رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 15 اغسطس 2018

مقالات



.. وطار فوق عش المجانين

9-5-2018 | 00:31
مهدى مصطفى

..ونفذ دونالد ترامب وعده ووعيده، وعد بالانسحاب من اتفاقية التجارة عبر المحيط وفعل، فكسر ضلعا من ضلوع العولمة، وتوعد جماعات المناخ ونفذ وعيده وغادر اتفاقية باريس للمناخ، واستدار إلى إيران وخلع وحيدا دون الرفاق من الاتفاق النووي، وتهجم على جون كيري، وزير خارجية بلاده السابق، وقال له: ابق بعيدا يا جون .. فأنت تضر ببلادك، وجون كيرى أحد مهندسى الاتفاق مع إيران.

حين ظهر ترامب على سطح الانتخابات الأمريكية كان قليل من الناس يتخيلون أنه سيكون الرئيس الخامس والأربعين، وقليل منهم كانوا يكذّبون أنفسهم بأنه سينفذ وعيده الانتخابي، فكثير منهم يحفظ المقرر، ويكتبه فى ورقة الامتحان وليس من الضرورى أن يفهمه.
 
المستحيل يحدث غالبا، ومن شاهد فيلم (وطار فوق عش المجانين) لجاك نيكلسون، قد يصدق أن الجنون قرار يحدث فى الواقع، وأنه يمكن أن يتعايش شخص ما بين المجانين، ومشهد العالم الآن أحد مشاهد ذلك الفيلم الشهير حائز جوائز الأوسكار.
 
ومثلما تعاطف الجمهور الأمريكى العادى مع ماكمرفى بطل فيلم «وطار فوق عش المجانين» يتعاطف الآن مع كل قرار مثير للجدل يتخذه ترامب، فماكمرفى لم يكن مجنونا قط، ولكنه عاش بمحض إرادته دور المجنون، ليكتشف عالما شديد الخطورة، وأن الذين يتخذون فيه القرارات هم المجانين الفعليون، كما تفعل الممرضة الرهيبة ميلدريد راتشيد، المتلاعبة بالمرضى، والمخادعة الجبارة.
وتعالوا بنا نعيد مشاهد الفيلم الواقعى فى منطقة الشرق الأوسط المنكوبة، ولنبدأ من باراك أوباما صاحب الاتفاق النووى المسمى( خطة العمل المشتركة) أو اتفاق 1+5، بين إيران من جانب، والدول دائمة العضوية فى مجلس الأمن” الصين وأمريكا وفرنسا وروسيا وبريطانيا” + ألمانيا من جانب آخر، ووقع هذا الاتفاق فى يوليو 2015، وساعتها أحس العرب أنهم الوحيدون المحرومون من جنة السلاح النووى، فالعراق اقترب فدمروا له مفاعل تموز، وسوريا حاولت فقصفوا لها مراكزها العلمية، وليبيا وصلت إلى حافة القنبلة فحصلوا على معداتها طوعا، هذا غير ملاحقة واغتيال علماء الذرة العرب، وحدها إسرائيل تملك السلاح النووى، وترامب فى قراره بالانسحاب اعتمد على وثائق نيتانياهو المخابراتية عن المفاعلات النووية الإيرانية. 
 
وترامب الآن يمزق كل قرارات واتفاقيات أوباما، وهذه حالة نادرة فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، فهو يهدم كل قواعد نخبة واشنطن، وكل قواعد نخبة الحلم الأمريكى حول العالم، يغير من قواعد اللعبة، وقد استمرت من نهاية الحرب العظمى حتى أوباما، الوكيل المعتمد لتوصيل التيارات الأصولية إلى السلطة، والداعم إذا كانت موجودة بالفعل كحالة إيران.
 
وحتى لا نحمِّل أوباما وحده عبء سياسة أمريكية استمرت أكثر من 70 عاما، فإن الشعب الأمريكى وراء المحيط كان فى حاجة إلى شخصية ماكمرفى ليقرع الأجراس، فكثير من هذا الشعب يرغب فى الابتعاد عن أمراض العالم القديم، فهذا العالم تسبب فى حربين عالميتين، وأمريكا خاضت هاتين الحربين دون رغبة عميقة، لكنها انغمست بعد هجوم اليابان على بيرل هاربر، وكثيرا ما رغبت فى الانكفاء وراء المحيط.
 
وترامب لا يخفى هذه الرغبة فى كل تصريحاته، ويهاجم طوال الوقت نخبة واشنطن المؤمنة بالتمدد الجسدى فى كل بقاع العالم، لكن بعض الناس مازالوا حالمين بصورة أمريكا السابقة، القادرة على قيادة الدنيا بالقوة الرادعة للأبد.
 
والحقيقة الأولى أن مشهدا واحدا فى الشرق الأوسط قد يجعل هذه المنطقة آمنة، وهو تنفيذ المبادرة الدبلوماسية المصرية العتيقة، المطالبة بخلو الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، سواء فى إسرائيل أو إيران أو غيرهما من دول الشرق الأوسط، ثم موقف مصر الراسخ بإقامة دولة فلسطينية مستقلة بعاصمة فى القدس الشرقية، وهذا أمر لا مفر منه الآن وغدا وبعد الغد، حتى لا تصبح فلسطين حصان طروادة الدائم، وهى أنبل وأشرف قضية تحرير وطنى فى العالم، لو أن أهلها يعلمون!!
 
والحقيقة الثانية، وقلتها سابقا، إن ترامب هو بمثابة فيل دخل محل خزف، فهو يكسر كل أعمدة النظام العالمى بتصريح صغير أو تغريدة على موقع تويتر، ويغير من مسار الجغرافيا، تمهيدا لانسحاب أمريكى شامل من العالم، وليست قضية كوريا الشمالية وتصفية سلاحها النووى ببعيدة، وسوف يواصل وعيده الانتخابى، وسوف تشجعه جبهة شعبوية أمريكية لا تكترث كثيرا لرطانة نخبة تردد ما تحفظ، وتكتب من دفاتر باردة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg