رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 25 مايو 2018

مقالات



يا عم قورش كفاية خراب بابل

15-5-2018 | 23:02
مهدى مصطفى

 

 
العب يا تاريخ، ولترقصي يا جغرافيا. والتاريخ حزمة  مرويات، غالبا، يرويها المنتصرون، والجغرافيا شجرة راسخة، غالبا، لا يفهم مغزاها المقيمون، فيسرقها العابرون فى كلام عابر.
وبعد 70 عاما من إنشاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية بقرار دولي، جاء الرئيس الأمريكى ترامب  لينفذ وعيده الانتخابي  باقتطاع  القدس من قلب العرب وإعطائها للمهاجرين الأجانب الذين جاءوا من كل فج عميق.
وكان إسحاق دويتشر، المثقف اليهودى البارز، قد قال فى حوار مع مجلة «اليسار الجديد» البريطانية كلاماً عميقا وجهه إلى إسرائيل بأنه ” النصر الذى يحفر قبرك”، معلقا فيه على غرور  إسرائيل بعد حرب يونية 1967، محذرا فيه من غرور ذلك النصر الفادح، مؤكدا أن المنهزمين سيعودون لرد الصاع صاعين، ثم أعادت نشره مجلة الأزمنة لصاحبها جان بول سارتر عشية نصر أكتوبر 1973، شماتة فى العقل الخرافى المعجون بالأساطير.
والغرور الأمريكي الفادح، والأفراح الإسرائيلية العارمة بعد سرقة القدس، وسط عواصف الربيع السام الذى ضرب العواصم الحضارية الكبرى، بغداد والقاهرة والشام، لا يعنى أن رواية التاريخ انتهت إلى هذا الحد، وأن الانتصار تم، والمهمة أنجزت.
لقد قبل العرب بوجود إسرائيل بينهم! برغم أنهم ليسوا مسئولين عن محنتهم فى الغرب أو الشرق، وليسوا مسئولين عن ملاحقتهم فى أوروبا وروسيا، ولكن إسرائيل لم تعد تقبل بهم، ووصل بها الغرور إلى حد عدم الاعتداد بسكان الجغرافيا الأصليين. 
ما الحل؟
الحل سهل وبسيط، يبدأ من توقف الشعوب العربية عن جلد الذات، واللطم على الخدود، ومعايرة بعضهم البعض، فكلما اعتدى مجرم على شعوب المنطقة لا نواجه المجرم بالوحدة بل بشق الهدوم، وكتابة الهجائيات فى الحكام والمحكومين، وإلصاق كل نقيصة إنسانية بسكان هذا الإقليم المنكوب ، وهو غاية المراد للمعتدين، وكأنهم عرفوا وأدركوا أنهم كلما اعتدوا علينا بكينا وصرخنا وأهنا تاريخنا، ثم  تبددت طاقتنا، وعدنا نحصى هزائمنا، ونسجلها فى التاريخ المروى، كما يكتبه المنتصرون تماما.
والحل أيضا، يكمن فى تعريف شعوب المنطقة بدور القوى المجاورة لهم، مهما ادعت أنها تناضل من أجل قضية فلسطين، فى وقت تصطف فيه إلى جانب المهاجمين لتدمير شعوب المنطقة، جرى هذا مع الغزو الأمريكى البريطانى المزدوج للعراق، وجرى أيضا فيما عرف بعملية جورج سوروس الثورية فى المنطقة.
اعترف هاشمى رفسنجانى، الداهية السياسى الإيرانى الراحل، بمساعدة أمريكا فى غزو العراق، بأنه لولا إيران ما استطاعت أمريكا دخول العراق، وخطب على خامنئى من المسجد الكبير بطهران، خطبة جمعة باللغة العربية، مذاعة على الهواء مباشرة، يوم 4 فبراير 2011 ، ووجهها إلى الجموع فى ميدان التحرير، بأن ما يجرى فى مصر هو استئناف متمم للثورة الإيرانية، أما الأتراك الجدد فلا يتوقفون عن حلم استعادة الخلافة.
ولتتأملوا معى حكاية العملة التذكارية الجديدة فى إسرائيل. فاحتفالا بسرقة القدس العربية سكت إسرائيل عملة من الذهب والفضة، على وجهها الأمامي صورتان  متجاورتان، الأولى لترامب صاحب الوعيد المنفذ، والثانى  لقورش، ملك الفرس العظيم، قائد أكبر إمبراطورية فارسية عرفها التاريخ القديم قبل الميلاد، وصاحب خراب بابل، وملك سومر وآكد وملك أربعة أركان العالم، المقدس لدى الإيرانيين، والمقدس لدى اليهود، والشخص الوحيد من غير اليهود الذى يأتى ذكره فى العهد القديم فى ثلاثة أسفار، الذى قال:(كلفت  ببناء بيت فى القدس)، فخرب بابل عام 539 ق.م، وأعاد اليهود إلى فلسطين، بما عرف بالسبي البابلى، فاستحق عملة تذكارية وطابع بريد،  واستحق أن يكون شريكا  لترامب فى المجد الصهيونى بعد 2500 عام.
أليس غريبا أن يتلاسن ترامب وإيران حول الاتفاق النووى فى وقت يحتفل فيه مع قورش باختطاف المدينة المقدسة؟
أليس غريبا أن يهدد عباس سدهى، العميد فى الحرس الثورى الإيرانى، بتسوية إسرائيل بالأرض إذا تجاوزت الخطوط الحمراء؟ وها هى تتجاوز وتسرق مدينة مقدسة بكاملها، ولكن عباس  لا يقول  كما نقول عاليا: يا عم قورش كفاية خراب بابل.
أما الفلسطينيون فعليهم أن يتخلصوا من درن الانقسام، ويعترفوا بأنهم شعب تحت الاحتلال، وعلى أجيالهم الجديدة ألا تنخرط فى صراعات المنطقة كما رسمتها إسرائيل بالضبط.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg