رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 15 اغسطس 2018

مقالات



‏الإساءة للرموز طلبا للشهرة

9-5-2018 | 18:14
د. هادى اليامى

فوجئ المجتمع الثقافى والأدبى والإعلامى فى مصر بأحد أساتذة الجامعات المغمورين، وهو يتجنى على العالم الجليل الراحل الشيخ محمد متولى الشعراوي، ويكيل له الاتهامات الجزاف، ويصفه بـ «الدجال»، مما أثار ردود أفعال عنيفة وسط المثقفين وطلبة العلم، فكان الرد المفحم الذى اتخذته إدارة جامعة دمنهور بوقفه عن العمل، وإحالته إلى التحقيق بتهمة الإساءة لأحد رموز البلاد. وحقيقة فإن الإساءة إلى الرموز الوطنية، والشخصيات التى تحظى بإجماع وسط الرأى العام، والتصادم مع ثوابت المجتمع وقيمه باتت فى نظر البعض وسيلة للوصول إلى الشهرة، وما أقبحها من وسيلة، فهى هنا شهرة سالبة تجعل صاحبها عرضة لمقت أفراد المجتمع ولعناتهم.
 
لم أكن أتصور أن تبلغ الجرأة بأحد العوام والجهلة – ناهيك عن أستاذ جامعى – أن يتطاول على مقام الشيخ الجليل، الذى قضى عمره كله بين الكتب والمراجع الدينية، مؤصلا لها ومنقبا فى ألفاظ القرآن الكريم وتفسيراته، مستخرجا الدرر واللألئ النفيسة. كل هذا بدوافع علمية ودينية بحتة، دون ارتباط بأى جماعة سياسية، أو مذهب بعينه، بل كانت غايته الحقيقة، وهدفه خدمة العلم، وترك تراثا غنيا، مقروءا ومسموعا ومرئيا، فاستحق أن يجمع عليه الناس، لدرجة أن تفسيراته وآراءه باتت حجة ودليلا يعتمد عليها طلبة العلم.
 
وقد ظهرت فى المملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية بعض الأصوات التى تقدح فى العلماء والرموز، وتصفهم بما لا يليق بهم، وتتجاوز فى حقهم، فتصدى لها الملك عبد الله بن عبد العزيز – رحمه الله – بكل حزم وحسم، وأصدر قرارا ملكيا بإحالة كل من يتجنى على هذه القامات إلى القضاء ومحاكمته، فكان ذلك القرار بلسما شافيا، أسهم فى وقف تلك الظاهرة الكريهة.
 
ولا يحسبن أحد أن أسباب هذا التطاول تقتصر على مجرد طلب الشهرة، فإن هناك أهدافا أخرى يسعى لها من اسودت نفوسهم، من أبرزها ضرب هذه الأمة فى أعز ما تملكه، وهو قاماتها ورموزها، وهز ثقة المجتمع فى ثوابته، مما يؤدى إلى إحداث نوع من البلبلة والاضطراب، وتكمن خطورة هذا الوضع فى أن دعاة الفتنة والإرهابيين يستغلونه فى تمرير أفكارهم السوداء، وتبرير عملياتهم الإجرامية. وإن كان بعض المتطاولين لا يدرون عن ذلك شيئا، فعليهم إدراك أنهم يسهمون – من حيث لا يدرون – فى خدمة المخططات الإرهابية.
 
بطبيعة الحال فإن كل هؤلاء الرموز ليسوا معصومين من الخطأ، ولا منزهين عن الانتقاد، وأفكارهم ليست فوق المراجعة والتمحيص، لأنه لا عصمة إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن النقاش معهم والرد على أفكارهم ينبغى أن يتسم بأدب العلماء وأخلاقهم، دون حاجة إلى توجيه الإساءات و”قلة الحياء”، لأن هؤلاء الرموز من أمثال الشعراوى ليسوا ملكا لدولهم أو شعوبهم فقط، بل هم ملك لجميع الدول العربية والأمة الإسلامية، فقد أثروا وجدان المسلمين، وأسهموا فى زيادة ثقافتهم الدينية، وأمتعوا أسماعهم بجميل القول.
 
ختاما فإنى على ثقة لو أن هذا المتطاول المتجاوز فى حق الشعراوى تم تقديمه إلى مناظرة فكرية، فى مواجهة أفكار الشيخ الراحل، فإنه لن يقوى على الصمود، ولن يجد ردا يبرر به إساءاته، وسيتضح أنه لا يملك بضاعة فكرية تتيح له حتى مناقشة الأفكار، ولا يتعدى كونه مجرد باحث عن الشهرة أو طالب للمجد بغير وسائله المشروعة المعروفة، لذلك لم يجد أمامه سوى مقام الشيخ الجليل، وبات مثل من قال عنه الشاعر “كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل”.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg