رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 20 سبتمبر 2018

المجلة



ليبيا أين وإلى أين؟.. «الأهرام العربي» تكشف التفاصيل الكاملة للقصة الليبية

27-4-2018 | 02:18
أحمد إبراهيم عامر

مترى وليون وكوبلر وسلامة..أربعة مبعوثين أممين ولم يحسم الصراع 

الدوحة وأنقرة تدعمان الجماعات الإرهابية 
 
اتفاق سياسى جديد ينتظر الولادة
 
طلاسم المشهد الغامض من فبراير للكرامة
 
عامان ونصف العام من توقيع الاتفاق السياسى الليبى، الذى شهدت توقيعه مدينة الصخيرات المغربية برعاية أممية وأنتج كيانًا لقيادة المرحلة الانتقالية سمى بالمجلس الرئاسى، والذى لا يزال الجميع غير متفق على شكل وعدد أعضائه.
 
وأربعة مبعوثين للأمين العام للأمم المتحدة تعاقبوا على الملف الليبى، فى محاولة لفك طلاسم التشابك والتجاذب السياسى، آخرهم المثقف اللبنانى غسان سلامة.
ولا يزال السؤال الملح ليبيا أين وإلى أين؟ 
نجحت الثورة الليبية فى فبراير 2011 فى الإطاحة بنظام العقيد القذافى، لكنها فشلت فى بناء مؤسسات الدولة المنشودة، بل كان عدم النضج السياسى للقائمين عليها، وتحول الأحداث أثناء الإطاحة بنظام القذافى من ثورة شعبية إلى معارك ومواجهات عسكرية انخرط فيها المدنى والعسكرى مما شكل مئات بل أكثر من ألف ميليشيا مسلحة، ومع تدخل حلف الناتو لإنهاء الحرب لمصلحة الثوار وترك الساحة بعد مقتل القذافى، كل هذه العوامل أنتجت اللادولة.
فأصبحت ليبيا مقسمة لمناطق نفوذ الميليشيات.
وفى ظل المؤامرة الكبرى على المنطقة بالكامل لتمكين الجماعات الإرهابية من سيطرة مقاتليها وعلى رأسها تنظيما القاعدة وداعش فالتنظيم الأخير الذى ظهر بالعراق ثم سوريا وانتشر كالنار فى الهشيم فى أغلب الدول العربية، ووضحت الرؤية أن قوة دولية كبرى هى التى تدير المشهد بمعاونة قطر وتركيا اللتين دعمتا الإرهاب أينما وجد.
ولم تصمد الدولة الليبية دون مؤسسات قادرة على المواجهة أمام المؤامرة الكبرى التى قادتها سياسيًا فى الداخل الليبى، جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، ولكن الجماعة لم تصل للحكم فى ليبيا بصناديق الاقتراع كما حدث فى مصر وتونس.
فكان الهدف أن تصبح ليبيا مرتعًا للتنظيمات الإرهابية وواجهة التمويل والتدريب، وتم اختيار ثلاث مدن، درنة شرقًا، وسرت بوسط الساحل الليبى، وصبراتة غربًا ليعلن تنظيم داعش عن إماراته الثلاث مع بداية عام 2014.
ويستمر التنظيم فى السيطرة على باقى المدن الليبية واستطاع هو وتنظيم أنصار الشريعة السيطرة على مدينة بنغازى أكبر ثانى مدن ليبيا وتعتبر عاصمة الشرق الليبى واستهدف قيادات الجيش الليبى ونفذ أكثر من 700 عملية اغتيال ضد ضباط الجيش.
ومع نجاح ثورة 30 يونيو بالإطاحة بحكم الإخوان فى مصر، أصبحت الدولة الليبية غربًا قبلة مقاتلى تنظيم داعش.
وفى ظل هذا المشهد شديد التشاؤم لمستقبل الدولة الليبية، حاول الليبيون التمسك بالمسار الانتخابى، ونجحوا فى إنجاز الاستحقاق الانتخابى للبرلمان الذى كان من المقرر أن ينعقد بمدينة بنغازى ولسيطرة تنظيمات متطرفة على المدينة، قرر أعضاء البرلمان الليبى المنتخب وعددهم 200 عضو أن تنعقد الجلسة الأولى بتاريخ 4 أغسطس 2014 بمدينة طبرق أقصى الشرق الليبى، والتى قاطعها 30 عضوًا فقط ينتمون لتيار الإسلام السياسى.
ورفض أقل من نصف أعضاء المؤتمر الوطنى تسليم السلطة للبرلمان فى طبرق، وأعلنوا من العاصمة الليبية طرابلس استمرارهم فى الحكم بحجة أن الإجراءات غير دستورية وهو الاجتماع خارج مدينة بنغازى كما كان مقررًا.
وفى هذه اللحظة من المشهد الليبى قررت الأمم المتحدة أن تبعث بمبعوثها الأول طارق مترى اللبنانى الجنسية، الذى أخفق فى التواصل مع أى من الأطراف وفشل سريعًا ليحل مكانه برناردينيو ليون الإسبانى الذى عمل جاهدًا على تفكيك المشهد، ولكنه استخدم خلط الأوراق والاجتماع بالجميع، وشهدت عواصم العالم خلال حقبة ليون اجتماعات مكثفة مع مئات الأطراف حتى اختلط هدف المباحثات وبات واضحًا للجميع أن برناردينيو ليون نجح فى المضى بالمشهد السياسى الليبى للمعادلة الصفرية بحيث انتظر انتهاء الفترة الزمنية لدورة مجلس النواب الليبى، ورفض مجلس الأمن خلال تلك الفترة الاعتراف بالقيادة العامة التى عينها مجلس النواب ورفض فك الحظر على استيراد السلاح للجيش الليبى، بحجة أن الفرقاء لم يتفقوا سياسيًا، وظل المبعوث الأممى فى مسار المفاوضات بين البرلمان والمؤتمر الوطنى بمدينة الصخيرات المغربية، مسودة تلو مسودة حتى وصل الجميع للاتفاق المبدئى على المسودة الرابعة من الاتفاق، ولكن خرج الاتفاق النهائى الذى وقع بمدينة الصخيرات المغربية فى 17 ديسمبر 2015، مخالفًا لما تم الاتفاق عليه بالمسودات التمهيدية، كما حمل ملاحق لبنود الاتفاق كانت سببًا مباشرًا فى تجميد الاتفاق وكان على رأسها منصب القائد الأعلى للجيش الليبى.
وبرغم الاختلاف والخلاف الواضح للجميع، استمر تعنت المبعوث الأممى فى الموافقة على مناقشة أو تعديل أى بند من الاتفاق أو ملاحقه، ليسلم الراية لخلفه الألمانى مارتن كوبلر الذى مارس نفس سياسات سلفه، بل ارتكب أخطاء شديدة الخطورة بتدخله فى تشكيل وتغيير المشهد السياسى الليبى وحث فى تقريره الأمم المتحدة على الاعتراف بالمجلس الرئاسى وحكومة الوفاق المنبثقة منه ممثلًا وحيدًا للدولة الليبية وهو القرار المستمر حتى الآن، ضاربًا عرض الحائط باعتراض مجلس النواب المنتخب على تشكيل أعضاء المجلس الرئاسى ورفض عدد من الأسماء التسعة للمجلس بجانب تمسك البرلمان الليبى بحذف بعض بنود الملاحق المكملة للاتفاق.
مما أثر سلبيًا على المشهد بوجود حكومتين الأولى الحكومة المؤقتة ومقرها مدينة البيضاء بالشرق الليبى وهى منبثقة عن الشرعية الدستورية لمجلس النواب المنتخب، والثانية فى طرابلس وهى حكومة الوفاق التابعة للمجلس الرئاسى المعترف به دوليًا والمختلف عليه داخليًا، مما أوجد توازيًا فى جميع مناصب الدولة الليبية وليس الوزراء فقط، من ازدواجية للمصرف المركزى الليبى مرورًا بالهيئات والمؤسسات المختلفة لتصبح الأمم المتحدة عبر مبعوثيها شريكة فى تأزم المشهد الليبى وليس الحل
ليرث غسان سلامة المبعوث الأممى الحالى ملفًا شديد التعقيد والتشابك، خصوصا أن السنوات الثلاث التى سبقت تسلمه الملف الليبى استطاع خلالها الجيش الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر، المكلف من قبل البرلمان بدحر الجماعات الإرهابية شرقًا وجنوبًا وبعض الأجزاء بالمنطقة الغربية، وشرع حفتر فى بناء مؤسسة عسكرية متماسكة مما أوجد شعبية جارفة للجيش وفى المقابل سيطر المجلس الرئاسى على حركة أموال الدولة الليبية من خلال المصرف المركزى التابع له فى طرابلس، واستطاع أيضًا أن يستغل ذلك التفوق بالتحكم المالى للدولة بالسيطرة على السفارات بالخارج واعتراف الأمم المتحدة به ممثلًا وحيدًا للدولة الليبية جعل المجلس الرئاسى برئاسة فايز السراج يستطيع فرض سيطرته دبلوماسيًا بتمثيل ليبيا فى المحافل الدولية وجامعة الدول العربية ولدى الدول الأعضاء للجمعية العمومية للأمم المتحدة، حتى الدول التى تساند الجيش الليبى فى محاربته للإرهاب.
كل هذه العوامل جعلت المبعوث الأممى الحالى غسان سلامة يطرح مبادرة حقيقية تتعاطى مع الوضع القائم وهى فتح الاتفاق السياسى وتعديل بعض بنوده، ورأى سلامة أن الجميع فى ليبيا متفق على تعديل شكل وأعضاء المجلس الرئاسى ليصبح ثلاثة أعضاء بدلًا من الأعضاء التسعة الحاليين، ولكن التدخل الخارجى فى المشهد الليبى يقف عائقًا بمحاولات فرض أسماء بعينها تظل داخل المشهد، مما يؤجل الوصول لشكل للمجلس الرئاسى حتى الوصول للانتخابات.. ليقفز سلامة فوق هذا الحائط من التدخلات الخارجية ويرفع راية "لا بديل عن الانتخابات" ويلوح بأن فى حالة استمرار الخلاف بين المجالس الثلاثة (مجلس النواب ومجلس الدولة والمجلس الرئاسى) سيمضى قدمًا فى تشكيل مجلس جامع يكون بديلًا عن جميع المجالس الحالية ويقود الدولة الليبية لمرحلة انتقالية مقبلة.
ولم يفطن الليبيون أن ما تمر به بلادهم ليس صراعًا محليًا فقط للتنافس على السلطة، بل هو أعمق ويزداد تعقيدًا بالتدخلات الخارجية والصراعات الدولية والإقليمية.. فالدولة النفطية التى تمتد على ثلث الشاطئ الإفريقى على البحر الأبيض المتوسط فى مواجهة أوروبا، والتى تعد من أكبر احتياطيات النفط العالمى بجانب اكتشافات الغاز التى تبشر بمليارات المكعبات من الغاز الطبيعى تجعل منها صراعًا اقتصاديًا بين شركات البترول العالمية، فنجد التنافس بين توتال الفرنسية وإينى الإيطالية يدخل الحكومتين فى تنافس لدعم أطراف على حساب أطراف، فى الوقت الذى تسعى فيه روسيا لتجديد تحالفات قوية بالمنطقة نجد الولايات المتحدة لها نهج لدعم أطراف أخرى.
فى حين تشتد الحرب والتصدى للجماعات الإرهابية، تقوم القاهرة وأبوظبى والرياض بدعم وجود مؤسسات للدولة الليبية وعلى رأسها الجيش الذى يعتبر صمام أمان للأمن القومى المصرى لحدوده الغربية، يقابل هذا التحالف لإفشاله أنقرة والدوحة بدعم مباشر للجماعات الإرهابية وتنظيم الإخوان المسلمين الذى يتم دعمه أيضًا من بريطانيا.
وسط كل هذا الزخم الداخلى والخارجى للمشهد الليبى جاء خلال الأشهر الماضية إعلان المبعوث الأممى غسان سلامة نيته لفتح بنود الاتفاق السياسى وأبدت لجنة الحوار والبرلمان وكل المنغمسين فى الشأن السياسى الليبى حتمية تغيير بعض بنود الاتفاق السياسى وإعادة تشكيل المجلس الرئاسى ليتكون من رئيس ونائبين فقط بدلًا من تسعة أعضاء.
وبدأ الحديث والاجتماعات عن أشكال وأسماء القوائم للمجلس الرئاسى.. بعد أن بدأ الجميع فى النظر باتجاه توحيد مؤسسات الدولة وإعادة صياغة الاتفاق السياسى وتشكيل مجلس رئاسى جديد.
 
ليبدأ فصل جديد خصوصا بعد انتخاب خالد المشرى "عضو جماعة الإخوان المسلمين" رئيساً لمجلس الدولة بديلا لعبدالرحمن السويحلى وهو بدء التفاوض بينه وبين رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح لبحث سبل الاتفاق على توحيد المؤسسات السيادية وعلى رأسها القيادة العامة للجيش وتسمية محافظ لمصرف ليبيا المركزى.
وتحمل الأسابيع وربما الأيام المقبلة اجتماعا رئيسى مجلس النواب ومجلس الدولة للتباحث حول شكل الاتفاق السياسى فى ثوبه الجديد.
كل هذه التحركات على المستوى السياسى الداخلى، لن تحظى بالتفعيل على الأرض داخل ليبيا من غير موافقة قيادات الجيش الليبى الحالى بقيادة المشير خليفة حفتر الذى بات واضحاً خلال فترة التعتيم الإعلامى وتضارب الأنباء عن حالته الصحية التى ينتظر الجميع أن يظهر القائد العام للجيش، ليتأكد أنه بكامل صحته كما صرحت وأكدت كل المصادر العسكرية من داخل القيادة العامة للجيش الليبى، وهو أن المارشال حفتر هو اللاعب الأهم والوحيد فى سير الأحداث فى ليبيا، وله الشعبية الجارفة لدى الشارع الليبى بمختلف تنوعه الجغرافى.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg