مقالات



غُطيان الحِلَل

9-5-2018 | 18:12
د.عمرو بسطويسى

امتعض «حمادة هاش» عندما أخبرته زوجته الأولى، أن ابنهما سيخضع لجراحة قلب معقدة، فسيضطر أن يترك محل الهواتف الذى يمتلكه فى الماكس بالإسكندرية ويذهب إلى القاهرة ليكون بجوار الابن. كان مستاءً، كونه سيترك مصدر رزقه، ليس فقط من التجارة، لكن كونه يستغل هذا المحل لبيع المخدرات فينفقها على الكيف وعلى الزوجة الجديدة الأكثر جمالاً وفتنة من سابقتها. 
سارت الجراحة الصعبة بشكل جيد. لم يُلق حمادة بالاً، فالعملية تكفّل بها كلٌ من المستشفى وإحدى الجمعيات الخيرية.
 
مرت ثمانية أيام، وبينما كان الطفل يتعافى، لاحظت الأُم تغيُّر لون القدم. تأكد للأطباء أنها جلطة دموية فى شريان الساق، وأثبتت التحاليل نقصاً وراثياً فى بعض عناصر الدم المضادة للتجلط، وأنها حالة نادرة تسبب الجلطات بشكل تلقائي. لم يكن هناك غير العلاج الطبى وكان مكلفاً، ولم يتردد الأطباء طمعاً فى شفاء الطفل بأية تكلفة.
 
لم يفكر الأب كثيراً فيما سيفعله. فمع زوجته الثانية ومع أفكارهما التآمرية، فلن يجدا فرصةً أعظم من هذه للحصول على تعويض ضخم من أصحاب المشفى والأطباء. أما الطريقة فكانت سهلة، فصفحات التواصل الاجتماعى متاحة وببعض كلمات منتقاه ومع صور لساق الطفل واتهامات بالإهمال والقسوة، ستنهال الشتائم على الأطباء والمستشفى من كل حدب وصوب ويتجمع حولهما طالبو الشهرة والمنتفعون.
 
وعلى الجانب الآخر كان هناك مُعدُّو برامج «التوك شو»، الذين يجوبون الإنترنت باحثين عن قصص تزيد من نسب المشاهدة وبالتالى قيمة الإعلانات. ولا يهم أن تكون القصة حقيقية أم صادقة، لكن المهم أن تكون مثيرة للمشاعر. ولا مانع من إضافة بعض الموسيقى الحزينة لتصل الحبكة الدرامية إلى ذروتها. ولا يهم إن تشوهت سمعة الأطباء أو غيرهم.
 
وفى قصة «حمادة هاش» وولده، عثر مُعدو أحد البرامج متوسطة الشهرة على ضالتهم المنشودة وذهبوا بها إلى مذيع البرنامج، الذى كان والداه ينتميان إلى الوسط الفنى القديم، ولم يكن ذى ثقافة تُذكر ولا طلةٍ يحبها المشاهد. وما إن تلقف القصة حتى انبرى على مدى يومين يصول ويجول فيها، موجهاً الاتهامات بالإهمال الطبى إلى أطباء لم يراهم ولم يسألهم، ولا يدرى عن أى مرضٍ يتكلم، وقام بعرض لقطات سينمائية تظهر قدم الطفل ومن وراءها وجهه وهو يبتسم، ضارباً بعرض الحائط كل قواعد خصوصية المريض والمرض.
 
كان الوضع أشبه بشخص مجنون يحمل زوجاً من «غطيان الحلل»، يدقهما فيصدر ضوضاءً يتجمع حولها الناس لبرهة ثم يغادروا دون أى إدراك. 
كان اليوم الثالث على التوالى، والرجل مستمرٌ فى دق أوتاده القاتلة فى قلب أسمى المهن، غير عابئ بأصولها ولا بالحقائق العلمية.
 
وكانت المواجهة عندما اتصل معدو البرنامج بمدير المشفى، الذى ظنها فرصةً ليوضِّح للناس الحقائق، فبدأ حواره متسائلاً: « يا سيدى الفاضل، عندما أشرح الآن ما حدث للطفل بشكل علمي، كيف لك أن تحكم على صحة كلامى وليس لديك أية خلفية طبية أو علمية ؟ ألم يكن من الأفضل أن نترك الأمر للنيابة أو الطب الشرعى؟». استشاط صاحبنا غضباً فقد كان سؤالاً منطقياً ومحرجاً. استمر الطبيب فى النقر على أوتار الجهل داخل صاحبنا، فسرد له الحالة المرضية بتفصيل علمى سهل وواضح. لم يكن الأمر مريحاً للمذيع، فقد سحب منه الطبيب بأسلوبه الصادق السجادة تماماً، وبدأ المشاهدون يتحولون بدفتهم من دائرة الكذب إلى دائرة الصدق.. من دائرة «غطيان الحلل» إلى دائرة المنطق البسيط.
 
أصبح الوضع جدُ خطير، فمصداقية المذيع والقناة أصبحت على المحك، ولو تُرك الطبيب يسترسل فى حواره لدقيقة إضافية، فسيُقضى عليهم تماماً. فما كان من المذيع المعجزة إلا أن صاح فى الطبيب قائلاً: « اسكت .. اسكت . أنا المذيع .. أنا الذى أتكلم» وأومأ إلى أصحابه أن يقطعوا الاتصال مع الطبيب، ثم مد يديه الآثمتين إلى «غطيان الحلل»، واستمر فى الدق عليهما، معلنا انتصاره الإعلامى الكبير ... إعلام غطيان الحلل. 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg