروسية الهادفة إلى إنهاء الأزمة السورية سواء تحت مظلة جنيف والأمم المتحدة، أم تحت مظلة التوافق الثلاثى الذى يجمع موسكو وطهران وأنقرة، والذى برغم الخلافات الكبيرة بينهم، فهناك تفاهم أدى فى وقت سابق إلى تطبيق نموذج مناطق خفض التوتر، والذى من بين آثاره غير المباشرة اتساع مساحة الأراضى التى باتت تحت سيطرة الدولة السورية ومؤسساتها المدنية والأمنية، فى المقابل انحسار المساحات التى كانت تحت سيطرة الجماعات المسلحة وتمركزها فى نطاق إدلب ومناطق محدودة فى شمال ريف حلب.
 
بالنسبة لغلاة المسئولين الأمريكيين وللرئيس ترامب نفسه، وفى ضوء مشاكله الكبرى التى يواجهها فى الداخل، فإن المزايدة على مواجهة روسيا وفرض عقوبات عليها ومحاصرة جهودها فى سوريا وجعلها ذات ثمن عال، هى السبيل الأقصر لإلهاء الشعب الأمريكى، عن محاسبة الذين يعرقلون العدالة ويحترفون الكذب والخداع بكل أشكاله. 
 
انحسار وجود الجماعات المسلحة ذات الجنسيات المختلفة والتى تعمل بإمرة واشنطن وحلفائها، يمثل هزيمة كبرى للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكل من دعم إسقاط الدولة السورية وتقسيمها. هذه الهزيمة تفسر جزئيا الإصرار الدائم على معاقبة الجيش السورى وخفض معنوياته. ولما كان الانتصار الساحق للجيش السورى الشرعى على ما يسمى بـ "جيش الإسلام" وهم جماعة المرتزقة المدعومة أمريكياً وتركياً وقطرياً، وقبوله الخروج المُذل من دوما إلى شمال سوريا، حيث نفوذ الاحتلال التركى موجود، رأينا الادعاءات الواهية باستخدام الأسلحة الكيماوية وضرورة معاقبة النظام السورى. مثل هذه الدائرة من الادعاءات لن تغير من الواقع السورى شيئا. فالدولة أصبحت أقوى وقدرتها على الحسم أصبحت أكثر تأثيرا من ذى قبل، ونهاية جماعات الإرهاب الدولية صارت حتمية تاريخية لن تغيرها الأكاذيب المفضوحة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg