رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 25 مايو 2018

مقالات



الأسرة الباردة

14-5-2018 | 18:14
سهير عبد الحميد

النفس البشرية أيا كانت درجة بساطتها الظاهرة، إلا أنها معقدة، غامضة، عصية على الفهم، بداخلها الكثير من الصراعات المكتومة أو المعلنة، التناقضات والتساؤلات والاختلافات، ربما تكون سمتها الأصيلة "عدم الرضا" الذي يولد دوما الإحساس بالنقص وتلك البرودة فى الأطراف والمشاعر..

تلك النفس تحتاج إلى خبير ماهر ليحللها ويصنع منها نسيجا قابلا للقراءة والفهم ،وهذا ما نجحت فيه الكاتبة إيمان بدران في روايتها "الأسرة الباردة " حيث غاصت في أعماق شخصياتها التي هي شخصيات من الواقع الذي نعيشه يوميا بكل متناقضاته، وعبرت عن صراعاتها بصور بلاغية غاية فى الدقة تحسب لها .

القصة قد تبدو للوهلة الأولى تيمة معتادة ، الأمير الذي يملك كل شىء ويتزوج من ست الحسن الفقيرة فائقة الجمال، ويصارع  كي يتزوج من فتاته ليعيشا سويا في تبات ونبات ..لكن كاتبة الرواية هنا رسمت لنا مسارا مغايرا ،فست الحسن فتاة متوسطة الجمال ليست فائقة الذكاء وليست صاحبة كاريزما لا تقهر ، والزواج بينها وبين الشاطر حسن تم دون عناء .أما القصة فقد نسجتها الكاتبة  من حيث تنتهى روايات عالم الحواديت التي اعتدناها "وعاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان ونبات".

لنجد أنفسنا أمام قصة مغايرة وبداية مختلفة ونهاية مختلفة أيضا: "مهرة" الفتاة الفقيرة التي مات والداها، لتجد نفسها مكبلة بأعباء شقيقيها محرومة من كل إحساس بالحياة حتى حبها لـ"طارق" حب انتهى بمرارة الخذلان، اضطرت للعمل كمدرسة رياض أطفال كي تتمكن من الوفاء بمتطلبات أسرتها .

على الجانب الآخر نجد "نادر" سيد القصر "الذي يدير إمبراطورية هائلة يمتلك المال لكنه يعيش حالة من الفراغ والوحدة، اللون الرمادى هو ما يكسو حياته إلى أن يلتقى "مهرة" التى لم تنس حبها القديم ل"طارق" مما أفسد عليها حياتها مع "نادر" رغم كل ما قدمه لها من حب واهتمام ،فشلت أن تبادله حبا بحب ، وظل بالنسبة لها كالعنكبوت الذي يسعى لالتهام الفراشة  كما صورته المؤلفة في واحدة من تشبيهاتها البلاغية المثيرة للإعجاب بين ثنايا الرواية..لنوقن من جديد أن لغة القلوب لها سرها وأحكامها التي لا تخضع في معظم الأحوال لمنطق أو عقل.

وقفت المؤلفة فى الكثير من المواضع في منطقة البرزخ بين عالم الأغنياء والفقراء، نطلع من خلال صورها على نمط الحياة هنا وهناك، دون أن تضعنا في مواجهة ذلك الصراع التقليدي بين الطبقات الاجتماعية .بل لقد وضعتنا أمام بديهية نغفلها دوما، هى أن الجميع لديه نقص ما ، وأن الكل يعانى ويشعر بالحرمان سواء ساكنى القصور أو قاطني القبور.. فـ"نادر" رغم كل ما يملك عاش وحيدا حتى العلاقة بينه وبين شقيقه الوحيد "فؤاد" بادرة" على عكس علاقة " مهرة " الدافئة " بشقيقيها، والتى كان نقص المال هو جل معاناتها .

حتى العلاقة بين فؤاد، وابنته شهد فاترة لا يغلفها أدنى إحساس بالدفء كما ينبغي بين فتاة ووالدها .إنها الحياة التي تتوزع عطاياها بالقسط بيننا جميعا .لكن المظاهر في كثير من الأحيان قد تخدعنا .

"الأسرة الباردة " رواية فلسفية تحتاج إلى قراءة ما بين السطور لنجد أنفسنا أمام الكثير من المعان التي قد يستغرق البعض منا سنوات عمره كي يدركها جيدا.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg