رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 25 مايو 2018

مقالات



انتخابات لبنان ومأزق المستقبل

9-5-2018 | 18:12
د. حسن أبوطالب

لبنان حالة فريدة، فى سلمه وفى حربه، وفى نظامه السياسى وفى تكوينه السكانى والدينى والمذهبى، وفى تاريخه المتنوع وفى حاضره المتوتر. وهو ما يصنع حالة لبنان الفريدة. الانتخابات البرلمانية التى جرت يوم الأحد الماضى تجسد كل ذلك، لا سيما أنها المرة الأولى التى تجرى فيها وفق قانون جديد يعتمد النسبية والصوت الواحد وتقسيم البلاد إلى 15 دائرة، وهى أمور غير مفهومة لعموم اللبنانيين. إضافة إلى التأثيرات الإقليمية والدولية المحيطة بلبنان نفسه وبجيرانه المهمين، وفى المقدمة ما يحدث فى سوريا والأردن والدولة الصهيونية، وكذلك أشقاؤه المقربون كمصر والمملكة السعودية والإمارات. فضلا عن التأثيرات الإيرانية المنظورة والتدخلات الأمريكية والأوروبية عموما بأشكالها المتنوعة. وهى تأثيرات تجمع ما بين الضغط الناعم أحيانا، واليد الغليظة أحيانا أخرى. كل ذلك ينسج للبنان وأهله وضعا خاصا فى السياق العربى كما هو فى السياق الإقليمى. والأهم أن لبنان نجح فى اختبار إجراء الانتخابات نجاحا باهرا. أما النتائج فقضية أخرى.
 
ففى النتائج الأولية بعض الدلالات المهمة التى لا تخطؤها العين، حتى ولو كانت غير مدربة، فقد فاز تيار المستقبل بزعامة سعد الحريرى بأكبر كتلة فى الحصة المقررة للسنة قوامها 21 مقعدا، ولكنه فى الآن نفسه تراجع بنسبة الثلث قياسا لنتائج الانتخابات النيابية التى جرت فى العام 2009 وحصل فيها على 33 مقعدا، أى قبل ثمانية أعوام جرت فيها وقائع وأحداث كان لها تأثير كبير على اختيارات الناخبين اللبنانيين وعلى رؤيتهم للأشخاص والأحزاب والمسئولين، ومن بينها تفضيل انتخاب أشخاص جدد لعلهم يُنشّطون الحياة السياسية، وتأتى وجوه تنسجم أكثر مع متطلبات التغيير، الذى هو أولا وأخيرا سنة الله فى خلقه.
 
وكم كانت هناك آمال كبيرة على رفد البرلمان الجديد بشخصيات جديدة تعد نتاج نشاط مدنى صرفا بعيدا عن نفوذ الأحزاب الكبرى، إذ ترشح 66 شخصية تحت مظلة تحالف “كلنا وطنى” لم تفز منها سوى اثنتين، فى دائرة بيروت الأولى ذات الغالبية المسيحية، هما الإعلامية بولا يعقوبيان والكاتبة جمانة حداد. فى حين لم تتمكن القوى اليسارية، وأبرزها “الحزب الشيوعى اللبناني” و”حركة الشعب” (يسار- ناصري) من الفوز بأيّ من المقاعد. وتلك دلالة بحاجة إلى بحث جاد.
 
وهكذا أظهرت نتائج الانتخابات أن الوعى السياسى لدى المواطن اللبنانى ما زال متأثرا بشدة بالشخصيات السياسية والحزبية الكبيرة وذات التاريخ والنفوذ، وأن اختيار الوجوه الجديدة حتى ولو كانت معروف عنها النزاهة والعمل العام وخدمة المجتمع سيظل فى المرتبة الثانية أو حتى الثالثة. أو لنقل إن هذه الاختيارات الجديدة ما زالت مؤجلة لبعض الوقت، وهنا يظهر تأثير الطائفية السياسية التى يُبنى عليها النظام السياسى اللبنانى.
 
نعم لقد فاز تيار المستقبل بزعامة سعد الحريرى، ولكنه فوز ممزوج بالتراجع، بما يعنى أن مسئولية قيادة الحكومة الجديدة ستكون ذات طابع خاص، والمرجح أن حلفاء التيار سيقفون معه من بعض السنة ومن بعض المسيحيين والدروز، ولكنه وقوف سيتطلب معايير جديدة فى اختيار الوزراء، فحزب القوات اللبنانية الذى ضاعف عدد مقاعده من ثمانية مقاعد إلى 15 مقعدا، إن شارك فى الحكومة الجديدة سيطالب بعدد أكبر من المناصب الوزارية، وهو مطلب سيكون عادلا بحكم الأرقام والأوزان النسبية داخل حلفاء تيار المستقبل. 
 
ومن خلال النظر إلى الكتل المنتصرة، وفى مقدمتها ما يُعرف بتيار المقاومة الذى يضم التيار الوطنى الحر وحزب الله وحركة أمل، الذين فازوا بأربعين مقعدا، وإذا انضم إليهم حلفاء آخرون مثل تيار المردة وكتلة رئيس الوزراء الأسبق نجيب ميقاتى وغيرهم، وقد يحققون أكثر من نصف المقاعد النيابية مجتمعين، فسيكون من المتعذر تجاهل مثل هذه الكتلة سواء عند تشكيل الحكومة او عند الموافقة البرلمانية على بيانها، أو لتمرير أية أمور تشريعية أخرى بما فى ذلك توزيع المناصب العليا فى الجيش وقوى الأمن والوزارات. 
 
وقد يبدو منطقيا ولو من الناحية النظرية أن يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل جميع ممثلى القوى الكبرى الفائزة، وهنا ستتبلور إشكالية القواسم المشتركة الممكنة بين هؤلاء الأضداد. فالمعروف أن هناك أكثر من مشروع سياسى مستقبلى للبنان، أبرزها مشروع الاعتدال والتركيز على الوضع الداخلى والحياد وعدم التورط فى قضايا خارجية أو إقليمية شائكة. والثانى مشروع المقاومة، الذى يرى لبنان عربيا مقاوما للمشروعات الأمريكية والإسرائيلية بوجه خاص، وعدم الثقة فى من يعتبرون امتدادا لهذه السياسات الأمريكية، والتوجه للتحالف مع القوى الإقليمية المناوئة لإسرائيل وفى المقدمة إيران. 
وهكذا فلكل رؤية منطلقاتها السياسية والمذهبية والطائفية، ومواقفها العملية التى يراها مبدئية، ولا يمكن التنازل عنها، ومن ثم يظل التحدى الكبير هو كيف يمكن الجمع بين الكتل الفائزة كبيرة الحجم. خصوصا أن كلا من حزب الله وحركة أمل ينظران إلى النتائج التى حصلا عليها باعتبارها تأييدا شعبيا لسياسة المقاومة والتى تعنى فى أقل مستوياتها عدم التعاون مع الولايات المتحدة ورفع رايات المواجهة مع دولة العدو الإسرائيلى، وتعبئة إمكانات الدولة والمجتمع والجيش ضد الهيمنة الأمريكية وضد العجرفة الإسرائيلية، وكذلك ضد أى قوة عربية لا تؤمن بالمقاومة كأسلوب عمل. وهو منظور كلى يتصادم فى الكثير من عمومياته وتفاصيله مع المشروع الذى يمثله سعد الحريرى وحلفاؤه سواء من السنة أو الموارنة.
 
ومن بين الإشارات الأولى التى طرحها زعيم تيار المستقبل سعد الحريرى، زعيم تيار المستقبل، استعداده لتحمل المسئولية فى ضوء نتائج الانتخابات التى جاءت أقل من طموح تياره، لكنها ما زالت تؤكد أنه الأول فى المحيط السنى، وأن تحالفه مع تيار الرئيس عون مستمر، وأن فيه ضمانة لاستمرار الاستقرار فى لبنان. وهى إشارة تحمل معنيين، الأول أنه ما زال يراهن على جذب تيار الرئيس عون للرؤية العامة التى يتبناها تيار المستقبل، والثانى أنه منفتح على التعامل مع الأفكار الأخرى والتوصل إلى نقطة وسط يراها مفيدة للبنان ككل، لاسيما تجنيب البلاد أية مواجهات عسكرية قد تحمل ضغوطا لا يتحملها لبنان فى الوقت الراهن.
 
إشارات الرئيس الحريرى تتطلب بعض الوقت لنرى كيف سيتم التفاعل معها. إذ الأولوية تكمن فى متابعة كيف ستتعامل إسرائيل مع العهد اللبنانى الجديد الذى برز فيه حزب الله اللبنانى كقوة سياسية يستحيل شطبها أو التعامل معها كأمر عابر. ولعل التصريحات الصاخبة لبعض الوزراء الإسرائيليين بتحميل الدولة اللبنانية مسئولية أى عمل عسكرى، قد يقدم عليه الجناح العسكرى لحزب الله، ولو من أرض غير لبنانية، يكشف كم التوتر والإحباط اللذين أصابا هؤلاء واستعدادهم لتفجير الإقليم ككل، بدلا من التأمل فى نتائج الانتخابات اللبنانية واكتشاف دلالاتها الشعبية والسياسية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg