رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 15 اغسطس 2018

مقالات



العراق بعد الانتخابات.. البحث عن بوصلة للمستقبل

16-5-2018 | 14:22
د. حسن أبوطالب

فى ظل أزمات سياسية وأمنية واقتصادية هائلة، جرت الانتخابات العراقية، وهى الأولى بعد أن تم دحر تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابى، وأتت نتائجها بالكثير من المفاجآت، التى تغير إلى حد كبير خريطة التوازنات السياسية فى داخل العراق وفى محيطه الإقليمى والعربى على السواء. وإن كان من الصعب الآن توقع من سيشكل الحكومة ومن سيكون فى مقاعد المعارضة، فإن المحصلة واحدة فى كل الأحوال. هناك مرحلة جديدة وهناك بوصلة يتم البحث عنها وغير محددة بعد.

تكتلات حزبية ومفاجآت انتخابية
 
والمؤكد فى ضوء النتائج المعلنة للمحافظات العشرة الأكبر، أنه لا يوجد تحالف أو كتلة سياسية واحدة يمكنها أن تشكل بمفردها الحكومة العراقية المقبلة، فالمطلوب تأييد 165 نائبا بنسبة خمسين فى المائة زائد واحد، من إجمالى 328 نائبا يشكلون مجلس النواب العراقى. الأمر الذى سيجعل عملية تشكيل الحكومة المقبلة عملية عسيرة ومعقدة إلى أبعد الحدود، وسوف تشهد، بناء على خبرات الحكومتين السابقتين، أنواعا شتى من المناورات بين الكتل السياسية وبعضها، وانسحابات من هذا الفريق إلى فريق آخر، ثم تشكيل فريق جديد، وهكذا لعله ينجح فى تكوين حكومة تجد سند التأييد من البرلمان. 
 
المشكلة البارزة هنا أن كل تكتل سياسى، لا يعبر عن وحدة فكرية أو سياسية أو برنامجية متماسكة. وهناك خلافات كبيرة بين مكونات الكتل الأربع الأكبر التى تتشكل من حزب كبير نسبيا ومجموعة من المكونات الحزبية أو الائتلافات الأصغر أو شخصيات وقيادات عشائرية. فقائمة “سائرون” التى تتشكل من التيار الصدرى وحزبه الرئيسى المسمى “حزب الاستقامة” والحزب الشيوعى العراقى بزعامة رائد فهمى، و”التجمع الجمهورى” و”حزب الدولة العادلة”. والخيط الناظم لهذا التكتل هو شعار مكافحة الفساد والفاسدين، وبجواره الاهتمام بمطالب المواطنين فى الصحة والسكن والكهرباء والطرق، وكثيرا ما طالب تيار الصدر بأن يتم تشكيل حكومة من التكنوقراط والخبراء فى مجالات عملهم، بحيث يكونون بعيدين عن ضغوط الأحزاب السياسية وما تجره من مفاسد شتى وهدر للأموال العامة وتخبط فى الأداء، فضلا عن دعواته المتكررة بالتوازن فى علاقات العراق بين إيران والأشقاء العرب. وهو ما يطالب به إجمالا الحزب الشيوعى العراقى، الذى يعد الركن الثانى فى تحالف “سائرون”.
 
تقترب هذ الأفكار والمطالب من فكر رئيس الوزراء الحالى حيدر العبادى، وكان قد حاول تطبيقها جزئيا فى صيف العام 2016، لكن البرلمان آنذاك ومناورات “حزب الدعوة الإسلامية” وزعيمه القوى نورى المالكى رئيس الوزراء السابق، أفشلت تلك الجهود، وقد بدا آنذاك أن المالكى لا يريد للعبادى أن يحقق أى إنجاز حكومى له طابع شعبى.
 
أما “قائمة النصر” التى يرأسها العبادى فهو نموذج آخر من نماذج الائتلافات الحزبية الفضفاضة، التى تسعى إلى تغيير الواقع العراقى وبتدرج. والمعضلة هنا أن العبادى نفسه يعد عضوا قياديا فى حزب “الدعوة الإسلامية”، وقد أدت الانقسامات داخل الحزب أثناء الإعداد للانتخابات إلى الخروج بصيغة أن يُشكل الحزب قائمتين، إحداهما برئاسة العبادى، ضمت إليها شخصيات من الحزب وأخرى كردية وسنية. والقائمة الأخرى برئاسة نورى المالكى تحت مسمى “دولة القانون”. وكل من القائمتين تمثلان رؤية مختلفة للعراق ولعلاقاته الإقليمية، فالمالكى وهو رجل إيران الأول، ولا يُتصور أن يختلف معها على شىء، وهو الذى فتح لها أبواب العراق على مصراعيها، وعمل جاهدا طوال فترتى رئاسته للوزراء على تمكين إيران من مفاصل الدولة العراقية برغم الوجود الأمريكى. أما العبادى فلا يستطيع أن يكون متناقضا تماما مع إيران، وفى الآن نفسه لا يؤدى الدور الذى لعبه المالكى من قبل، وهو أميل الى علاقات متوازنة بين العراق وجيرانه من العرب وغيرهم، ويعمل على محاصرة أوجه الفساد الرهيبة فى مفاصل الدولة، ومنفتح على العالم الخارجى بشكل عام، ويشترك مع مقتدى الصدر فى الميل إلى المرجعية العراقية النجفية متمثلة فى السيد على السيستاني.
أما الأقرب إلى المالكى نفوذا واعتمادا أيضا على إيران فهو هادى العامرى عضو البرلمان العراقى وزعيم “ميليشيا بدر” والذى يقود “قائمة الفتح”، وبدوره يعتمد على نفوذ طهران، لاسيما الحرس الثورى، وعلى تشكيلات الحشد الشعبى وأبرزها ميليشيا “عصائب أهل الحق” وأمينها العام قيس الخزعلي، وميليشيا “النجباء” ورئيسها أكرم الكعبي، ومليشيا “حزب الله العراقي”، وربما ينضم إليهم “تيار الحكمة” برئاسة عمار الحكيم الذى انفصل عن المجلس الإسلامى الأعلى.
 
وإذا كان العبادى يمكنه التحالف مع “قائمة سائرون” لما بينهما من قواسم مشتركة خصوصا مناهضة المحاصصة الطائفية، فإن التحالف بين قائمتى دولة “القانون” و”الفتح” يعد أمرا طبيعيا، فكلاهما امتداد للنفوذ الإيرانى بلا أدنى خجل.
 
تحالفات صعبة لحكومة مستقرة
 
مثل هذه التحالفات الكبرى إن حدثت فلن تؤدى مباشرة إلى تشكيل كتلة نيابية يمكنها أن تشكل حكومة مستقرة، فستظل هناك حاجة إلى التحالف مع كتل أصغر وربما نواب مستقلين، ولكل من هؤلاء مطالبه التى يريد تحقيقها، وبالتالى سوف يتطلب تشكيل الحكومة العراقية عدة محاولات وربما تأجيلات زمنية. ولكن يظل تشكيل تحالف حكومى بين “سائرون” و”النصر” هو الأكثر احتمالا شريطة أن تنضم إليه كتل أخرى من السنة العرب والأكراد، مثل ائتلافى “القرار” و”الوطنية”، ومن كردستان “ائتلاف العدالة والديمقراطية” الذى أسّسه العضو السابق فى “الاتحاد الوطنى الكردستاني” برهم صالح، والمرشح لأن يكون رئيسا للعراق. والشرط الأهم الذى يضعه تحالف “سائرون” لدعم العبادى رئيسا للوزراء يتمثل فى التعهدات القائمة على برامج زمنية واضحة لمعالجة المشكلات التى يعانى منها العراق، لاسيما محاربة الفساد وتسمية وزراء تكنوقراط. 
 
أمر واجب ذكره
 
والأمر الواجب ذكره هو أن رئيس الوزراء حيدر العبادى، سواء حصل على فرصة ثانية لرئاسة الوزراء أو مارس السياسة من موقع آخر، فسيظل الرجل فى ميزان التاريخ مرتبطا بأربعة مواقف كبرى غيرت إلى حد كبير واقع العراق وتحالفاته الإقليمية والدولية، مقارنة بما كان عليه الوضع فى عهد سلفه نورى المالكى. المواقف الأربعة هى الانتصار على تنظيم دولة الخلافة المزعومة بعد معارك حربية استمرت 15 شهراَ كاملة، والثانى إجراء الانتخابات فى موعدها الدستورى برغم الضغوط. والثالث القدرة على التعامل مع الأضداد، ونعنى قدرته على الانفتاح على محيطه العربى خصوصا الدول العربية التى كانت تنتقد العراق لأسباب كثيرة من بينها التمدد الإيرانى الهائل فى مفاصل الدولة العراقية، جنبا إلى جنب الاحتفاظ بعلاقة جيدة وواقعية مع إيران ذات الامتدادات  الشعبية والمذهبية فى العمق العراقى. ورابعا إصراره على إلغاء نتائج الاستفتاء الكردى الذى جرت وقائعه غير الدستورية فى 25 سبتمبر الماضى، وقيامه بإعادة كركوك إلى حضن الدولة العراقية من خلال حملة عسكرية استمرت أقل من عشر ساعات ولم ينتج عنها أى مواجهات مع البيشمركة الكردية.
 
هذه الصفحات البيضاء كليا أو جزئيا، تقابلها صفحات أخرى لم يُكتب فيها شىء إلا النزر اليسير، نشير هنا إلى عدة ملفات كبرى لم ينجح العبادى فى التعامل معها بما يناسب مبدأ أولوية القانون والدستور وحقوق الدولة، منها تقنين وضع ميليشيات الحشد الشعبى، والفساد المستشرى، وملف النازحين والمبعدين عن أراضيهم وممتلكاتهم فى المدن التى تم تحريرها من “داعش”، ودور ميليشيات الحشد فى إعادة هيكلة هذه المناطق سكانيا من خلال توطين شيعة وإبعاد السنة وهم أهلها الأصليون، وحسم العلاقة بين المركز وإقليم كردستان فى ضوء الدستور العراقى. وسواء جاء العبادى رئيسا للوزراء إذا تحالف مع تحالف “سائرون، أو جاء غيره، فتلك الملفات ستظل ضاغطة على البرلمان والحكومة إلى أن تجد حلولا جذرية وإرادة سياسية وشعبية حديدية لمكافحة الفساد وبناء المؤسسات بدون محاصصة طائفية مقيتة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg