المجلة



الصراعات الداخلية بين النخب السياسية فى ليبيا

27-4-2018 | 02:17
كامل عبدالله

شكلت مرحلة ما بعد الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافى فى ليبيا خلال العام 2011، ضمن ما عرف حينها بالربيع العربى، محطة فاصلة فى تاريخ البلاد الحديث، إذ غيرت هذه الأحداث والتطورات السياسية والأمنية التى لاحقتها حتى الوقت الراهن تركيبة النخبة السابقة، وأنتجت نخبا جديدة على المستوى السياسى الوطنى والمحلي، اتسمت بالتشتت والانقسام الحاد فيما بينها، وافتقادها لأى مشروع سياسى حقيقى يمكن من خلاله تعزيز موقعـها فى العملــية السياســية، ويحـــفز عملية بناء نظام حكم انتقالى وهو ما لم يحدث. 

هذا ما جعل الصراع المحلى يحتدم حول الثروة والسلطة الجديدة، مما قاد إلى انقسام البلاد على المستوى الرسمى منذ العام 2014، وصحبه صراع مسلح شهد عمليات تعبئة قبلية ومناطقية عمقت الانقسام، ووفر نافذة كبيرة للقوى الخارجية للتأثير على تطورات الأزمة.
 
من هى النخب السياسية فى ليبيا؟
 
إلى جانب النخبة القديمة المحسوبة على نظام العقيد القذافى ومعارضيه، أنتجت خمسة استحقاقات ديمقراطية شهدتها البلاد خلال الفترة من 2012 إلى 2014 نخبا جديدة على المستوى الوطنى والمحلى من خلال انتخابات المؤتمر الوطنى العام، والمجالس المحلية، والمجالس البلدية، والهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، ثم مجلس النواب فى يونيو 2014. لكن ما لبثت حداثة العهد بالممارسة السياسية المباشرة خلال مرحلة ما بعد القذافى، أن كشفت عن ضعف الأداء السياسى لهذه النخبة الذى تجلى فى المؤسسات السياسية المنتخبة بشكل واضح للعيان، جعلها معبرة عن مصالح مراكز قوى اجتماعية ومناطقية أكثر من كونها سياسية. 
ويعود ضعف الأداء السياسى للنخبة الليبية لاعتبارات عديدة، من بينها سيطرة السمة التقليدية للمجتمع المحلى على التوجهات العامة لأفرادها، التى أدت إلى تقديم المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية وقوضت حتى الإيديولوجيات السياسية المختلفة من اليمين إلى اليسار. إضافة إلى عدم مواءمة النخب الجديدة بين التوازنات والمصالح السياسية (الوطنية والحزبية/التنظيمية) والاجتماعية (القبلية/العائلية/الثقافية) والمناطقية، بسبب غياب الخبرة السياسية العملية (الوطنية والتنظيمية) والتأثير الكبير للتطورات الإقليمية والدولية على المشهد المحلى. 
وبدلا من العمل مجتمعين من أجل إقامة نظام حكم انتقالى توافقى يعالج الآثار السلبية لحكم العقيد القذافى، ويضع البلاد على طريق الديمقرطية والتنمية وإعادة الإعمار، عملت هذه النخب خلال صدارتها للمشهد العام فى ليبيا خلال السنوات السبع الأخيرة، على تعزيز موقعها من خلال سلسلة إجراءات على المستويين التشريعى والتنفيذى، مكنتها من نيل امتيازات عديدة أدت إلى إرباك المشهدين السياسى والأمنى، ومهدت للانقسام المؤسساتى والمناطقى والاجتماعى بشكل بات واقعا مهددا لكيان الدولة الليبية على المستوى الرسمى منذ العام 2014.
بدأ صراع النخب السياسية فى ليبيا خلال مرحلة ما بعد القذافى مبكرا منذ عهد المجلس الوطنى الانتقالى السابق خلال عامى 2011 و2012، واتضحت معالمه الأولى فى صياغة الإعلان الدستورى للبلاد، الذى لا يزال يشكل خارطة طريق للمرحلة الانتقالية وقانون انتخابات المؤتمر الوطنى العام فى 2012 الذى أصدره المجلس للسلطة التشريعية الجديدة ومنحها صلاحيات تنفيذية واسعة قوضت عمل الحكومات الانتقالية المتعاقبة، وحفزت المنافسات المحلية حول السيطرة على المؤسسات الرسمية للدولة ومنح الامتيازات لمراكز ومناطق القوى الجديدة، ما أدى إلى تكريس هذه الحالة خلال المراحل الانتقالية الأربع التى مرت بها البلاد التى بدأت مع المجلس الوطنى الانتقالى (2011 – 2012)، ثم المؤتمر الوطنى العام (2012 – 2014) وبعد مجلس النواب (2014 – 2015)، فمرحلة الاتفاق السياسى الليبى الموقع يوم 17 ديسمبر 2015 حتى الآن، ما جعل مركز الصراع يتمحور حول الثروة ثم السلطة وفق مبدأ (الغنيمة أولا).
ففى عهد المؤتمر الوطنى العام (أول برلمان منتخب بعد الثورة) احتدمت المنافسة فيه بين تيارين سياسيين، هما تحالف القوى الوطنية المصنف (مدني/ليبرالي) والتيار الإسلامى بقيادة جماعة الإخوان المسلمين التى تصدرت المشهد العام فى تونس ومصر خلال عامى (2011 – 2012) قبل أن تتراجع لاحقا. ولجأ كل منهما إلى تعزيز موقعه السياسى بتحالفات أمنية، وفرت له أذرعا مسلحة من بيئات اجتماعية ذات مصالح مختلفة عملت بعد ذلك على احتواء التوجهات السياسية لهذه الكيانات وتحكمت فيها واستخدمتها للدفاع عن مصالحها ونصيبها فى الثروة والسلطة الوطنية.
وعمل هؤلاء الفاعلون عبر ممثليهم سواء فى المؤسسات السياسية أم التنفيذية للدفاع عن مصالحهم الخاصة فقط ودون اعتبار للمصلحة الوطنية العليا، واستخدم كل منهم مصدر قوته إن كان السلاح أو السيطرة على الحدود أو الموارد، لمنافسة الآخرين للاستحواذ على نصيب من الثروة والسلطة الوطنية، خصوصا مؤسساتها السيادية الأمنية والعسكرية (الجيش والشرطة) والاقتصادية المتمثلة فى المصرف المركزى والمؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة الليبية للاستثمار (صندوق الثروة السيادى الليبي) ومؤسساتها الكبرى التابعة لها تحديدا، والتى تمتلك أكثر من 550 شركة فى ليبيا وحول العالم، أو ضمان توظيف أكبر عدد من أفرادها فى القطاع العام المتضخم.
أدت حالة التنافس المحلى المحتدم على الثروة والسلطة الوطنية فى ليبيا، إلى صراع عنيف بين مراكز وقوى مناطقية واجتماعية، استخدمت فيه المؤسسات الوطنية عبر واجهات سياسية معينة بشكل مزدوج على المستوى الوطنى المحلى والخارجى (الإقليمى والدولي). إذ شهد عهد المؤتمر الوطنى العام (2012 – 2014) منافسة محتدمة بين مصراتة والزنتان فى الغرب والفيدراليين فى الشرق، فى تأكيد واضح على ما آلت إليه حال البلاد وتزايد نفوذ القوى الخارجية وصراعها فى ليبيا.
كما استخدم مجلس النواب منذ انتخابه فى يونيو 2014، لذات الأهداف من قبل القوى المهيمنة، ما دفع المجتمع الدولى عبر ممثله فى ليبيا، بعثة الأمم المتحدة للدعم إلى دعوة القوى المتصارعة إلى حوار سياسى، لا يزال يعانى خللا بنيويا أفقده مضمونه، وانتهى إلى توقيع وثيقة اتفاق سياسى مثيرة للجدل، استهدفت بالأساس تجديد شرعية المؤسسات السياسية فى البلاد التى تآكلت على وقع الصراع المسلح.
ولم يسلم الاتفاق السياسى الذى مثل مرحلة انتقالية رابعة، وجدد شرعية المؤسسات السياسية السابقة (مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة) واستحدث مجلسا رئاسيا وحكومة الوفاق الوطنى اتخذت من العاصمة طرابلس مقرا لها، من ذات المحاولات التى تطورت إلى حد الشخصنة بفعل زيادة النفوذ الخارجى لقوى إقليمية ودولية والاستقطاب الداخلى الحاد.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg