رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 20 سبتمبر 2018

المجلة



سور الأزبكية

3-5-2018 | 21:46
عزمى عبد الوهاب

«اقرأ» هكذا بدأ الأمر الإلهي، فى محكم التنزيل، مثلما كانت كلمة عيسى ابن الإنسان فى الإنجيل: «فى البدء كان الكلمة» لكننا فرطنا فى هذا وذاك، ولم نعد نقرأ، وكأن القراءة باتت موضوعا، ينتمى إلى حالة من حالات الرفاهية، وكأن أسوأ سؤال يمكن أن تواجهه هو: ما هوايتك؟ وتكون الإجابة: القراءة، القراءة ليست هواية، إنها ذروة لحظات بناء الإنسان، ولا داعى لتكرار ما قيل إن الأهم من بناء المصانع هو بناء الإنسان، لا داعى لتكرار أن وزير دفاع الدولة العبرية «موشى دايان» سئل ذات مرة: لماذا جاءت خطط حرب 67 هى بالضبط ما جرى فى حرب السويس فى 56؟ وكانت إجابته: إن العرب لا يقرأون.

واليوم يمر العرب بظروف قاسية، ولحظة تحولات،مخاضها عسير، فلا صوت يعلو فوق صوت الرصاص، تعطلت المطابع عن الدوران فى غير بلد عربي، وأجهضت مشروعات دول تدعو للقراءة (مصر) ونهضت تجارب أخرى (الإمارات) كانت طوابير الشباب على إصدارات مكتبة الأسرة تدعو للفرح، الآن توقف المشروع، وتراجعت معدلات القراءة، فلا بأس من أن نتذكر ما جرى فى إسبانيا زمن الحرب الأهلية، وهزيمة الجمهوريين على يد قوات الديكتاتور فرانكو.
 
كانت تلك القوات تحاصر أحد المواقع، التى يتحصن بها الجمهوريون،وكان الرصاص ينهال من جميع الاتجاهات، إلى أن خيم الصمت والهدوء الحذر على المكان، وتقدمت قوات فرانكو من الموقع، وفوجئ الجنود بأن رجلا واحدا، هو الذى كان يطلق كل هذا الكم من الرصاص.
 
سأله قائد المجموعة المهاجمة: عم كنت تدافع يا رجل؟ أنت واحد ونحن كثر، ولا شك أنك كنت ستنهزم فى النهاية، قال الرجل: 
كنت أدافع عن هذين، وأخرج من جيبه كتابا ورغيف خبز، بالتأكيد نحن نحتاج الآن، أكثر من غيرنا، إلى ترديد إجابة هذا الرجل الإسباني، وها نحن نفعلها، ونأتى إليكم 
بـ “سور الأزبكية”!
 
اجعل الحوت مثلك الأعلى فى الحياة.. هرمان ملفيل.. صائد الحيتان والروايات
 
لم يعرف النقاد القيمة الحقيقية لـ «هرمان ملفيل» إلا فى سنة 1919، حيث أخذوا يشيدون بمؤلفاته، باعتباره من أكبر رجال الأدب فى أمريكا، فعرف جمهور القراء قصصه وأقبلوا عليها، لاسيما "موبى دك" و"تيبي" و"البحار الوسيم بيلى بد" التى أصدرت دار آفاق للنشر والتوزيع ترجمة عربية لها للكاتب مصطفى طه حبيب، و"البحار الوسيم" آخر ما كتبه هرمان ملفيل (1819 – 1891) لقد أعمل فيها قلمه فى شيخوخته، وتركها مسودات فى مكتبه، ولم يكن ليأمل أن يتمها أو أن يجد فى نفسه القوة لينتهى منها، فقد كتب فى الخامس من ديسمبر سنة 1889 لأحد أصدقائه:”دخلت فى الحلقة الثامنة من عمري، وأتيح لى بعد عشرين عاما من العمل المتواصل خارج البيت موظفا بالجمارك فراغ طليق من كل قيد لكنه فراغ جاء وعنفوان القوة يتداعى، وفورة الصحة تضمحل، بحكم السن، وحكم الطبيعة التى لا ترحم، ومع ذلك كرست ما بقى لى من قوة، وهو قليل، لأتمم أمورا بدأتها، ولم تنته، وما أحسبها تنتهى وفى العمر بقية”.
من بين الأمور التى بدأها ملفيل، ولم تنته هذه القصة عن حياة حارس السارية العليا فى سفينة بحرية، فالثابت من أوراق ملفيل أنه منذ ثلاثين سنة، قبل كتابة هذه الرسالة، كان يخطط لقصة يقطر فيها عصارة تجاربه، ويضمنها تأملاته من فوق السارية العليا للسفينة، حيث كان يعمل فى شبابه، ومنذ ذلك الوقت وهو يعمل فى إنتاجها، مستغلا كل فراغ يتاح له، لكن زحمة الحياة حرفته عن غايته سنين عديدة، فلما هدأ الزحام وتقاعد عن العمل، وجد الهدوء ليعمل فى إتمام قصة العمر.
 
والقصة كما رسمها فى خياله كانت جماع عدة حوارات واقعية، منها ما حدث له شخصيا على ظهر السفينة “الولايات المتحدة” ومنها ما حدث لابن خاله عندما كان ضابطا أول فوق ظهر إحدى السفن سنة 1842 فقد حدث تمرد على ظهر هذه السفينة كان ابن خال ملفيل محوره، ومن خيوط هذه الأحداث نسج الكاتب الأمريكى الكبير أحداث قصته، وأخذ يجد فى إنهائها خلال الأشهر الثلاثة التى سبقت وفاته، وربما كان إحساسه بالمنية حافزا له على التعجيل فى مراجعتها، لكنه انتقل إلى الحياة الأخرى بعد منتصف ليلة 28 سبتمبر سنة 1891 ولا تزال أصول الكتاب على مكتبه، بخط يده، وإلى جانبها شعاره: “كن أمينا لأحلام شبابك”.
 
كان هرمان ملفيل قد التحق فى شبابه بإحدى سفن صيد الحيتان وأبحر مع 25 بحارا إلى المحيط الهادئ فى رحلة صيد، وفى هذه الرحلة عاش حياة البحر، بما فيها من مغامرات واختلط بالبحارة وعرف طبائعهم واحتك بقباطنة السفن، وفى هذه السفينة ثار على المعاملة القاسية، التى يلقاها البحارة من أصحاب السفن، الذين يجعلون الربح فى المقام الأول، أما الزمن والبشرية فليس لهما حساب عندهم، ومن هذه السفينة فر مع صديق له ولجأ إلى إحدى جزر المحيط، وهناك وقع أسيرا فى أيدى بعض أكلة لحوم البشر، حيث عاش أياما طويلة شهد فيها غرائب الحياة وعجائبها، وأتاح له القدر وسيلة للخلاص على ظهر سفينة عائدة إلى نيويورك من أستراليا.
 
فى أكتوبر سنة 1844 عاد هرمان ملفيل إلى بوسطن، وأخذ يروى على أهله وأصدقائه قصصا متعددة الألوان لمغامرات البحار، واستجابة لرغبة أمه جلس يكتب روايته “تيبي” وانتهى منها بعد عام وأصبحت جاهزة للنشر، لكن دار هاربر رفضتها متعللة بأنه من المستحيل أن تكون رواية لحدث حقيقي، ومن ثم فليست لها قيمة أصلية، لكنها نشرت فى لندن ثم أمريكا وهكذا أصبح هرمان ملفيل بين يوم وليلة كاتبا محترفا. كانت تجارب الحياة تمد هرمان ملفيل بفيض زاخر من الحكايات حتى إنه كان يقول:”وددت لو أن بركان فيزوف استحال إلى مداد لأكتب به كل هذا الذى يجيش فى صدري” ويقول فى إحدى رسائله الخاصة:”إننى محتاج إلى خمسين شابا يكتبون ويكتبون كل هذا الذى أريد أن أملي” لقد مر هرمان ملفيل بعدد من التجارب جعلته بحارا ومغامرا وصائدا للحيتان، وكاتبا، ونزيلا بين القبائل المتوحشة، ومتنقلا بين جزر المحيط، وقد ملأته بأفكار وصور قلما تتوافر لإنسان، مهما تكن موهبته، وقد جلس يملى من خاطره ما ازدحم فيها من انفعالات وأحاسيس.
من ضمن الخلاصات التى توصل إليها، كما جاء فى روايته “موبى ديك” حين قال على لسان بطله “أهاب”: أيها الإنسان اجعل الحوت مثلك الأعلى فى الحياة وأمطره إعجابا بعد إعجاب، أتستطيع مثله أن تعيش وسط الثلوج ودمك يجرى ساخنا؟ أو تعيش مثله فى الحياة كأنك لست منها؟ كن أيها الإنسان منتعشا وسط حر خط الاستواء، دافئا فى غمرة ثلوج القطب الشمالي، كن كقبة القديس بطرس فى جلالها، بل كن كهذا الحوت، عش فى فصول السنة كلها، ولك من جسمك حرارة ذاتية لا تتغير بتغيرها”. 
 
يضم قصيدة مجهولة لمحمود درويش.. كتاب وثائقى عن «أمل دنقل» لجابر عصفور
 
هذا الكتاب الذى أصدرته مؤسسة بتانة الثقافية للدكتور جابر عصفور عن الشاعر أمل دنقل، تأخر كثيرا، فالوسط الثقافى يعرف أن علاقة قوية جمعت بين الناقد والشاعر، لكن شيئا من هذا لم يترجم إلى واقع، يتلمسه القارئ، إلا فى دراسة نقدية هنا وأخرى هناك، وقد أصدر د. جابر عصفور بالفعل كتابا آخر، يضم دراساته النقدية عن أمل دنقل، لكن يبقى أن لهذا الكتاب الصادر عن بتانة مذاقا خاصا، وإن ضم بعض الوثائق المنشورة من قبل، والمتاحة أيضا، وعنوانه كما كتب د. جابر عصفور على الغلاف: “أمل دنقل ذكريات ومقالات وصور” وإلى جانب ذلك فهو يضم بعض الرسائل الشخصية المتبادلة بين أمل وآخرين.
يكشف عصفور أنه لم يستطع أن يكتب عن أمل إلا بعد خمس سنوات من رحيله، ويقول:”عندما فارقنا أمل دنقل فى الحادى والعشرين من مايو أصابتنى إثر فقده صدمة هائلة أخرستنى عن الكلام أو الكتابة عنه، فلم أستطع أن أكتب أو حتى أرتجل شيئا عنه لخمسة أعوام، فقد كانت الصدمة قاسية، وكان ألم الفقد موجعا، وكنت أشعر بغياب نصفى عن نصفي، أو بغياب عقلى عن جسدي”.
فى مايو 2003 الموافق عشرين عاما على رحيل أمل دنقل، وكان عصفور أمينا للمجلس الأعلى للثقافة بمصر، رتب لاحتفالية كبرى بهذا المناسبة، استمرت لثلاثة أيام، وكانت تلك هى المرة الأولى التى تحتفل فيها المؤسسة الثقافية الرسمية بالشاعر الراحل، وضمن ما يرتبط بهذه الاحتفالية، إصدار عدة كتب منها كتاب “حسن الغرفي” الذى جمع فيه كل أحاديث أمل، وما قاله فى الندوات، أو حتى مقالاته النثرية، ورتبها ترتيبا خاصا، فصارت أشبه برحلة فى عقل أمل دنقل، متتبعا رحلة وعى الشاعر منذ البداية إلى النهاية، وختمها بعنوان:”كيف تلقى أمل دنقل ديوان كائنات مملكة الليل لحجازي؟” وهو مقال كتبه أمل تعليقا على ديوان حجازى “كائنات مملكة الليل” الذى كتب أغلبه فى منفاه الاختيارى بباريس.
مما يسرده عصفور فى هذا الشأن أن محمود درويش كان قد كتب قصيدة إلى أمل دنقل، لكنه لم يضمنها أعماله الكاملة، فقد كان واضحا أنه كتبها خصيصا لهذه المناسبة، حتى إن عصفور عندما طلبها منه قال له:”إنها ليست تامة، وسأعاود النظر فيها، حتى أرضى عنها، فما كتبته لا أرضى عنه تماما” وقد أعاد عصفور نشرها فى هذا الكتاب، حين وجدها على الإنترنت، ضمن القصائد التى تقدمها مؤسسة محمود درويش، وكما يقول عصفور:”يبدو أن درويش لم يتذكر معاودة النظر فى هذه القصيدة، فتركها كما كانت، وانشغل بمرضه، فظلت القصيدة كما هى إلى أن توفاه الله”.
يضم الكتاب قصائد ومقالات كتبت عن أمل دنقل، ومنها قصيدتا محمود درويش وفاروق شوشة، إضافة إلى مقال لويس عوض عن الشاعر وعنوانه “شعراء الرفض” ومنه اتخذ عصفور عنوان كتابه الثانى عن دنقل “شاعر الرفض” ويحتوى هذا الكتاب أيضا على مقالات مجهولة كتبها أمل دنقل، ومنها “جيل بعد جيل – الثقافة المصرية فى المنفى – الصمت بين صوتين – قريش عبر التاريخ” كما يضم مراسلات بين دنقل وعصفور وحجازى وصورا شخصية مع العائلة والأصدقاء وأثناء مرضه، بجانب عدد كبير من القصائد المنشورة بخط أمل دنقل. 
 
لعبة المخابرات المركزية الأمريكية اغتيال الديمقراطية
يؤكد عبد القادر شهيب فى كتابه “اغتيال الديمقراطية لعبة المخابرات الأمريكية” أن تلك الوكالة منذ أن أنشئت عام 1947 وهى تقوم بكل الخطايا والآثام: عنف، تخريب، تدمير، قتل، تحالف مع رجال المافيا، الاتجار فى المخدرات، بالإضافة إلى صيد الجواسيس، والتدخل السافر بشتى الوسائل فى الشئون الداخلية للآخرين، بتزوير الانتخابات، أو بالإطاحة بحكامهم المنتخبين، أو بفرض حكام عليهم كل مؤهلاتهم أنهم قادرون على الإذعان لأوامر واشنطن، والانصياع لطلباتها، ولا يهم إن كانوا يبطشون بشعوبهم أو ينتهجون نهجا ديكتاتوريا.
لقد قال يوما السيناتور الأمريكى مونديل:”إن معرفة حقيقة وكالة المخابرات المركزية تشبه محاولة تعليق المربى على الجدار بدبوس” لكن الفضائح المدوية لهذه الوكالة لم تجعل معرفة حقيقتها ومعرفة الدور الخطير الذى تقوم به داخل وخارج أمريكا أمرا صعبا، خاصة بعد الاعترافات المتتالية التى قدمها عدد من قادتها وضباطها فى كتب منشورة هى أشبه بالوثائق المكتوبة، وقد تراوحت بين اعترافات الذين يتباهون بما يعتبرونه أعمالا بطولية تستحق التخليد، أو اعترافات الذين يعانون تأنيب الضمير.
حقيقة هذه الوكالة التى امتدت يدها الغليظة بالتخريب والتدمير والإرهاب، إلى أنحاء شتى فى العالم، تفضح أكذوبة الديمقراطية الأمريكية أو تلك الديمقراطية التى يدعى الأمريكيون أنهم يكافحون من أجل نشرها فى أرجاء الأرض وربوع العالم، فمن يتتبع نشاط هذه الوكالة من خلال اعترافات ضباطها وعملائها أو من خلال أوراق التحقيقات التى أجراها الكونجرس أكثر من مرة حول نشاطها، سوف يكتشف أن المهمة الأولى لوكالة المخابرات المركزية كانت اغتيال الديمقراطية وليس نشر الديمقراطية فى العالم.
يوضح شهيب أن وكالة المخابرات المركزية قد ولدت بعد مخاض عسير، بسبب معارضة ورفض الأجهزة المخابراتية الأمريكية خاصة العسكرية التى سبقتها، لكن ما فرض فى النهاية قيامها عام 1947 هو الرغبة الأمريكية فى تزوير الانتخابات البرلمانية الإيطالية فى العام التالى (1948) لمنع فوز الحزب الشيوعى فى الانتخابات، وضمان فوز الحزب الديمقراطى المسيحي، وهو ما قامت به فعلا وكالة المخابرات المركزية وكررته فى الانتخابات البرلمانية الإيطالية التالية لها.
كانت هذه مجرد بداية لسلسلة طويلة ومستمرة لا تتوقف من العمليات السرية التى خططت لها ونفذتها وكالة المخابرات المركزية فى شتى بقاع الأرض، وكلها تستهدف اغتيال الديمقراطية فى العديد من البلدان التى عصيت أوامر واشنطن، بل إن وكالة المخابرات المركزية امتدت يدها بالعبث فى الديمقراطية الأمريكية ذاتها، حينما منحت نفسها حق التجسس على المعارضين لحرب فيتنام بالتنصت على تليفوناتهم وفتح بريدهم وفرض رقابة عليهم، وكل ذلك قامت به الوكالة بموافقة ودعم ومساندة الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض وتم برعايتهم وليس من وراء ظهورهم أو رغما عنهم، سواء كان هؤلاء الرؤساء ينتمون إلى الديمقراطيين أم الجمهوريين، وسواء كان هؤلاء ينتمون إلى الليبراليين أم اليمين المحافظ.
وليس غريبا أن تلقى وكالة المخابرات المركزية الدعم والمساندة من الرؤساء الأمريكيين ما دامت قد شاركت فى صنع هؤلاء الرؤساء أو مساعدتهم على الوصول إلى البيت الأبيض، مثل ما كشف النقاب عنه فى حالات أيزنهاور وريجان وكلينتون وبوش الأب وبوش الابن. 
 
طائفة البهرة فى مصر.. إمبراطورية اقتصادية ومعتقدات دينية
يرى بعض علماء الاجتماع أن الأبحاث العلمية لابد أن تبدأ من النظرية، لكن فى هذا البحث وعنوانه “الطوائف الأجنبية فى مصر البهرة نموذجا” انطلقت د. سعاد عثمان أحمد من ملاحظة الظاهرة فى الواقع الحي، فأثناء ترددها على شارع المعز لدين الله الفاطمى بحى الجمالية بالقاهرة، أثناء زياراتها المتتالية للأرشيف القومى للفولكلور لفت انتباهها تلك الأعداد الكبيرة من الهنود فى زيهم التقليدى المزركش والمميز – النسائى منه بخاصة – يسيرون فى جماعات من النساء والرجال والأطفال متجهين إلى جامع الحاكم بأمر الله فى نفس الشارع، وهو ما دفع الباحثة لسؤال بعض المارة وأصحاب المتاجر فأجابوا: “دول هنود بهرة”.
تتلخص أهمية هذا البحث الذى صدر فى كتاب بالهيئة المصرية العامة للكتاب، فى كونه يهتم بدراسة ظاهرة موجودة على أرض مصر، ومع ذلك لم تتناولها أى من الدراسات السابقة فى مجال التخصص، وتهدف الدراسة إلى فهم من هم البهرة؟ وكيف ولماذا يكرمون بعض المزارات على أرض مصر؟ ثم كيف يعيشون؟ وما أهم عقائدهم ومعتقداتهم الدينية؟ وتكمن مشكلة البحث فى دراسة إحدى الطوائف الأجنبية (طائفة البهرة) التى تتخذ من بعض المبانى الأثرية المصرية ذات العلاقة بمؤسسيها أو روادها أو أعلامها مزارات دينية خاصة بهم، يترددون عليها طوال العام، وفى مناسبات بعينها فى محاولة للكشف عن كيفية معيشتهم على أرض مصر وأهم أنشطتهم الاقتصادية وملامح حياتهم الثقافية وعقائدهم ومعتقداتهم، وتحليل وتفسير الظاهرة فى جانبها الديني.
أظهرت قراءة تاريخ البهرة أنهم طائفة إسماعيلية، كان مهدهم فى كنف الدولة الفاطمية فى مصر، التى عاشوا فيها حتى القرن الثانى عشر الميلادي، إلا أنهم تفرقوا فى ظل الحكم الأيوبي، وفر بعضهم إلى الصعيد، وغالبيتهم إلى اليمن الذى عاشوا فيه حتى القرن السادس عشر الميلادى فى زمن داعيهم الثالث والعشرين، ثم تحولت قيادتهم المركزية إلى إقليم جوجارات بالهند فانتقلوا إليها وعاشوا فيها فى ظل دعاتهم من الرابع والعشرين حتى السادس والعشرين، وبعدها انشطرت الدعوة الطيبية إلى سليمانية فى اليمن، وداودية فى الهند، منذ القرن السابع عشر الميلادي، حيث أصبح لكل منهما دعاته وتنظيماته ومقرات قيادته المنفصلة.
عند قدوم البهرة إلى مصر منذ عدة عقود استقبلهم المصريون بالترحاب، وفى المقابل أظهر البهرة للمصريين صورة إيجابية يمكن تلخيص أهم ملامحها كالتالي: إنهم مسلمون مسالمون قدموا إلى مصر للزيارة والسياحة الدينية، وأقام بعضهم فيها لأغراض دينية واضحة وظاهرة، تتلخص فى زيارة أضرحة آل البيت والعناية بها ورعايتها وترميمها، وأنهم انطلاقا من حبهم لمصر وشعبها وقادتها، امتلكوا الأراضى والمحلات والعقارات، وأقاموا المصانع والمشروعات الاستثمارية، واستعانوا بالعمالة المصرية فى تشغيلها، فأصبحوا بذلك قوة اقتصادية.
مع نهاية الكتاب تظل الأسئلة العالقة: هل حب البهرة لزيارة المقامات المقدسة هو السبب الوحيد لمجيئهم؟ وهل يحتاج زائرو المقدسات إلى إنشاء إمبراطورية اقتصادية؟ أو إلى زيارة لكل رئيس للجمهورية؟ أو إلى توثيق العلاقة مع الأمن والمسئولين؟ هى مجرد تساؤلات تثار فى الأذهان – كما تقول المؤلفة – حينما نكون بصدد دراسة طائفة البهرة كطائفة أجنبية تحيا بسلام على الأراضى المصرية. 
 
محاولات تجنيد الفلاحين فى الجيش المصرى
أصدرت الهيئة العامة لقصور الثقافة كتاب الأمير عمر طوسون، “الجيش المصرى البرى والبحرى على عهد محمد علي”، الذى يكشف أن الجيش المصرى لم يكن جيشا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل كانت القوات مؤلفة من عناصر غير وطنية لا تنتمى إلى تراب مصر، وتميل بطبيعتها إلى الشغب والفوضى، خليط غير متجانس من الأكراد والألبان والشراكسة، أى جنود غير نظاميين، ولم يكن لمثل تلك المجموعة المختلطة من الأجناس الغريبة عن مصر الشعور القومي، الذى يشعر به أبناء البلاد ولم يحملوا هم الوطن والغيرة عليه، وكان تنظيم هذه القوات رهن نتائج الانقلابات السياسية والخيانات المتتالية بين الفئات الحاكمة أو الساعية للحكم، ولم تكن هذه القوات فى مجموعها خاضعة لنظام عام أو تدريب ثابت.
وعندما أدرك محمد على حكم مصر سنة 1805، تولى بنفسه تنفيذ سياسة تنموية بعزيمة حديدية، وبذل فى ذلك جهودا جبارة حتى خلف أعمالا ومنشآت يزدان بها تاريخه، فشملت البلاد موجة من النهوض الزراعى والصناعى كفلت لها الرخاء والأموال الطائلة التى أمكن بفضلها الاحتفاظ بقوات عسكرية كبيرة ومتطورة، ليس أدل على ما جنته مصر من ثروة ورخاء بفضل هذه السياسة الحكيمة من قول محمد على للقنصل الفرنسى "ميمو" عندما أنذره بتدخل أوروبا:"تخطئ أوروبا خطأ آخر باعتقادها أننى فى حاجة إلى المال، وأكبر دليل على عدم صحة هذا الاعتقاد أننى لا أبيع محصول القطن، مع أنه من أهم موارد مصر، وجنودى يقبضون مرتباتهم بانتظام، وإننى لا أعقد قرضا ما فى بلاد ما، ولست مدينا لأحد بشيء".
يوضح الكتاب أن محمد على بذل جهدا كبيرا فى إنشاء جيش من الفلاحين أبناء البلد، وقد أتيحت له الفرصة ليشهد الجيوش الأجنبية فى قتالها، فقاتل الفرنسيين فى معركة الرحمانية، واستطاع أن يشهد نظامها الحديث، وتكتيكاتها، وقارن بينها وبين الحالة التى كان عليها الجيش المصرى قبل تطويره، فصمم على أن يستبدل بجنوده غير النظاميين جيشا على النظام العسكرى الحديث متى سمحت الفرصة بذلك، وفى محاولته الأولى (أغسطس 1815) لتجنيد الفلاحين المصريين انضم علماء الدين إلى الألبانيين وعارضوه، ووصل الأمر إلى التآمر على حياته، لذا لجأ إلى تجنيد السودانيين لكن التجربة فشلت، فلم يبق أمامه من مفر سوى اللجوء مرة أخرى فى عام 1820 إلى تجنيد المصريين.
وقد عارضت الطبقة الأرستقراطية التركية ذلك بشدة، وكانت حجتهم أن الجندية مهمة نبيلة يحط من قدرها أن تصبح فى متناول الفلاحين، كما أن وضع السلاح فى أيديهم، إنما هو تسليمهم الأداة التى يطردون بها العثمانلي، ومن ناحية أخرى قاوم الفلاحون تجنيدهم لأنهم لم يروا مصلحة لهم فيه فى بداية الوقت، واعتبروا التجنيد عملا من أعمال السخرة، لكن بمرور الوقت تجاوبوا مع الوضع الجديد، واستطاعت مصر القيام بأعباء الكفاح الحربي، وحققت تاريخا مجيدا للعسكرية المصرية، حتى ملكت جيشا يخشاه العالم. 
 
ملياردير العقارات نجم تليفزيون الواقع.. سيرة مصورة عن الرئيس الأمريكى ترامب
ملياردير العقارات، نجم تليفزيون الواقع، رئيس الولايات المتحدة؟ هكذا يتساءل “تيد رال” فى كتابه “ترامب سيرة مصورة” الذى ترجمته إلى العربية شيرين عبد العزيز وحررته مها كساب، وصدر عن مركز المحروسة للنشر، حيث يوضح الكتاب أن ترامب ورث ثروة طائلة عن والده، لكنه أراد المزيد، لدرجة أنه هو نفسه تحول إلى علامة تجارية، وقام بتسويق شخصه كمنتج، وبنى إمبراطورية مالية، لكن هذا لم يكن كافيا، فأراد أن يكون رئيسا، وكان على استعداد لأن يفعل ما يتطلبه الأمر، فترامب الذى لم يشغل منصبا سياسيا أبدا أظهر هدفه، وهو الاستيلاء على الحزب الجمهوري، وقد صدم الجميع باستثناء أولئك الذين عرفوه.
يقدم تيد رال فى نهاية السيرة المصورة لترامب، ما يسمى كلمة ختامية، يواصل فيها طرح الأسئلة، والإجابة عنها، ويبدو واضحا أنها صيغت قبل فوزه فى انتخابات الرئاسة الأمريكية، إذ يقول: يسأل الكثير من الأمريكيين أنفسهم كيف نجح دونالد ترامب فى أن يفوز فى ترشيحات الحزب الجمهورى للرئاسة؟ ويتساءل ناقدوه: كيف يمكن أن يفوز رجل من دون خبرة، ليصبح مسئولا حكوميا منتخبا؟ كيف يمكن لشخصية ساخرة مثله، لديها تاريخ طويل من الجدل، ويبدو أنه شغوف بكسب الأعداء أكثر من الحلفاء، أن تتاح له الفرصة، ليتم انتخابه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية؟
يواصل المؤلف طرح الأسئلة: ما الذى يميز هذا الرجل اللامبالى بالكياسة، إلى الحد الذى سمح له بالظهور فى عرض تليفزيوني، لمصارعة المحترفين، ليقنع الإعلام بإعطائه ما لا يقل عن 2 بليون دولار أمريكي، على شكل تغطية إعلامية مجانية؟ ما مصدر شخصية ترامب الفريدة؟ كيف أقنع ملايين المصوتين باختياره؟ هنا يوضح المؤلف أن موسم الانتخابات الشرسة عام 2016 يمدنا بمعلومات أكثر عن الأمريكيين، وعن السياسة الانتخابية للنظام الأمريكي، أكثر مما يخبرنا عن دونالد ترامب وهيلارى كلينتون وبيرين ساندرز، أو ما يقرب من المتنافسين العشرين، الذين قد تساقطوا على جانب الطريق، فى أثناء مشوارهم الانتخابي.
هذا الكتاب يتناول موضوعات أكثر أهمية، مما إذا كان دونالد ترامب عنصريا، أو إذا كانت هيلارى كلينتون فعلا منافقة، هذا الكتاب عن فشل نظام الحزبين الذى تم وصفه من قديم الأزل على أنه أفضل نظام سياسي، أنتجته البشرية على الإطلاق، ليخاطب أكثر احتياجات المواطن الأساسية، لا يزال هناك العديد من الآلام المتخلفة عن الأزمة الاقتصادية التى حدثت فى عامى 2007 و2008 فلا يزال المواطنون الأمريكيون يشعرون باليأس من المستقبل أكثر من أى وقت فى العصر الراهن، ففى هذا التوقيت كان الشعب الأمريكى قد استولى عليه الشك فى أن أمريكا فعلا تتجه نحو الانحدار ولن تقوم لها قائمة مرة أخرى.
الملاحظ – كما يقول المؤلف – حول شعار حملة ترامب الانتخابية، خصوصا أنها تصدر من رجل يميني، هو الإقرار بأن الأمور ليست جيدة، الإقرار بأن الشعب الأمريكى يعاني، لعهود طويلة، تظاهرت الطبقة السياسية، بأن كل شيء على ما يرام، عشرات الملايين من الناس عقدوا العزم على التغاضى عن عيوب ترامب، كمرشح وإنسان.
يعود المؤلف لطرح التساؤلات: ماذا لو أن ترامب ليس أكثر من محتال مشعوذ؟ هل يمكن أن نرى رئيسا منتخبا بشكل ديمقراطى يحول أمريكا إلى دولة استبدادية أو فاشية؟ هل من المحتمل أن يكون شخصا واعدا على المدى الطويل، وفيما يشبه النبوءة يقول المؤلف: “لا أحد يعرف ماذا سيفعل ترامب، هو نفسه لا يعرف ماذا سيفعل، ولهذا السبب قد يفوز”. 
 
هروب ناقد كبير من مصر 
الخطاب الثقافى كائن حى متطور، مصاحب للتغيير المنتظم للوجود “تقليد للجديد” كما سماه هارولد روزنبيرج، يكون ثمرة القطيعة الحديثة الشهيرة مع التقليد، الذى دام طويلا بما يكفى حتى الآن، لكى ينتج تقليدا جديدا قائما بذاته، وصياغة دور مناسب للناقد فى مثل هذه الظروف هى المهمة التى كرس الناقد الأمريكى من أصل مصرى “إيهاب حسن” نفسه لها، إن الناقد بالنسبة له أكثر بكثير من كونه وصيا وصانع أحكام، إن واجبات الناقد شاملة مثل الموضوع الذى يستوعبه، لقد كانت رؤية “إيهاب حسن” منذ البداية شديدة الشمول، كما يؤكد الناقد “جيروم كلينكويتز” فى تصديره لكتاب “الخروج من مصر مشاهد ومجادلات من سيرة ذاتية” لإيهاب حسن الذى ترجمه إلى العربية “السيد إمام” وصدرت الترجمة عن دار العين للنشر والتوزيع.
“إن الرواية الأمريكية المعاصرة لا تؤكد حضورنا فقط” كما يصرح “إيهاب حسن” فى عمله الأول “براءة جذرية” (1961) وإنما “تستكشف وتوسع شروط وجودنا” ومع الروح الحديثة الحائرة عشية الخلق، يحذر “ليس هذا وقتا يتجاهل فيه الأساتذة الجامعيون أحكام المشاعر الإنسانية” ويبادر إلى فحص ليس فقط وضع الأدب فى الوقت الراهن، وإنما الأفكار الأكثر عمقا والمشاعر التى تجعله نابضا بالحياة، إنه يعترف فى “النقد النظير” (1975): “إن الأسئلة المهمة التى يواجهها الجنس البشرى ليست أسئلة أدبية، إنها أسئلة الوعي، العقل، الحلم، الحب”.
دفعت هذه الأسئلة “إيهاب حسن” لاستكشاف عواقب الانتهاك والرؤيا النبوئية فى “أدب الصمت” (1968) وهو عمل بمثابة شهادة ونقد ذاتي، كما دفعته إلى طرح الأسئلة الجذرية التى تشمل حياتنا كلية، فى كتاب “تمزيق أشلاء أورفيوس” (1971) فى هذا العمل الأخير يكتشف “حسن” أهم موضوعاته “قد يثبت الخيال أنه العضو الغائى للنشوء” إن “نار بروميثيوس” (1980) الذى يتطرق للخيال والعلم والتغير الثقافى مكرس لهذه القضية.
وهو أيضا “شذرة من سيرة ذاتية خيالية” ومن ثم يؤدى مباشرة إلى العمل الحالي، لقد تعلم “حسن” من “هنرى ميلر” أن “الكتابة سيرة ذاتية، أن الكتابة علاج، نوع من الفعل ينعكس على الذات” وكما يعلم بول فاليري: “لا وجود لنظرية، ليست شذرة، مختفية بعناية لسيرة ذاتية ما” وإذا كانت البشرية تتحول بحق بواسطة وعى كلى جديد للعقل، كما يقترح عمل “حسن” بشكل مطرد، فمن الصحيح أن النقاد يتعاملون مع نشوئهم الخاص بوصفهم كينونات مفكرة وشاعرة.
إن رؤية إيهاب حسن” كناقد وناطق باسم الثقافة كانت حالمة على نحو خلاق، تقدم منارة مهمة لمشروع التيارات المتعارضة كونها تعبر عن الفكر النقدى المعاصر، ويرى “هارولد روزنبيرج” أن “كل من يتصدى للخلق سرعان ما يجد نفسه مستغرقا فى خلق ذاته” وعبر القراءة المتعدية الصحيحة لهذه العبارة الأخيرة– خلق الذات– يمكن فهم “الخروج من مصر” لإيهاب حسن.
تلقى التصديرات بعض الظلال على نفسها، سوى أن تصديرا لسيرة ذاتية قد يكون أكثر ظلالا، إنها تسعى لتسويغ المسوغ بالفعل، بإيجاز، ربما نقع، من ثم، على شيء من الجلاء والوضوح، وهنا يؤكد “إيهاب حسن”: “بدأت قصتى فى مصر، واستمرت أحداثها فى أمريكا، لكن كيف أحكى قصة انفصالي، منفاى الذاتي؟ فى شذرات على ما أعتقد، زلات للذاكرة، بقايا استبصار، فى مشاهد العمر، مجادلات محاجات، يجرى تذكرها (جميع أعضائها المبعثرة) مثل عظام أوزوريس”.
كتب إيهاب حسن هذا الكتاب فى ميونيخ وميلوكي، هاتان المدينتان تمثلان الأرضية التى يقوم عليها الحكى فى الحاضر الذى تنفصل عنه الذاكرة الجانحة بشكل متواصل، فقط لكى تعود إليه مرة أخرى، هاتان المدينتان تقدمان “مسرح الكتابة” حيث تكمل الحياة واللغة والتأمل تطورها، وتبلغ نهايتها الطبيعة، وهى أيضا جزء من القصة.
يقول حسن:”لقد قضيت جزءا من حياتى باحثا وناقدا ومعلما، فى التفكير، ومن ثم تختلط القصة بالتأمل فى هذا العمل، تختلط الشائعة والتدبر والتذكر، ليس من اليسير علينا فى عالمنا الراهن رؤية أين يبدأ التاريخ، وتنتهى السيرة الذاتية، إن الشقوق تتخلل كليهما، تتخلل الوجود المعاصر كله، وجودا نكدا، يمتلئ بالصمت والغضب، التضليل والرعب، لقد أقحمت مقالات مختصرة فى حكيي– صفحة أو صفحتين– فيما يبدو لملء هذه الشقوق”.
“الخروج من مصر” سيرة ذاتية غير تقليدية، تتناول قصة هروب المفكر والناقد المصرى الأمريكى “إيهاب حسن” من مصر أواسط أربعينيات القرن الماضي، وتكشف هذه السيرة الشائكة عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية والحضارية التى حدت بإيهاب حسن لاتخاذ هذا القرار، حيث يتناول الكتاب إحدى أخطر فترات تاريخ مصر المعاصر، سوى أنه، فضلا على ذلك، يكشف العديد من الجوانب الإنسانية فى شخصية هذا الرجل، الذى لم ير والديه منذ أن هاجر إلى الولايات المتحدة، سوى مرة واحدة فقط، ولم يشعر بالرغبة فى رؤيتهما أبدا منذ هذا التاريخ.
هرب “إيهاب حسن” من مصر على ألا يعود إليها، لكنها بقيت هاجسا يؤرقه حتى مات فى عمر يناهز التسعين، ظلت مصر تطارده مثل عرض لا شفاء منه ولا نجاة، إلى أن قرر أثناء زيارة ميونيخ أن يكتب مزقها ببنية سردية مشابهة تلائم أحد أكبر صانعى تيار ما بعد الحداثة ومنظريه، فكان “الخروج من مصر” بكل تلميحاته، التى لا تغيب عن الذهن، وحيث الأرض لعنة تلاحق المقيم فيها والهارب منها على حد سواء.
مترجم هذا الكتاب هو السيد إمام أحد من قدموا النظرية النقدية الحديثة للقارئ العربي، فعلى مدار ثلاثين عاما ولا يزال، يقدم منجزا لافتا للنظر فى ترجمة النظرية النقدية الحديثة، وتقديم نصوصها الفارقة والمؤسسة. 
 
الحياة العصيبة لتشارلز ديكنز
أصدرت دار آفاق للنشر والتوزيع ترجمة الدكتور نظمى لوقا لرواية تشارلز ديكنز “أوقات عصيبة” وهى من أهم روايات الروائى البريطانى الكبير ديكنز، كما أنها العمل العاشر فى ترتيب أعماله، ويظهر فيها المجتمع الإنجليزى بكل ضغوطه الاجتماعية والاقتصادية فى ذلك الوقت، وقد نجح ديكنز من خلالها فى إنشاء بناء عبقرى لرواية متسلسلة الأحداث، بشكل يعتبره كثير من النقاد معمارا فنيا راقيا للغاية.
 وتختلف هذه الرواية عن غيرها من روايات ديكنز فى أنها لا تدور فى لندن ولا فى ضواحيها، وإنما فى مدينة صناعية خيالية فى شمال إنجلترا، حيث يدور فى الرواية صراع حول حب المال، مقابل العواطف الإنسانية والمشاعر، إنه الصراع الدائم والمستمر فى تاريخ البشرية، كما أن رواية “أوقات عصيبة” هى رواية أزمنة ما بعد الثورة الصناعية، حتى نهاية الزمن.
ولد ديكنز فى بلدة بالقرب من ميناء بورتسموث فى السابع من فبراير سنة 1812 وتوفى فى مقاطعة بالقرب من بلدة روشستر فى التاسع من يونيو سنة 1870، ولم يذهب إلى المدرسة سوى فترة لا تتجاوز أربع سنوات، ومع هذا صار من كبار الأدباء فى اللغة الإنجليزية، ومن أدباء العالم البارزين، برواياته التى تعتبر تراثا إنسانيا، وقد عاش ديكنز طفولة مليئة بالمتاعب والآلام، وتراكمت الديون على والده، فزج به فى السجن وعمره عشر سنين، ووجدت أمه نفسها عاجزة عن إعالة اطفالها الأربعة، فحملتهم إلى السجن، ليعيشوا جميعا على نفقة الدولة مع زوجها الحبيس.
أما تشارلز وترتيبه الخامس بين أخوته، فقد شق طريقه إلى العمل فى مصنع للدهانات، التى تستخدم لتلميع الأحذية، فعانى ويلات تشغيل الأطفال الأحداث فى المصانع، وعرف عن كثب جحيم الطفولة المشردة، فكم من ليلة قضاها مع المشردين الصغار فى جحر واحد، فلمس خفايا نفوسهم عن كثب، ولم يعرف ديكنز الشقاء فى الطفولة فحسب، بل منى أيضا به فى حياته الزوجية، فقد قضى 23 عاما مع زوجة لا يشعر نحوها بالحب، وإن كان ذلك لم يحل دون إنجابه منها عشرة أطفال، وفى الوقت الذى كان العالم المتحضر كله يمجد ويجل الكاتب العبقري، نصير الطبقات المغبونة والمعانى الإنسانية الرفيعة، والمبشر بالمحبة والتراحم، كان بيته مثالا للشقاء، وهكذا جنى ديكنز العلقم فى أطوار حياته الخاصة، ومن هذه النار التى اكتوى بها قدم للإنسانية أدبه الصادق المشرق العميق. 
 
الأمريكيون يضطهدون السينما البريطانية 
تعد المملكة المتحدة من الدول الفاعلة فى تطور السينما تكنولوجيا وتجاريا وفنيا، وربما تعد الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة فى تقديم نجوم السينما العالميين، وبرغم تاريخها الناجح فى الإنتاج فإن صناعة السينما الإنجليزية تتعرض لنقاش حاد دائم حول هويتها، سواء الثقافية أو الاقتصادية، وتأثير كل من السينما الأمريكية والسينما الأوروبية عليها، ومن المنصف أن نقول إن هذه السينما قد مرت بفترة ذهبية قصيرة فى الأربعينيات من القرن الماضي.
وقد تعرض الإنتاج السينمائى البريطانى لموجات من الازدهار والتراجع، ورغم أن هناك الكثير من العوامل التى يمكن دراستها لمعرفة أسباب النجاح لأية صناعة، فإن عدد الأفلام المنتجة فى كل عام يمكن أن يعطى تقييما عاما لهذه الصناعة، حيث شهدت صناعة السينما الإنجليزية أول فترة ازدهارها فى بدايتها خلال العقد الأول من القرن العشرين، لكنها سرعان ما تراجعت فى العقد التالي، بسبب المنافسة مع السينما الأمريكية وللممارسات التجارية الهادفة للربح فقط.
وكما يشير أحمد شوقى عبد الفتاح فى كتابه “أضواء على السينما البريطانية” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فإن هذه السينما تواجه نوعا من الاضطهاد الغريب الذى مارسه الأمريكيون عليها عبر المحيط، ومارسه بصورة أخرى الفرنسيون لأسباب تاريخية مفهومة، ففى الثلاثينيات من القرن العشرين تسربت فكرة مؤداها أن السينما شكل من الفنون لا يتناسب والشخصية الإنجليزية، هذا التقييم الخاطئ تبناه بعض النقاد والمؤرخين السينمائيين، لكن الصورة لا تبدو فى صورة تنافس شرس بين السينما البريطانية والسينما الأمريكية أو الفرنسية، فكل يعرف حجمه وموقعه، ويقدم ما لديه، فالسينما الهوليوودية المسيطرة على السوق العالمية لا تتوقف عن دعم سيطرتها على السوق السينمائية العالمية، سواء من تقديم أفلام بتكاليف لا تستطيع الشركات الأوروبية أن تتحملها أو بسيطرتها على دور العرض فى معظم دول العالم بخاصة الأوروبية، من خلال شركاتها العابرة للقارات. تدور السينما البريطانية فى مسيرتها الطويلة عبر عدة محاور أساسية فهى تبحث طول الوقت عن هويتها الضائعة فى الهوية الأمريكية، وقد وجدوا متنفسا لهم فى الأفلام التراثية التاريخية القديمة التى تعبر عن تجارب وشخصيات لا يمتلك المجتمع مثيلا لها، بحكم حداثة نشوئه، فتاريخ الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس، وقصص الملوك والملكات تعبر عن هوية خاصة لا يستطيع أحد أن يخطئها، لكن العقبة تكمن فى الجمهور الذى لا يفرق أحيانا بين الفيلم كمحتوى وبين الفيلم كصناعة، فتنسب بعض أهم الأفلام التاريخية البريطانية للسينما الأمريكية، دون أن يكون هذا صحيحا، وقد أسهم الإنتاج المشترك والتداخل بين تعريفات النقاد والمؤرخين فى هذا الاضطراب.
ارتبطت الواقعية بالسينما التسجيلية البريطانية برباط وثيق، حيث استلهمت منها التصوير خارج الاستديوهات والتقشف فى جماليات الصورة بما يتناسب مع الشخصيات والأحداث والأماكن التى تدور فيها، لقد كانت السينما التسجيلية هى التى قدمت بريطانيا للعالم من خلال أفلام رائعة سجلت صور الحياة والحرب بشكل لم تستطع السينما الروائية أن تكون بصدقه، وكان رواد السينما التسجيلية البريطانية هم الذين وضعوا القواعد الواضحة التى سارت عليها السينما الواقعية فيما بعد فى كل أرجاء أوروبا، سواء فى إيطاليا أو فرنسا أو غيرهما.
عبر صفحات هذا الكتاب نجد تعبير السينما البريطانية عن نفسها وعن المجتمع البريطاني، وعن التنوع السينمائي، والتنوع فى واقع الحياة الذى كانت السينما مرآة لرصد تغيراته، وكما يقول أحمد شوقي: “فضلت أن أجعل فصول الكتاب تسير فى تسلسل زمني، بحيث يمكن للقارئ أن يتعرف على المراحل المختلفة التى مرت بها السينما البريطانية بشكل واضح بسيط واقعي، فقد فرض علينا خلو المكتبة العربية من أى مصادر أو مراجع عن هذه السينما أن نقدم الملامح العامة والأسماء الكبيرة والاستديوهات المهمة التى كان لها دور فى صناعة الأفلام عبر مسيرة السينما البريطانية منذ ظهور فيلم “حادثة كوخ كلوفللي” فى عام 1895، الذى يجمع النقاد والمؤرخون على أنه أول فيلم بريطانى على الإطلاق.
هذا الكتاب هو الوحيد فى المكتبة العربية الذى يتناول السينما البريطانية المهمة فى الحاضر، مثلما كانت فى الماضي، ومثلما ستكون فى المستقبل، الكتاب يبحث فى تاريخها وتطورها كما يتناول المعضلات فى الكتابة النقدية والسينمائية وتطور الرقابة والمعايير التى تحكم التقسيمات التى تلتزم بها بريطانيا فى تعاملها مع العروض السينمائية.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg