فنون



العقل الباطن.. شفرة هوليوود لتفتيت المجتمعات

10-5-2018 | 14:59
د . مصطفى فهمى

داخل كل واحد فينا قوانينه التى تأخذ صفة المهندس، لتنظيمها حياتنا بداية من علاقتنا بأنفسنا، مرورا بعلاقاتنا بالآخرين، وصولا لتحديد أهدافنا العملية، والاجتماعية، العقائدية، لتظهر فلسفتنا ورؤيتنا فى الحياة يتمثل فى فكرنا وتصرفاتنا كشكل نهائى لهذا المزج عنوانه أسماؤنا، فبذكرها يستحضر كل منا رأيه فى الآخر بناء على ما يحمله الاسم من مزيج، وعليه تصير الصداقة، ويكون البعد والفراق طبقا لتشابه الشخصيات فى الكثير، أو اختلافها فى الكثير .. فكل واحد منا يحاول الحفاظ على قوانينه، ليس باعتبارها المهندس فقط، لكن لكونها البرمجة الخاصة لشخصياتنا، والعبث بها يجعلنا مثل الكمبيوتر الذى هاجمه فيروس، فجعله مضطربا.
 
الحلم.. كلمة السر للسيطرة علينا بوجهى عملة الأول بمزاجنا وكامل رغبتنا، والثانى الغرباء وتسللهم لنا بالحيلة العاطفية كما فى فيلم "Inception " أو "بداية" بطولة ليوناردو دى كابريو، التى تدور أحداثه حول رجل ومعه مجموعة يسرقون أفكار رجل أعمال عن طريق إدخاله فى حلم يكون البوابة للدخول فى عقله الباطن بإطلاقه يتصرف كما يشاء ليشكل واقعه الذى يريده، ثم يزرعوا أفكارا تخدم هدفهم فى الحصول على المعلومة واستغلالها بشكل غير شرعى، كما قال ليوناردو دى كابريو قائد المجموعة للمهندسة المعمارية التى استعان بها لبناء الواقعى الافتراضى للحلم بشكل معقد.
بدأنا كسكان للأرض معايشة هذه الواقع عام 2010 مع عرض الفيلم، وبداية انتشار الفيس بوك بعد ظهوره عام 2007 كأول مواقع التواصل الاجتماعى، ثم توتير لتبدأ الصدقات تتكون مع الغرباء، والآراء السياسية تتداول، والتوجهات تظهر، ويفصح كل صاحب توجه عن رؤيته، وانطباعته لنكون مثل الكتاب المفتوح لمجموعة اقتحام العقل الباطن الذين يجمعون جميع المعلومات عن كل واحد ثم يبدأون فى زرع الأفكار لأفراد المجتمع وليس شخص بهدف تحويل المجتمعات ، ولتحقيق ذلك تم تحديد ثلاث مراحل.
 
الأولى: فى نقاش المجموعة للطريقة المستخدمة لجلب المعلومات من فيشر الابن يحددها قائدهم قائلا:"يتحفز العقل الباطن بالعاطفة" ، "العاطفة الإيجابية تغلب على العاطفة السلبية"، لكن كيف تحقق فى الواقع؟
 
بداية ظهور الفيس بوك، حتى منتصف 2010 كان الهدف تكوين صداقات، ومن ثم الحديث مع الأصدقاء الجدد بمرور الوقت بكل راحة واسترسال لتأخذ هذه العلاقات شكلين أما تحويل الصداقة الإلكترونية إلى صداقة على أرض الواقع، أو تكون آخر حدودها الواقع الافتراضى.
الثانية: مع بدايات النصف الثانى من 2010 بدأت الصفحات الثورية تنشط بقوة لاعبة على العاطفة الإيجابية بضرورة التخلص من الظلم، البحث عن العدالة، تنفس الحرية، فحققت التحفيز للعقل الباطن لكثير من الشباب، خصوصا جيل الوسط، وهم نفس الجيل الذى قدمه الفيلم، وشاهدناه فى بدايات 2011 وما شاهدته من حراك سياسى، واجتماعى غير شكل منطقتنا العربية، وظل الفيس بوك يلعب دوره فى التحفيز حتى وقت قريب.
لكن هذه المرحلة شملت مستوى آخر من الحلم تحدث عنه الفيلم يؤكد أن مواقع التواصل الاجتماعى صممت لتحقيق الفوضى.. ففى مشهد الحلم مع ساتو نجد المهندس الذى صمم الحلم صنع الفوضى عن طريق شباب يقومون بتكسير وحرق كل شىء، بل وقتل من أمامه، فى حين أن المشهد داخل الشقة مختلف تماما فهناك مبارزة كلامية بين قائد المجموعة، والرجل المستهدف للحصول على المعلومات.
على أرض الواقع عشنا فى مصر هذه المرحلة فبعد تخلى الرئيس الأسبق مبارك، وتولى المجلس العسكرى الحكم أصبحت مواقع التواصل الاجتماعى، خصوصا الفيس بوك بها حرب قوية بين مجموعات عدة مختلفة الرؤى والتوجه، فى نفس الوقت كانت هذه الحرب على أرض الواقع منها على سبيل المثال مجلس الوزراء ، المجمع العلمى.. وغيرهما، وكانت هذه الأحداث رغم أنها فوضى وتخريب، لكنها كانت تهدف لإلهاء الناس عما يحدث من محاولات اختراق للدولة وجلب أدق معلوماتها، وأسرارها على مستويات مختلفة حتى عام 2013 الذى حسم أمر معلومات الدولة وأسرارها، لكنه كان عام القمة للعراك بين الشعب وبعضه بسبب التوجهات السياسية.
الثالثة: اعتمدت هذه المرحلة على الأفكار ذات البعد الاجتماعى أكثر من اعتمدها على السياسى كما فى المرحلتين السابقتين.. ففى النصف الثانى من عام 2014  ظهرت صفحات تبث الضغينة بين الرجل والمرأة فى ظهور، وأخذ كل منهما يتربص بالآخر، من جهة أخرى ظهرت صفحات تنادى بالحريات خصوصا العقائدية والجنسية فكانت النتيجة انتشار الإلحاد، والعلاقات غير المشروعة بين الرجل والمرأة، وانتشر بقوة الشذوذ، خصوصا بين الشباب وأصبحت لهم صفحات كثيرة تضم كثيراً من الشباب العربى.
أخذت صفحات الإلحاد، ونظيرتها الجنسية تستقطب أعدادا كثيرة وتحقق ما قاله قائد المجموعة فى الفيلم "ستشكل الفكرة شخصيته، وقد تغير كل ما فيه"، وفى قول آخر "الفكرة معدية جدا كالفيروس ومرنة، ويمكن لأصغر فكرة أن تنمو".
بالفعل أصبحت هذه الصفحات ممتلئة بكثير من الشباب تغيرت أفكارهم، وسلوكياتهم، وحققوا رغباتهم التى وجدوا أن المجتمع برفضه لها جعلهم يتجمعون فى هذا العالم الافتراضى تحت أسماء مزيفة، وصور لا تكشف وجوههم، وإن كشفت فتكون لأشخاص آخرين سواء رجالا أو نساء، وذلك خوفا من الفضيحة، لكن مع مرور الوقت بالأحاديث يستشعر كل من الطرفين الثقة فينتقل الحديث من الواقع الافتراضى سواء الفيس بوك أو غيره من مواقع التعارف العربية أو الأجنبية إلى تبادل أرقام الهواتف والحديث على الواتس أب، لكن يبقى الحذر موجودا بنسبة ضئيلة تنتهى بالمقابلة على أرض الواقع فى حالات قليلة جدا بسب استغلال البعض للرغبات الجنسية للطرف الآخر سواء رجالا أو نساء، وعند المقابلة تتم سرقته من خلال السارق وحده أو معاونة أشخاص آخرين، لتصبح النتيجة تفضيل الكثير عيش هذه الرغبات على مواقع التواصل الاجتماعى.
يبدو أن مبدأ العواطف الإيجابية قد انتهى مع هذه الصفحات التى تحقق إشباع الغرائز الجنسية فقط بين أطرافها، استخدام السيدات مع الرجال حيلة إثارة شفقته بحكيها عن أزمتها المالية التى تمر بها، فيرسل لها الرجل بالمال ويكون ضحية نصب.
أما الرجال فيستخدمون نفس الحيلة مع السيدات الأجنبيات، خصوصا من جنسيات أوروبية، لكن قصتهم تكون أنهم متزوجون ويعانون فى حياتهم الزوجية بسبب زوجاتهم وعدم فهمهن لطبيعة الرجل ، وأنه يرغب فى الزواج من محدثته، ثم يبدأ فى سرد مشاكله المادية ، وأنه فى أشد الحاجة للمال.
ولمدى استهلاك هذه الحيلة كتبت إحدى الفتيات ذات الجنسية الأوروبية على صفحاتها على أحد مواقع التعارف أنها لا ترغب فى معرفة المتزوجين ولا ترغب فى سماع المشاكل الزوجية، وأن وجودها بهدف تكوين صداقات بشكل محترم.
هنا يتحقق هدف آخر تناوله الفيلم بقول قائد مجموعة اقتحام العقل الباطن "نجلب الشخص إلى عالم الحلم، وهو يعمره عن طريق اللاوعى"

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg